عائشة وليست آشا

بقلم سحر عبد القادر اللبان




علا صوتٌ هزَّ أركانَ القاعة، مُعلِنًا اسمَ الفائزة: عائشة محمد سالم، الفائزة بالجائزةِ الأولى في مسابقتنا - مسابقة الرِّواية - فلتتقدَّمْ إلى المنصَّة مشكورة.

ما أنْ سكت الصوت، حتى تَعَالى التصفيقُ حادًّا قويًّا، وراح يزداد قوةً، وفتاةٌ محجَّبة ترفل بثوبها الشرعي الفَضْفاض تشقُّ طريقَها نحوَ المنصَّة والخجلُ يُغلِّف قسماتِها.

اعتلتْ عائشة المنصَّة وسطَ التصفيق الذي ظنَّته لن يتوقَّفَ مِن حِدَّته وقوَّته.

لوَّحتْ بيدها شاكرةً الحاضرين، وعلى وجهها ارتسمتِ ابتسامةٌ اختلط فيها الخجلُ والفرَح، توقَّفَ التصفيق شيئًا فشيئًا، وعائشة تنتظر والابتسامةُ لا تفارق مُحيَّاها.

توقَّفَ التصفيق وخيَّم السكونُ على القاعة، ارتَبكتْ عائشة قليلاً، الأنظار كلُّها مُوجَّهة إليها، تنتظر منها أن تَتكلَّم، لكن ماذا عساها تقول؟ سعادتها بالجائزة أنستْها كلَّ العبارات التي كانتْ قد تدرَّبت عليها، وهيَّئتها لمِثل هذا الموقِف.

هي حَلَمَتْ كثيرًا بالجائزة، واصلَتْ الليل بالنهار؛ لتنالها، وها هي أمنيتُها تحقَّقت.

رفعتْ عائشةُ وجهَها ونظرتْ إلى حيثُ يجلس والدُها ووالدتها، ابتسمتْ في وجهيهما وهي ترَى نظراتِ الفخْر تطلُّ من عيونهما، دارتْ عيناها تبحثان عن وجهٍ أحبَّتْه وألفته، وتمنَّتْ أن تكون صاحبتُه معها الآن، وجدتْه، تلاقتِ العيون، ابتسمت لها مُعلِّمتها هُدى ابتسامةَ تشجيع وحبٍّ.

بحثتْ عائشةُ عن صوتها، تنفَّست الصُّعَداءَ، وقالت بصوت بدأ منخفضًا ثُمَّ ما لبِث أنِ ارتفع شيئًا فشيئًا:
بسم الله الرحمن الرحيم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هيئة التحكيم الموقَّرة، أهْلي الأعزاء، الحضور الكِرام.
لا أعرِف ماذا أقول وقدْ ضاعتْ مني كلُّ الكلمات التي أعددتُها، سعيدة بفوز رِوايتي، هذه الرِّواية التي ضمَّنتُها فصلاً مِن فصول حياتي، كتبتُها وأنا أعيش كلَّ كلمة أكتبها، كيف لا وأنا وأهلي، وأصحابي ومُعلِّمتي، الشخصيات الرئيسة فيها؟!

رِوايتي تتكلَّم عن فتاةٍ مُتحرِّرة منبهِرة بالغرْب وبكلِّ مباهجه وأضوائه، تمضي جُلَّ وقتها بتفاهات هي وصديقاتها الكثيرات، ليلُها نهار، ونهارُها ليل، لا تعرِف من الحياةِ سوى سِيَر المغنِّين والممثِّلين وأصحاب الصرعات.

وكانت هذه الفتاةُ تَكره اسمَها كُرهًا لا يُوصَف، حيث كان يُشعِرها بالتأخُّر والرجعية؛ لذا، فقد طلبتْ مِن الجميع مناداتها بآشا، ومَن كان يُناديها باسمها الحقيقي ما كانت لتردَّ عليه، حتَّى في المدرسة كان الجميعُ مِن المديرة حتى المعلِّمات والطلاَّب والبوَّابين ينادونها بآشا.

ومضتِ الأيَّام والسِّنون على تلك الحال، وآشا ترفُل في غَيابات الضياع تتمرَّغ فيه، كانتْ ترى دمعاتِ أمِّها وهي تحاول أن تُخفيها عنها حزينةً لوضع ابنتها، وكانتْ ترى تجنُّب والدها لها حتى لا يتصادمَا، فهو وأمها ما كانَا راضيَيْن عن ابنتهما، ولكن ما كان بيدهما حِيلة!

