حكم قراقوش او قره قروش


يضرب هذا المثل للأحكام الجائرة, يفرضها على الناس حاكم متسلط , جائر, ظالم, فيمضي أحكامه فيهم طغيانا , وجبروتا , وظلما.
و" قره قوش" : عبارة تركية مكونة من كلمتين : "قره", ومعناها: أسود. و"قوش", ومعناها : نوع من الطيور البرية. و" قره قوش", لقب أطلق على أحد حكام مصر زمن المماليك .
وقراقوش او " قره قوش" ___ وهو بهاء الدين بن عبدالله الأسدي___ كان فتى من آسيا الصغرى. ثم انتقل إلى دمشق , واتصل بالسلطان أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين الأيوبي . ثم خدم السلطان صلاح الدين الأيوبي , بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه , فولاه حاكما على مصر , لما بدا عليه من النجابة, والإخلاص , والجد, والطاعة ,وكان قراقوش من الكرماء ، وشيوخ الدولة الكبراء ، أمير الأسدية ومقدمها ، وكريمها ومكرمها ، الرجل الذي له في الغزوات والفتوحات مواقف معروفة، وقد لفق الوزير أبو المكارم الأسعد بن مهذب ابن مماتي (1)ـ وكان نصرانياً أسلم هو وجماعته في ابتداء الدولة الصلاحية ـ لفق عن الأمير قراقوش أشياء، واشتطَّ كثيراً ، فقال عنه : إنه لا يميز بين المظلوم والظالم ، ويشتط اشتياط الشيطان ، ويحكم بما لم ينـزل الله به من سلطان .لقد دلس ابن مماتي في كتابه الفاشوش عن قراقوش خَرَفات لا تصح ولا يقبلها عقل سليم ، ولولا وثوق صلاح الدين بعقله لم يسلم إليه عكا وغيرها، وكانت لقراقوش رغبة في الخير وآثار حسنة ,حيث إن صلاح الدين كان معتمدا عليه في أحوال المملكة، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته مافوضها إليه،قضى مايزيد على الثلاثين عاما في خدمة السلطان صلاح الدين الأيوبي وابنيه وتوفي بالقاهرة سنة (597هـ)..
وقد كان خادم لصلاح الدين الأيوبي وقيل خادم لأسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين فأعتقه. ولما استقل صلاح الدين بالديار المصرية جعل له زمام القصر، ثم ناب عنه مدة بالديار المصرية، وفوّض أمورها إليه، واعتمد في تدبير أحوالها عليه. كان رجلاً مسعودًا، حسن المقاصد، جميل النية، وصاحب همة عالية، فآثاره تدل على ذلك، فهو الذى بنى السور المحيط بالقاهرة، و مصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل ، وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام ، وعمّر بالمقدس رباطا، وعلى باب الفتوح بظاهر القاهرة خان سبيل ، وله وقف كثير لايعرف مصرفه.
ولما أخذ صلاح الدين مدينة عكا من الفرنج سلمها إليه، ثم لما عادوا واستولوا عليها وقع أسيرًا في أيديهم، وافتك نفسه منهم بعشرة آلاف دينار في سنة 588هـ ، ففرح به السلطان فرحًا شديدًا، وكان له حقوق كثيرة على السطان وعلى الإسلام والمسلمين ، واستأذن في المسير إلى دمشق ليحصل مال إقطاعـه فأذن له.
والناس ينسبون إليه أحكاماً عجيبة في ولايته، وقد جرت بين " قره قوش" المذكور ,بن مماتي" بعض الأمور التي اغتاظ فألف فيه كتابا سماه: " الفاشوش في حكم قره قوش " , كما اسلفنا وفيه غرائب الطرف , والنوادر عن أحكام زعم أنها صدرت عن " قره قوش" إبان حكمه . فصارت مما يتندر به الناس , ثم سارت بينهم مضربا للأمثال .

