الســـــجن


{‏ عملت ممرضة عند طبيب طيب القلب مدة عشرين عاما‏,‏ وكان لا يشك في أخلاقي‏,‏ إلا أنني كنت أسرق باستمرار من درج مكتبه مبالغ كبيرة‏,‏ كان لا يشعر بها‏,‏ واستطعت من هذه الأموال شراء شقة في أحد الأحياء الشعبية بمبلغ‏30‏ ألف جنيه‏,‏ كما استطعت أن أضع في دفتر التوفير ما يعادل هذا المبلغ‏,‏ ورزقني الله بولد وبنت‏,‏ ثم توفي زوجي‏,‏ وأتقن ابني فن السباكة واستأجرت له محلا‏,‏ واشتهر في الحي بأنه سباك ممتاز‏,‏ أما البنت فتخرجت في المدرسة المتوسطة ولم أرغب في خروجها للعمل لميسور حالنا‏,‏ وزوجت ابني وأنفقت في مشروع زواجه وإنشاء محله نصف ما ادخرته‏

وفي يوم من الأيام أصيب ابني ببحة في صوته وترددنا علي الأطباء لنكتشف أنه مصاب بسرطان الحنجرة‏,‏ وتعذب ابني عاما كاملا من عمليات وعلاج بالأشعة‏,‏ وتوفي بعد هذا العذاب الشديد‏,‏ واستولت زوجته علي محله وأمواله بعدما أنفقت أنا كل ما ادخرته في أثناء رحلة علاجه‏,‏ أما ابنتي فتزوجت بعد وفاة أخيها بخمسة أعوام‏,‏ ولأني بقيت بعد زواجها في منزلي وحيدة فقد عملت للشبابيك والباب أسياخا حديدية لتأمين المنزل‏,‏ وأصبت بمرض نفسي يحتاج للعلاج والتردد علي الأطباء النفسيين‏

وبسبب هذا المرض تبرأت ابنتي مني وطردتني من علي سلم بيتها‏,‏ وألزم بيتي وحيدة لا أنام طوال الليل من الحزن والخوف والمرض النفسي‏,‏ وأنظر حولي فإذا بيتي كالسجن تماما له باب وشبابيك حديد‏,‏ وليس فيه عفش‏,‏ فأنا أنام علي الأرض‏.‏

هكذا ياسيدي أضاع المال الحرام أولادي وصحتي‏,‏ وتسبب في دخولي سجن أسسته أنا بنفسي‏,‏ أرسل لك الرسالة ليقرأها قراؤك‏,‏ ولتكون عبرة لمن يعتبر‏.‏

{‏ سيدتي‏..‏ أوقن تماما أنك نادمة علي ما فعلت‏,‏ ولست في حاجة مني إلي تفسير لماذا حدث ذلك‏,‏ ولكن دعيني أذكرك وأذكر نفسي وأصدقائي من قراء بريد الجمعة بأن المال خادم جيد‏,‏ لكنه سيد فاسد‏,‏ فإذا استعبد إنسانا أهلكه‏,‏ وإذا آمنا بأن أحدا منا لن يموت قبل أن يستوفي رزقه‏,‏ وسيطارده حتي يدركه كما يدركه الموت‏,‏ ما اقترب من مال حرام‏,‏ وهنا أتذكر تفسيرا لأحد علمائنا بأن اللص عندما يسرق يحصل علي رزقه‏,‏ وكان سيحصل عليه بالحلال‏,‏ لكنه تعجل وجناه حراما‏,‏ وأتذكر أيضا قول الشاعر الحسين بن المطير الأسدي‏:‏

فلا تقرب الأمر الحرام فإن

حلاوته تفني ويبقي مريرها

تلك المرارة هي التي ورثتها ياسيدتي‏,‏ بفقدك لابنك‏,‏ وعقوق ابنتك التي نبتت في أحضانك من مال حرام‏,‏ ودخولك سجنك بكامل إرادتك‏,‏ فما يكتسب بطريق غير مشروعة يضيع ويضيع صاحبه مهما طال به الزمن‏.‏

سيدتي‏..‏ أدعو الله لك بالمغفرة والعفو عنك‏,‏ وأدعوك أن تتوجهي إلي الله بتوبتك‏,‏ وتذهبي إلي الطبيب الذي كنت تعملين لديه‏,‏ تطلبي عفوه ومسامحته‏,‏ فهو له حق لديك وهو الذي يستطيع أن يتجاوز عنه ويغفر لك ما ارتكبته‏.‏

أما ابنتك العاقة فإني أدعوها إلي تأمل ما ألم بك‏,‏ لتفهم أنها ستشرب من نفس الكأس التي تذيقك إياها الآن‏,‏ وأنها ترتكب معصية كبري‏,‏ وواحدة من الكبائر بعقوقها وقسوتها عليك‏,‏ فهل تفيق قبل أن تندم في وقت لا يجدي فيه الندم‏.‏