مضتِ الأيَّامُ على تلك الحال، حتى كان يوم أتتْ فيه معلِّمةٌ جديدة، وبينما كانتِ المعلِّمة تتعرَّف علينا سألتْ: مَن عائشة سالم؟ طبعًا لم أردَّ عليها، أعادتِ السؤال لكن دون جواب، الطالبات ينظُرْن إليَّ وإلى المعلِّمة بصَمْت، وجاءني صوتُ المعلِّمة تسأل: أهناك طالبةٌ بهذا الاسم هنا؟

وسمعت نفسي أقول: "لا، بل إنَّ اسمها آشا، أرجو منك مُعلِّمتي تغييرَ الاسم في دفترك".

ما زلتُ أذكر النظرةَ التي رمقتني بها، نظرةَ أسف وحُزن، ولكنَّها اكتفت بأن هزَّت رأسها موافقة.

في اليوم الثاني دخَلَتِ المُعلِّمة هدى، وعلى وجهها ابتسامةٌ عريضة، حيَّتْنا وجلستْ وهي تقول:
"واجب الغدِ يا صبايا لن يكون واجبًا عاديًّا".

ارتفعتِ الهاماتُ مستفسرة، فأكملتِ السيِّدة هدى كلامَها قائلة:
"عليكُنَّ البحثَ عن شخصية هي مِن أحبِّ الشخصيات إلى قلْبي، كيف لا وهي زوجةُ رسولنا الحبيب محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - المؤمِنة التقيَّة النقيَّة؟! كيف لا وهي ابنةُ الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنهما؟!

كيف لا وهي مَن أخْبَر رسولُنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - الناسَ أنَّها أحبُّ الناس إليه، وبعدَها أبوها؟ يا بَناتي، ابحثْنَ عن هذه الشخصية، واستخرجْنَ صفاتِها واسمَها، وأحضرْنَها لي غدًا، واعلمْنَ أنَّ ما طلبتُه منكنَّ واجبٌ، وعليه درجة".

أُحبُّ البحث واستقصاء المعلومات، وقد كنتُ من المتميِّزات فيه، ولكن كان بحْثي ينصبُّ على استخراج معلوماتٍ عن مغنٍّ أو مشهور، ولم أفكِّرْ يومًا أنني سأستخدم خِبرتي في البحْثِ عن معلوماتٍ عن زوجة رسولِنا الكريم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأنا لم أكن يومًا أهتمُّ بالتنقيب عن هذه الأمور، ولم أكن أعرِف حتَّى عن رسولِنا أكثرَ مِن أنَّه رسولُنا - نحن المسلمين - وجاء بالقرآن الكريم.

عدتُ إلى بيتي يومَها وأنا مشغولةُ الذِّهن بهذه الشخصية التي أسَرَّتْ معلمتنا كثيرًا، دخلتُ غُرفتي وأسرعتُ إلى الحاسوب أفتَحُه، ومنه دخلتُ إلى العالَم الكبير - عالَم الشبكة العنكبوتية - كتبتُ في البحث: زوجة الرسول محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فوجدتُ أسماء وسِير كلِّ زوجاته، تساءلتُ: كيف لي أن أعرِفَها؟ وتململتُ في جلستي، آه مِن هذا الواجب ما أصعَبَه! أعليَّ الآن قراءة كلِّ هذه السِّيرَ لأصِلَ إلى الشخصية المطلوبة، أنا أكره هذه المُعلِّمة، هي مُعلِّمة اللغة العربية فمالها ولهذه الأمور؟! غدًا سأخبر المديرةَ عن هذا الواجب المُضْنِي، ولكن الآن، ليس بيدي حِيلة، عليَّ أن أحضر المعلومات، لا بدَّ مِن القراءة.

وبالفعل بدأتُ بها، ونسيتُ نفسي وأنا أنتقِل إلى عالَم جميل، عالَم لم أعرفْه سابقًا، عالَم رسولنا المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - وزوجاته أمَّهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهنَّ جميعًا.

وبيْن الأسماء وجدتُ اسمًا مألوفًا عندي: عائشة، عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنهما - وخَفَق قلبي بشدَّة، عائشة! عائشة! أتراها هي المقصودة؟ أظنُّها هي.

