كان الشيخ يتحدث عن الطلاق، وكان يسرد آيات سورة الطلاق {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (الطلاق: 1). أكمل الشيخ حديثه، أما أنا فقد استوقفتني خاتمة الآية، وكأني أسمعها لأول مرة، وظل صداها يتردد في نفسي، وقد غبت تماما عن الحضور.. {لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}، وكأنني حصلت على الإجابة التي كنت أريدها لاستشارة طلبها مني أحد الأشخاص، كان قد أبلغني في صباح ذلك اليوم أنه قد طلق زوجته، وأبلغ وليها بهذا الأمر. وراح يسألني: ماذا أفعل بعد ذلك؟ وما هي الخطوة القادمة؟.

نهاية طبيعية

لقد تأزمت الأمور بينه وبين زوجته، حتى وصلت إلى هذه النهاية عبر شهور من الخلافات، كانت هي شهور زواجه الأولى، حاولت معه ومع زوجته عدة مرات للوصول إلى حالة من التكيف والاتفاق بينهما، لكن دون جدوى، حتى وصل الزوج لقرار الطلاق الذي اعتبره قرارا نهائيا لا رجعة فيه، وكان طبيعيا أن تتصل بي الزوجة باكية مذهولة متسائلة عما تفعله تجاه هذه الصدمة غير المتوقعة، أرجأت الإجابة على الطرفين، وظل عقلي يعمل مستعرضا حياة هذين الزوجين خلال هذه الشهور القليلة التي عاشاها معا ليكون الطلاق نتيجة منطقية لخلافاتهما الزوجية المتتابعة في هذه الفترة. ولكن ميلي الطبيعي إلى البناء، وكراهية الهدم، وإيماني العميق بقدسية هذا الكيان الأسري، كانت تقاوم استسلامي لحالة الطلاق التي وصلا إليها، وتدعوني لمحاولة الإصلاح بينهما، ولكن لم أكن أعرف من أين أبدأ؟ إلى أن جاءت هذه الآية وأنارت لي طريقي، وأجابت على سؤالي (لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).

ولأهمية هذه الآية جاءت في خاتمة الآيات التي تتصدر بها سورة الطلاق، والتي تتحدث عن العدة وإحصائها، وعدم خروج المطلقة المعتدة من بيتها، تلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، هذه العدة التي قررها الله ليست لإبراء الرحم فقط؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان شهرا واحدا، أو حيضة واحدة تكفي، ولكن هذه العدة شرعت من أجل إتاحة الفرصة لإعادة الحسابات لرؤية الأمر بصورة مختلفة، لإعطاء الفرصة لتدخل أهل الخير.

وأعود إلى فقه الآية فأعلم أن توجيه النبي الكريم المفسر لهذه الآيات المجملة هو ألا يتم الطلاق إلا في طهر لم يحدث فيه جماع، بمعنى أن الرجل إذا أراد أن يطلق زوجته فلا بد أن ينتظر حتى تحيض، ثم تطهر من حيضها، ولا يجامعها بعد طهرها، ثم يطلقها. أرأيتم نظاما أحكم من ذلك؟! تخيلوا الموقف بهدوء!.

بداية سحرية

وبناء على كل ما تقدم وجدت أن الإجابة الصحيحة لتساؤلات الزوجين اللذين وصلا إلى مفترق الطريق في هذه الآية الكريمة العظيمة من سورة الطلاق. واتصلت بالزوج وقلت له: ما رأيك لتكون إجابتي على تساؤلاتك لي أن تلتزم شرع الله؟ قال: إنني ملتزم فعلا، قلت: شرع الله يقول: لا تخرج المرأة من بيتها، ولا تخرجها طوال فترة عدتها، بل وراجع حتى الطلاق.. هل وقع في طهر أم في غير طهر؟ كان وقع المفاجأة واضحا على الزوج، وأجاب بقوله: نعم لقد وقع الطلاق في طهر، ولكن مسألة الإقامة في البيت كيف تكون؟ وما جدواها؟. فقلت له {لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}؛ ولأنه شاب ملتزم فلم يكن أمامه إلا أن يردد نفس الجملة ويقول: {لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} لن أخرجها من بيتها، ولكن لن أستطيع المكوث، قلت: لك ذلك فهذا أمر متروك لاختيارك، أما الزوجة فلا اختيار لها.

واتصلت الزوجة بي قائلة: ماذا أفعل؟ إن أهلي يستعدون لإنزال الأثاث حتى أغادر البيت، ألا يوجد أمل في أن يعود في قراره حتى أمنعهم من ذلك حتى لا تتفاقم الأمور؟ فكان الرد: لماذا تتركين بيتك؟ ولماذا ينزل أثاثك؟ إن عليك أن تمكثي في بيتك طوال شهور عدتك، فقالت: لماذا ما دام أنه طلقني، كما أنه لن يتراجع، إنني أعرفه لن يغير رأيه؟. فقلت لها: إنها فرصة أولا للهدوء، فلتهدأ مشاعركما لمدة أسبوعين، وبعدها ليبدأ العقل في العمل، ولتعرضي على نفسك مجموعة من التساؤلات وتجيبي عليها، مثل: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وهل يمكن تجاوزه أو استدراكه؟ وما هو السبيل إلى ذلك؟ كوني موضوعية مع نفسك، لا تتخلي عن المسئولية. إنني أدرك تماما أن حياة زوجية تصل إلى نقطة الانفصال هي مسئولية مشتركة بين طرفيها بنسبة متساوية، ليست المشكلة فيمن المخطئ ومن المصيب، فلسنا بصدد المحاكمة، ولكننا بصدد أن نحافظ على هذا الكيان الزوجي، إن لم تكن هناك أسباب حقيقية لتصدعه، لا تتعجلي الأمور؛ فالله عندما وضع فترة العدة فلأنه الأعلم بأنها الفترة المناسبة حتى يحدث في الأمور من وقوف ومراجعة للنفس.