من نوادر ماقيل عنه :

فمن ذلك: أن أحد اللصوص سطا_ ذات يوم _ على بيت ليسرق مما فيه . فتسلق الجدار حتى وصل أعلاه . وكان الجدار قديما متداعيا , فلم يتحمل ثقل اللص , فهوى به إلى الأرض , ومات اللص من ساعته . فأسرع أهل اللص إلى " قره قوش" فأقاموا عنده الدعوى على صاحب البيت , مدعين أنه قد أهمل في إتقان بناء الحائط , فتركه ضعيفا متداعيا . ولو كان متينا قويا لاستطاع معيلهم اللص أن يسرق , ماتيسر له , من غير أن يهوي به الحائط فيلقى مصرعه ويترك أهله من غير معيل ! . فاستدعى " قره قوش" صاحب البيت , وزجره , ووبخه, ثم أصدر عليه حكم بالإعدام شنقا , جزاء وفاقا لتسببه في موت اللص المسكين . فأنكر صاحب البيت إهماله لبناء الحائط, وادعى أن الذنب في ذلك ليس ذنبه , بل هو ذنب " البناء " الذي بناه , وأنه ليس له من ذلك الأمر شئ . وعلى هذا فهو برئ من تهمة التسبب في موت اللص. فأمر " قره قوش" باطلاق سراح صاحب البيت , واستدعاء البناء.
فجئ له بالبناء الذي بنى الجدار. فزجره " قره قوش" , ووبخه , وأمر به أن يعدم شنقا , جزاء وفاقا لعدم إتقانه بناء الجدار, وتسببه في موت اللص المسكين. فاعتذر البناء بأنه بناء مجد, يتقن عمله دائما ولكنه عندما كان يبني الجدار, مرت به امرأة ترتدي إزارا أخضر جميلا , فأعجبه ذلك الون الأخضر , فدهش من حسنه , وبهت من جماله, مما تسبب في عدم إتقانه لعمله . فالمرأة هي المذنبة في الحقيقة , وليس هو, إذ أنها لو لم تكن مرتدية ذلك الأزار , لأتقن هو عمله , ولما مات اللص المسكين!. فأمر " قره قوش" باطلاق سراح " البناء" وجلب المرأة ذات الأزار الأخضر . فجئ له بها. فزجرها " قره قوش" , ووبخها , وأمر بها أن تعدم شنقا , لأنها سببت موت اللص بارتدائها ذلك الأزار الأخضر الجميل!.. فدافعت المرأة عن نفسها : بأن الذنب ليس ذنبها , وأن الناس يلبسون ماطاب لهم من ملابس ذات ألوان شتى ...وإنما الذنب هو ذنب " البزاز"_ بائع الأقمشة _ لأنه هو الذي باع لها الأزار! . وعلى ذلك فهي برئية من دم اللص المرحوم براءة الذئب من دم يوسف . فاقتنع " قره قوش" بقول المرأة , فأمر باطلاق سراحها , وأمر بأن يؤتى له بـ " البزاز" !. فجئ له به , فزجره" قره قوش" ووبخه , وأمر به أن يعدم شتقا , جزاء وفاقا , لبيعه الأزار الأخضر للمرأة , مما تسبب عنه عدم إتقان البناء لبناء الحائط , لإنشغال باله بالنظر إلى لونه الجميل, ثم موت ذلك اللص البرئ المسكين , الذي دفعه الفقر , واضطرته الفاقة , إلى السرقة!. فدفع " البزاز" عن نفسه بأن الذنب في ذلك ليس ذنبه, وإنما هو ذنب الصباغ الذي صبغ ذلك الأزار بذلك اللون الجميل , وأنه ليس له من الأمر شئ . فأمر " قره قوش" باطلاق سراح " البزاز" , وأن يؤتى له بالصباغ . فجئ له بالصباغ , فزجره" قره قوش" , ووبخه , وأمر به أن يشنق , جزاء وفاقا لتسببه بموت اللص المسكين . فلم يجد الصباغ مايدافع به عن نفسه , فسلم أمره إلى الله تعالى , وتقبل الحكم عليه مؤمنا محتسبا!. ثم سأل الجلاوزة سيدهم " قره قوش" عن موعد ومكان تنفيذ الحكم , فأمرهم بأن يعدم في التو واللحظة على باب داره . فأخذه الجلاوزة ومضوا به إلى باب داره , وثبتوا الحبل في إطار الباب , ثم وضعوه في رقبة الصباغ المسكين . ولكنهم وجدوا : أن الصباغ أطول قامة من ارتفاع الباب , ولا يمكن تعليقه بها . فذهب أحدهم إلى " قره قوش" , ورفع الأمر إليه , وأخبره بأن الصباغ أطول من ارتفاع الباب . فأطرق " قره قوش" هنيهة , ثم قال: " أطلقوا سراح هذا الصباغ , الطويل القامة , وفتشوا عن صباغ آخر أقصر قامة منه , فاشنقوه بدلا عنه !!."