وبِيَدين مرتجفتَيْن فتحتُ صفحةَ سِيرتها، وبدأتُ أقرأ تفاصيلَ حياتها، ومضى الوقت وأنا غارقةٌ في عالَم بعيد بعيد، عالَم تحفُّه الملائكة، يا لهذه الإنسانةِ الرائعة! عشتُ لحظاتِ زواجِها مِن رسولنا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولحظاتِ لَعِبها بالدُّمية، سِباقها مع الرسولِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما أنْ وصلتُ إلى حادثة الإفك لم أشعرْ إلا ودُموعي تنهَمِرُ بغزارة وأنا أعيش لحظاتِ اتهامها في شرفِها؛ شرفِ رسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وانتابني الغضب، كيف يجرؤ إنسانٌ على وجه هذه البسيطة مِن النيل من السيدة عائشة - رضي الله عنها - لا بل أيضًا من رسولنا محمّد - صلَّى الله عليه وسلَّم؟

هذه السيدة التي لم يُرَ أحدٌ أعلم منها بفِقه، ولا بطِبٍّ، ولا بشِعر، هذه السيدة التي قال عنها الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كَمُل من الرِّجال كثيرٌ، ولم يكمُلْ مِن النساء إلا مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النِّساء كفضلِ الثريد على سائرِ الطعام)).

هذه السيدة التي قالت عن نفسها:
"لقد أُعطيتُ تِسعًا ما أعطيتْها امرأة إلا مريم بنت عمران، لقد نزَل جبريلُ بصورتي في راحته، حتى أمرَ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يتزوَّجني، ولقد تزَوَّجني بِكرًا وما تزوَّج بكرًا غيري، ولقد قُبِض ورأسه لفي حجري، ولقد قبرتُه في بيتي، ولقد حَفَّتِ الملائكة بيتي، وإنْ كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فيتفرَّقون عنه، وإنْ كان لينزل عليه وإنِّي لمعه في لحافِه، وإني لابنةُ خليفته وصديقه، ولقد نزَل عُذري من السماء، ولقد خُلِقتُ طيِّبة وعندَ طيِّب، ولقد وُعِدتُ مغفرةً ورِزقًا كريمًا".

مرَّ الوقتُ ولم أشعرْ إلا ويدٌ حنون تُربِّتُ على كتفي، تُوقظني لأنامَ في سريري، نظرتُ إلى الساعة فوجدتُها الثانية صباحًا، لقد غفوتُ ودمعات تغسل عيني!

في الصباح أيقظتني أمِّي الحبيبة كعادتها منادية: آشا، هيَّا أسرعي، عليك التحضر للمدرسة.

نظرتُ إليها وابتسمتُ في وجهها وقلت وأنا أرقبُ ردَّات فعْلها: اسمي عائشة، ناديني به.

حملقتْ أُمِّي في وجهي غيرَ مُصدِّقة، هل أنا فعلاً ابنتُها التي كانتْ لا تقبل من أحدٍ مناداتها باسمها الحقيقي عائشة؟!

اسمي عائشة ليس فقط تيمُّنًا باسمِ جَدَّتي - رحمها الله - بل اسمي على اسمِ زوجةِ وحبيبةِ رسولنا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم.

تركتُها وهي تحاول تقبُّلَ الصدمة، وانطلقتُ إلى المدرسة بنشاطٍ وفرَح لم أعهدهما مِن قبلُ، دخلت الصفَّ فوجدتُ المعلِّمة تنتظرنا، ما أنْ نظرتْ إليَّ، حتى عرفتْ أنَّها وصلتْ إلى ما تصبو إليه.

سألتني عنِ الواجب، فوقفتُ وقلت بصِدق: مِن شدَّة ما أخذت بقصَّة الشخصية الرائعة التي أحببتْها مُعلِّمتي، نسيتُ أن أكتبَ نُبذةً عنها، ولكن اسمحي لي أن أقول: إنَّني أحببتُ الشخصية حبًّا جعلني أتمنَّى أن يكون لي شيء منها غير اسمها الذي لي الشَّرف أنَّ أُسمَّى به ( عائشة)، اسمي عائشة، عائشة تيمُّنًا باسم السيِّدة عائشة بنت أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنهما - والحمد لله أنَّ الله - تعالى - قد مَنّ َعليَّ بهذا الاسم الرائِع، وأسأله - تعالى - أن يمنَّ عليَّ وأن أحظَى ببعض صفاتِها التي تميَّزتْ بها عن الأخريات مِن النساء.

دوَّى تصفيقٌ شديد هزَّ أركان الحفل، وعائشة تمْسَح دمعاتِها الغزيرةَ التي بلَّلتْ وجهها، وترنو إلى مُعلِّمتها التي بدورها كانتْ تمسَح دمعاتها، ابتسمت في وجهِ الحضور وهي تُشير بيدها إلى معلِّمتها هُدى، وتقول:
اسمحوا لي أن أشْكُرَ مُعلِّمتي الغالية هدى، وهذا أقلُّ ما يُمكنني تقديمُه لها، فهي لها الفضلُ - بعدَ الله تعالى - بما أنا عليه الآن مِن الْتزام وتقوى.