مـاذا حـدث؟



‏‏{{‏ ترددت كثيرا لكي احكي لك قصتي‏..‏ ولكن قررت في النهاية أن اسردها بكل تفاصيلها‏.‏



انا فتاة في منتصف الثلاثينات من عمري لم اتزوج بعد من اسرة ميسورة الحال متعلمة من اصل طيب‏,‏ وكنت دائما الطالبة الذكية المتفوقة الملتزمة الجميلة محط انظار الجميع‏,‏ غير اني كنت اهوي الرسم والعزف وقراءة الاشعار‏..‏ مما اضاف لشخصيتي الهدوء والرقة والرومانسية الحالمة كما يصفني الجميع‏..‏ لذا عاهدت نفسي ان اتزوج ممن احب‏..‏ ولاني متفوقة فقد كرست وقتي للدراسة باحدي كليات القمة‏,‏ ولم أعبأ بأي علاقات‏,‏ وفي اواخر فترة الامتياز تقرب الي زميل يكبرني بعامين ليعبر عن اعجابه ورغبته في الارتباط بي‏..‏ وسعدت لطلبه وحضر لمقابلة اهلي واعتذر لعدم مجيء والده لمرضه وعلمت بعدها ان والده رفض ان يساعده في الزواج قبل ان ينهي الماجستير ويعتمد علي نفسه‏,‏ لذا اختفي وترك الأمر لصديقه يشرح لي ذلك‏.‏ فقررت ان اتزوج بالطريقة التقليدية وان اطيع رغبة اهلي‏..‏ ووافقت علي احد المتقدمين من يقرب لي سنا ومقبول الشكل وتوكلت علي الله وقررت ان افرح بالشبكة وفستان الخطبة ككل البنات‏..‏ وصدمت بشخصية خطيبي الجافة والتي تؤمن ان تدليل الرجل لحبيبته او زوجته ضعف وان كلام الغزل والإطراء نوع من النفاق لايجوز‏..‏ وزاد حدة عندما ذهب لعمل عمرة رمضان وعاد متش
ددا وبدا استياؤه من عدم انتظامي في القيام والتراويح وانني اختم القرآن مرة فقط وانه يجب ان اقاطع التلفاز والأغاني لان هذا وصمه عار للفتاة المحجبة المسلمة‏..‏ فبكيت وطلبت فسخ الخطبة وعدت لعهدي ورفضي لزواج الصالونات‏..‏ وانشغلت بعملي وانهيت الماجستير إلي ان تقدم الي زميل من ايام الجامعة الذي صارحني انه يحبني منذ زمن وكان ينتظر الوقت المناسب داعيا الله ان اكون من نصيبه فطرت فرحا بهذا العاشق وتمت الخطبة واستعددت للزواج واجراءات انتقالي الي مكان عمله خارج القاهرة‏,‏ ولكن والدته كانت مستاءة مني ودائما توبخه لانه يفرط في تدليلي وغزلي ويتفاني في اظهار مشاعره لي‏,‏ ولكن قبل عقد قرآني بايام افتعلت والدته مشكلة لتطلب تأجيل الزفاف‏,‏ وحاول والدي التفاهم معها ولكن فوجئت بخطيبي يعلن عدم رغبته في اتمام الزواج‏..‏ وقررت بعدها ان اؤجل فكرة الارتباط وعملت بعدة مستشفيات بالقاهرة وكنت قد بلغت الثلاثين من عمري‏..‏ وكثفت العائلة وأخوتي وصديقاتي الجهود للبحث عن زوج اميل اليه ويميل الي‏..‏ ومرت سنة تلو الأخري وبمختلف الطرق المتعارفة من المعارف والاقارب ومن العمل والخاطبة واعلانات الزواج وأخيرا مواقع الزواج الإسلامية علي النت لاواجه ك
ما من الرجال من اسر طيبة قادرين ماديا وعلي قدر من التدين والاخلاق ولكن غير جادين في الزواج‏,‏ منهم من يخاف الطلاق‏,‏ ومنهم من يفضل عيشة الحرية ومنهم من يفضل اللهو والفسح عن المسئولية‏..‏ اليك نماذج منها ـ وانا علي يقين انها ليست جديدة علي مسامع القراء‏:‏



معيد في الجامعة متدين من عائلة ميسورة تقدم وقابل والدي ثم بدأ يؤجل الخطبة بحجة البحث عن مسكن اكبر ويمر شهران دون تقدم سوي لقاءاته المتكررة بهدف البحث عن مسكن لائق مما ادي الي استياء والدي وارتيابي في جدية هذا الشاب‏,‏ فسألته عن السبب فاعترف لي بسر خطير بأني لن أكون الزوجة الأولي وانه تزوج كثيرا من فئة التمريض وزميلات مطلقات زواجا عرفيا وسريا ولم تدم هذه الزيجات اكثر من‏3‏ أشهر‏..‏ وأنه يماطل خوفا من تغير مشاعره نحوي ولا يريد ان يظلمني معه‏.‏



وهناك من يعيشون في البلاد العربية او الاوروبية منهم من ينزل مصر للبحث عن شريكة الحياة فيتقدم لاكثر من واحدة في آن واحد ويبقي الباب مواربا مع الجميع مع تعبيره بالإعجاب والرغبة الجادة للزواج‏,‏ ولكن الاجازة والمدة غير كافية مع وعد بأنه في الاجازة القادمة سيحضر لاتمام الزواج ويختفي ويغلق هاتفه او لايرد دون اسباب‏.‏



