بقلم: باسنت موسى*
منذ أن تعاهدت معكم على أن أكون واضحة كما الشمس بالسماء، وأنا لا أشعر بأي خجل من الحديث عن تجاربي العجيبة وتحولاتي الكبيرة- المنطقية الدوافع بمنظوري- في تقييم العالم من حولي، ولأن اتفاقي معكم على المُصارحة مازال ساري فقد اتخذت قرارًا رقم واحد لنهار الثلاثاء الموافق 18 يناير بالحديث إليكم عن مراحل تطور فهمي لمسألة أو قضية أو إشكالية أو أو... أيًا كانت التوصيفات لـ"الأخر" كما لن أنسي أن أوضح لكم كيف عانت أسناني الجميلة من نتائج عدم قبول الآخر الديني تحديدًا بمجتمعنا.

لنبدأ بشرح المعاناة فكما تعلمون من مقالات سابقة لي أنني كنت طفلة وديعة هادئة مغلوب على أمرها خافتة الصوت – أظنني كنت أستخدم الإشارة أكثر ربما لخلل ما بحنجرتي لم يفطن أحد لعلاجه- ولهذا كنت والحمد لله أتعرض كثيرًا للضرب والسرقة والغش بالقوة الجبرية بالامتحانات من كل طالب أو طالبة بفصلي الدراسي- واكل لقمة زايده وعنده طاقة مش عارف يوديها فين سامحهم الله هؤلاء الأشقياء- ولكن فلنتركهم جانبًا وننتقل لزميلة دراسة كانت تُدعي "دينا" على ما أتذكر وللأمانة بالسرد فإن تلك الفتاة – وقتها كنا بعمر عشر سنوات- كانت تكره كل البشر من حولها الجميع مسيحيين ومسلمين لشعورها بأنها أكثر فتيات المدرسة جمالاً وثراء.

تلك الـ"دينا" هبطت علي فصلنا المدرسي من صحراء السعودية فجأة، نظرًا لانتهاء عقد عمل والديها ببلد الأموال المتدفقة، ومع الوقت بدأت في الاندماج جزئيًا مع مسلمي فصلنا المدرسي، لكن من ليسوا بمسلمين ظلت دينا كما هى على موقفها الرافض لهم بشكل فج وكان كذلك- السلوك ذاته- لكونه يُمارس بشكل طفولي لا يُجيد التخفي أو التجميل.

وما مر على الكراهية السلوكية البعيدة عن العنف وقت طويل حتى اتخذت دينا نشاطًا عنيفًا كنت أنا لسوء طالعي الضحية فيه حيث كنا معًا- أنا ودينا- بمفردنا داخل الفصل وصعدت على كرسي مرتفع لأضع بعض "الكشاكيل" بالمكتبة،ولأني نسيت أن أحمل كل" الكشاكيل" طلبت من دينا المساعدة بمناولتي إياها فلم ترد علَى كررت المناداة ومع ذلك لم يكن هناك أي رد!

فقلت لها بصوت عالي إستعطافًا ليس أكثر "والنبي يادينا هاتي الكشاكيل" وهنا تحولت دينا لكائن أخر، حيث انتفضت من مكانها وقالت لي " أنتي بتشتمى النبي ...بتقليلي والنبي هاتي الكشاكيل" لم أكن أعرف وقتها ماذا أقول ربما لأني شعرت بالخوف وانحصرت رده فعلي في أنني "تسمرت" في مكاني أعلى الكرسي.

فعبارتي التي جاء بها كلمة " النبي" يتداولها الجميع أمامي وليست سبه على الإطلاق،لكن تقول لمين؟ فبعد ثواني قليلة أصدرت دينا عقابها بإزاحة أرجل الكرسي بقدمها بعنف مما طرحتي أنا أرضًا على وجهي، وبدأت أبكي من الألم أولاً والصدمة ثانيًا، كنت أشعر أن أسناني كلها أصبحت غير موجودة إلى حين أدركت أنني فقدت نصف "سنتى" الأمامية بكسر جعل شكل فمي مضحكًا ومخارج ألفاظي غير سليمة على الإطلاق.

المعالجة المدرسية هنا لذلك الحادث لم تخرج عن إطار الاعتذار لي ولأسرتي لسلوك دينا مع التأكيد على أن الموقف برمته لا يخرج عن إطار توصيف" غباء عيال" وبأن ما حدث لـ"سنتي" يمكن علاجه ببساطة ولا داعي لتضخيم الأمور وإعطائها أبعاد لا تحتملها،ومر الموقف وأنتهي زمنيًا فقط، لكنني ظللت دائمًا متوجسة من دينا وكارهه لها وخاصة لشعوري بزهوها الداخلي لممارستها القوة عَلى دون أن تُعاقب بشكل واضح، أو يتم تصحيح الدوافع التي جعلتها تتصرف على هذا النحو.

نمط التعامل المدرسي هذا مع سلوك دينا خاطىء ومنقوص وهو ذاته نمط التعامل المجتمعي والسياسي مع أي حادثة يكون محركها الرفض للأخر بوجه عام والديني على وجه الخصوص،ولهذا لا نتحرك اجتماعيًا بخطوات حقيقية نحو قبول الأخر أيًا كان، وإنما فقط ما يظهر على السطح ببعض الأوقات كتأكيد لقبول ذلك الأخر ما هو إلا هدوء ظاهري يخفي تحته بركانًا من الرفض والكراهية على جانب والخوف الممزوج بالرغبة في الانتقام على الجانب الأخر.

كغيري من أبناء جيلي لم نتربى على قيمة "قبول الأخر" ومن ثم لا نعرف التعبير أو التعامل مع الاختلاف، بما هو خارج إطار التجريح الشخصي وإصدار الأحكام القاطعة التي قد تجعلك متقبلاً شكليًا لذلك الأخر المغاير لك ومحتقر إياه داخليًا مما يؤكد أن قبولك هذا ليس إلا محض خداع لذلك وشرف ادعاء لا تستحقه،الأخر هو كل ما هو خارج إطارك الجسدي والفكري واحترامه وقبوله، والسماح له بالتواجد بذات مساحاتك الحياتية وغيرها إثراء كبير للحياة دونه ليس هناك عالم حقيقي مُتغير متفاعل ومتجدد.

عندما لا تحتقر المذاهب الدينية أو الطوائف داخل ديانتك، فأنت تدرك أن الله ليس ملكك ومن حق الجميع أن يختار الطريق المناسب له للتواصل معه بعيدًا عن افتراضات السمائية والأرضية.

عندما تحترم اختيارات وقرارات من حولك دون أن تفرض عليهم وصايتك بحكم قرابتهم البيولوجية لك أو غيرها، فأنت تحترم إرادة الفرد التي هى وثيقة الصلة بالأخر فإرادتك وتقييمك لا يعنى بمدلوله أخر سواك.

ذلك بعض من جزء كبير لتوضيح بعض من المعاني المُرتبطة بقبول الأخر ليبقي لكل قاريء سؤال صغير قد يساعده على قياس مدى قبوله للأخر ...إذا كنت مسيحي وسألت أحدهم هل أنت صائم ؟ وأجابك بالنفي هل تحتقر سلوكه وتعتبر أن الله سيعاقبه قريبًا لإهماله طقس ديني أساسي....إذا كنت مسلم ورأيت إحداهن رافضة لفكرة الحجاب؟ هل تظل محترمًا لقرارها أم تراها سافرة وحتمًا سيعاقبها الله بأن يعلقها في النار من شعرها العاري؟
إبدء القياس عزيزي القاريء جيدًا من أنت؟