ومن ذلك أيضا: أن رجلا كان يسير في طريق ضيق, وهو يحمل على رأسه بعض عيدان الخشب الطويلة . فظهر أمامه رجل آخر من منعطف الزقاق, فلم يستطع الرجل تفاديه , فأصاب طرف عود , من تلك العيدان , عين الرجل ففقأها!. فذهب الرجل إلى " قره قوش" وأقام الدعوى على الرجل حامل العيدان . فأمر " قره قوش" باستدعائه إليه. فلما مثل بين يديه , وأمر أن ينفذ فيه حكم الشرع كما جاء في القرآن المجيد , في الآية الشريفة:" وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف", وأن تفقأ إحدى عينيه!. وكان الرجل ذكيا, كيسا, ماهرا, . فقال: " سيدنل قره قوش..... أنا رجل أعمل حائكا... فأنا أرمي المكوك بيدي اليمنى , وأتبعه بعيني اليمنى.... ثم أعود فأرميه بيدي اليسرى وأتبعه بعيني اليسرى. فإذا فقأت إحدى عيني فإني سأعجز _ لامحالة_ عن القيام بعملي.. فأهلك جوعا , وتهلك معي عائلتي التي أعيلها ... لأني لاأحسن حرفة غير الحياكة!.." . فقال" قره قوش": " كلامك حق أيها الرجل... فما العمل؟". فقال الرجل: هذا جارنا " أبوجاسم".. رجل صياد . يغمض إحدى عينيه عندما يصوب بندقيته نحو الصيد ... فهو لايحتاج في عمله إلا إلى عين واحدة !. فلو فقأت إحدى عينيه _ بدلا من عيني_ فإن ذلك لن يؤثر شيئا على سعيه في الحصول على رزقه !". فقال" قره قوش": " إن كلامك مقبول ومعقول!. اطلقوا سراح هذا الرجل ... ثم إذهبوا فأتوا بذلك الصياد , فافقأوا إحدى عينيه بدلا من هذا الرجل!..".

ومن ذلك انه جئ له مرة بلص , فأمر به أن يقام عليه الحد , وهو أن تقطع يده . فقال له اللص: مولانا قره قوش.... أنا رواف ماهر ...أرتق الخروق , والفتوق, بمهارة مابعدها مهارة !.. فإن قطعت يدي سأصبح عاجزا عن ذلك العمل!. فأمر به أن تقطع إحدى رجليه بدل يده!...
وجئ له يوما برجل تخاصم مع صاحب له فبصق في لحيته ! . فأمر بالرجل أن تحلق لحيته . فقيل له أن الرجل سناط , أي لالحية له . فالتفت فرأى بجانبه حرسيا ذا لحية طويلة . فأمر أن تحلق لحية ذلك الحرسي بدل لحية الرجل!.....

ومن ذلك انه جاء فلاح إلى قراقوش يشكو لصاً سرق من داره دجاجة ، وقدَّم شاهداً ، وعند استجواب اللص واعترافه ، أعلن قراقوش الحكم التالي :
اللص غرم ديناراً ، وصاحب الدجاجة غرم ديناراً ، والشهد غرم ديناراً أيضاً وعندما سئل عن حيثيات هذا الحكم البهلواني قال معللاً :
حكمت على اللص لأنه معتدٍ على مال غيره ، وعلى صاحب الدجاجة لأنه قصَّرَ في حفظها ، ولما سئل ما ذنب الشاهد يا مولانا ؟!
أجاب قراقوش : لأنه تدخَّلَ فيما لا يعنيه.



فلا تصدق كل مايقال واعلم ان الحقيقه ولا غيرها ستظهر ولو بعد حين ..~