وفي العمل منهم من يتقرب لي وعندما يعرف سني يبعد أو يقول لو كنت اصغر كنت اتجوزتك علي طول‏.‏



مما جعلني اتوقف وأتساءل ماذا حدث لشباب مافوق الثلاثين؟ لم يهابون الزواج‏,‏ لماذا يحللون الحرام ويهربون من الحلال؟ لم يفضلون الدش والعلاقات غير السوية ومواقع الجنس والشات عن الزواج؟ لماذا يدفعون اشتراكات ومبالغ نقدية لمكاتب الزواج والخاطبة ومواقع النت بهدف البحث عن زوجة ولايتزوجون؟ ان الرجال في المجتمعات الغربية المنفتحة وليست الاسلامية يتزوجون لإقامة عائلة رغم أن الطلاق هناك مكلف جدا ولكنهم لايهابون الزواج؟ وعجبت اكثر لقراءتي ان نسبة العنوسة بين الرجال في مصر اصبحت أعلي منها للفتيات‏..‏



وان الفقراء الذين لايمتلكون الباءة يتزوجون بالتقسيط والسلف بهدف الاستقرار والعفة‏..‏ في حين ان فئة الميسورين او من يستطيعون الباءة لايتزوجون؟

*‏ سيدتي‏..‏ علي الرغم من أني نشرت في هذه الصفحة‏,‏ رسائل عديدة لفتيات يشكين من تأخر سن الزواج‏,‏ وصعوبة العثور علي الانسان المناسب لمشاركته في تكوين أسرة‏,‏ ونظرة المجتمع الظالمة والقاسية للفتيات اللائي تجاوزن سن الثلاثين ولم يتزوجن‏,‏ وبدلا من أن يتقدم لها شاب يقاربها في العمر‏,‏ تجد أن من يتقدم لها رجل مطلق‏,‏ أو له زوجة‏,‏ ويكبرها بسنوات عديدة‏.‏ أقول لك‏:‏ علي الرغم من كل ذلك‏,‏ فإن صدق رسالتك وكشفها لوجه آخر للأزمة‏,‏ دفعني لطرح هذه القضية من جديد



خاصة أن الاحصاءات والدراسات تقول ان نسبة العوانس في مصر ـ شبابا وفتيات ـ تصل الي‏10‏ ملايين‏,‏ ودائما ترجع الأسباب الي الظروف الاقتصادية والبطالة ومغالاة الفتيات في طلباتهن من مهر وشبكة وشقة علي أعلي مستوي‏.‏ ولكن رسالتك ورسائل أخريات‏,‏ تؤكد أن هذه النظرة وهذا المفهوم قديم‏,‏ وأن أسباب عدم إقبال الشباب علي الزواج أصبحت مختلفة‏,‏ عما كانت عليه‏.‏ القضية أني لا أتلقي خطابات تعبر عن هذه الأزمة من البنات فقط‏,‏ ولكني أتلقي رسائل من شباب ومن آباء‏,‏ يسألونني عن عروس أو طريق للزواج‏,‏ يعني الرغبة متوافرة لدي الطرفين ولكنهما لا يلتقيان‏



وعلي الرغم من انتشار مكاتب الزواج ومواقع النت التي تقوم بهذه المهمة‏,‏ وذيوع فكرة زواج الصالونات‏,‏ وتجاوز الشباب والفتيات عن نظرية الزواج عن حب‏,‏ فإن الأزمة مازالت قائمة وتتفاقم ليس في مصر وحدها وإنما في العالم العربي‏.‏



إني أفكر معك بصوت مرتفع وليس بين يدي دراسة أو معلومات تفسر هذه الأزمة وهذا العزوف‏..‏ هل السبب في انتشار الخطيئة في مجتمعاتنا وضعف الوازع الديني‏,‏ مما يصرف الشباب ـ ولو مؤقتا ـ عن تحصين أنفسهم؟ أو اندفاع نسبة كبيرة من الشباب إلي الزواج العرفي سهل التكاليف؟



هل السبب هو عمل الفتيات واستقلالهن المادي‏,‏ جعلهن يبالغن في شروطهن؟‏..‏ وقد يكون السبب هو انتشار العري في الشارع وفي التليفزيون وظهور الفتيات في صور تبدو جميلة‏,‏ تجعل الشاب ينتظر عروسا تنافس فتيات الفيديو كليب‏,‏ ويكتفي بالإشباع البصري والحسي‏,‏ فيصرف نظره عن حبس نفسه في صورة واحدة للمرأة؟



هل هو تعسف الآباء‏,‏ خاصة تجاه الأولاد‏,‏ فيفرضون عليهم فتيات لا يرقن لهم‏,‏ وأيضا تجاه البنات بعدم التيسير في تجهيزات الزواج؟



ربما تكون الاجابة عن تلك الأسئلة مجتمعة هي سر هذه الأزمة ـ الظاهرة‏,‏ وهنا نصبح في حاجة ملحة الي دراسة هذا الواقع المؤلم‏,‏ ووضع خطط علمية لتغيير ثقافة المجتمع من خلال وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني‏,‏ لأن الصمت الطويل علي هذه الازمة ينذر بتفكيك المجتمع الذي يعتمد في تكوينه منذ البداية علي تلك الأسر التي تبدأ برجل وامرأة وإلي لقاء بإذن الله‏.‏