إن يريدا إصلاحا

والآن أنتقل إلى الآلية الثانية التي قررها الله عز وجل ليحافظ على كيان الأسرة من الهدم، وهي التي وردت في الآية (35) من سورة النساء {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}، وهي من الأمور التي تغافلنا عنها في التعامل مع المشكلات الزوجية، وهذا التغافل يظهر على مستويين:

المستوى الأول: هو تصور أن هذا التحكيم يخص فترة الشقاق والخلاف بين الزوجين، فإذا ما انتهى الأمر إلى الطلاق فيصبح دور الحكمين في هذه الحالة هو إنهاء إجراءات الطلاق، على اعتبار أن الطلاق هو نهاية ليس لها ما بعدها نهاية، في حين أن الأمر -كما أوضحنا فيما سبق- ليس كذلك؛ بمعنى أن دور الحكم مستمر في فترة العدة، وفي نفس الاتجاه الذي تحدثت عنه الآية، وهو دور الإصلاح والتوفيق؛ فدور الحكام ليس دورا ساكنا متعلقا بجلسة صلح كما يتصور الناس، إذا انتهت فقد انتهى دورهما؛ فهذا أمر غير صحيح؛ فالحكمان يجب أن يحملا على عاتقهما دور الإصلاح والتوفيق الذي أنيط بهما بصورة مستمرة متحركة نشطة. يصبح فيها الصلح هدفا إستراتيجيا، لا بد من الوصول له، عبر الاتصال الفردي بكل طرف، وتوصيل الرسائل الإيجابية، وتقديم النصح الحقيقي؛ من أجل علاج الكيان الزوجي ككل، مثل علاج كل فرد من طرفي العلاقة.

أما المستوى الثاني: فهو متعلق بالدور الذي يقوم به المحكمون بين الأزواج، وهو أن دورهم ليس الدفاع عن حقوق الطرف الذي يمثله كل منهم، والاستماتة في إظهار أخطاء الطرف الآخر وإدانته، بل إن الدور الذي قررته الآية هو المتعلق بإرادتهم للإصلاح {إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا}؛ أي إن الحكمين إن أرادا الإصلاح، وبذلا فيه الجهد الحقيقي المستمر النشط كانت إجابة الشرط التي وعد الله بها أن يوفق الله بين الزوجين؛ فمن يتدخل فليكن متدخلا بإرادة الإصلاح، وليس بأي إرادة أخرى، تحت دعوى قول كلمة الحق، أو غيرها من الألفاظ التي هي قولة حق يراد بها باطل.

الصلح خير

إننا عندما ننظر إلى سورة النساء نرى شعارا رائعا قد وضعه الله للتعامل مع الخلافات الزوجية، وهو "والصلح خير"، وعندما يقول الله عز وجل "والصلح خير" فلا مجال أمامنا إلا أن يكون هدفنا ونحن نتعامل مع الخلافات الزوجية -مهما بدت متفاقمة أو متراكمة- إلا أن نقول "والصلح خير"، خاصة أنها جاءت في سياق الخلافات الزوجية فعلا، حيث تقول الآية الكريمة: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء: 128).

ومن هنا فليكن التوجيه بالإحسان هو شعارنا عند توجيه الزوجين المتنازعين، كي يصلا للإصلاح المنشود، والتوجيه بالإحسان متكرر في القرآن الكريم؛ ففي سورة البقرة الآية 237 يكون التوجيه أيضا في نهاية الآية {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، إنه منهج متكامل لو استحضره الأزواج والزوجات، واستحضره الحكام الذين يتدخلون لحل الخلافات لتغيرت نسب الطلاق المرعبة التي تجتاح مجتمعاتنا الإسلامية والعربية، والتي وصلت في أحد المجتمعات إلى أكثر من 30%، أي إن واحدة من كل ثلاث زيجات تنتهي بالطلاق في السنوات الخمس الأولى من الزواج، فإذا أضفنا الطلاق في السنوات التالية لوصلنا لرقم غير متصور في مجتمع من المفروض أن تحكمه هذه الآيات المعجزة، وهذا النهج النبوي والفقه الفذ في التعامل مع هذه الأمور.

وحتى أكون عمليا في نهاية مقالتي فإنني أعتبرها دعوة لكل المهتمين بالأمر؛ من أجل أن ينهض المجتمع المدني بدوره في هذه القضية المسكوت عنها، رغم ما تحدثه من آثار مدمرة في المجتمع بصورة عامة، وعلى أفراده المتعرضين لهذه التجربة بشكل خاص.

ولا يسعني إلا أن أطالب بإنشاء جمعيات تحت شعار "والصلح خير" تنتشر في كل مسجد، وفي كل حارة، وفي كل شارع، يكون دورها الأول هو الوقاية من خلال التوعية العامة بكل الطرق، ثم التدخل في الخلافات من أجل إرساء المنهج القرآني في حل الخلافات، والذي أشرنا لطرف صغير ذاخرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

ولنختم بالشطر الأخير من الآية التاسعة عشرة من سورة النساء {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}.




منقول للفائده