رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه


رحم الله أنس بن النضر شهيد معركة أحد
, الذي وفى بعهده مع ربه , فقد أسف كثيرا إن لم يكن شهد معركة
بدر الكبرى , ففاته بفواتها خير كثير , وأجر عظيم . وما كان تخلفه عن خور أو نفاق , وإنما كان الظن ألا قتال , وأن الخروج إنما هو لنيل العير , ولم يلزم الرسول صلى الله عليه وسلم جميع أصحابه بالمسير . لقد عاهد أنس ربه قائلا : " لئن أشهدني الله مشهدا مع أعدائه ليريَن الله ما أصنع ". وفي معركة أحد , ولى المشركون الأدبار , بعد أن صدق المسلمون فصدقهم الله وعده , فلما خالف المسلمون أمره صلى الله عليه وسلم , تفرقوا وعادت المعركة حامية , ورجع أنس ليجد الموقف قد تغيَر وتبدل , فنظر إلى صاحبه قائلا : يا سعد ! إني أجد ريح الجنة دون أحد , ثم نظر إلى المسلمين المنهزمين قائلا : اللهم إني أعتذر إليك مما فعل هؤلاء , وانطلق تجاه العدو انطلاق النسر الجارح في هجمة الأسد الهصور , تدفعه قوة الإيمان, وتمثل أمام ناظريه حياة كريمة يريدها بعد مفارقة هذه الحياة , إنه يريد أن يفي بعهده , ولقد أرى ربه , فقد وجده المسلمون بعد المعركة وكأن جسده قد غدا مزرعة للسيوف وللرماح والنبال , حتى أن الصحابة لم يستطيعوا التعرف عليه , فقد تغيَرت ملامحه ولم تعرفه إلا أخته بعلامة كانت ببنانه , وقال سعد وهو يروي للرسول صلى الله عليه وسلم ما كان
من أنس " فوالله يا رسول الله ما استطعت أن أصنع ما صنع أنس ". ويذكرني هذا الموقف من أنس , بموقف ذلك الأعرابي الذي آمن بالرسول وتبعه , فلما أُعطي نصيبه من الغنيمة بعد إحدى المعارك , قال للرسول
صلى الله عليه وسلم : ما هذا ؟ قال : " نصيبك من الغنيمة " قال : ما تبعتك على هذا وإنما تبعتك على أن أقاتل في سبيل الله فيصيبني سهم هاهنا ( وأشار إلى حلقه ) فأموت فأدخل الجنة , فقال الرسول صلى الله
عليه وسلم : " إن تصدق الله يصدقك ". وفي المعركة التالية , جئ به وقد أُصيب بسهم في المكان الذي أشار إليه , فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " أهو هو؟ " قالوا : نعم قال : " صدق الله فصدقه الله ". وذلك
الفتى الذي ترك الصلاة خلف معاذ رضي الله عنه عندما أطالها معاذ , فاتهمه معاذ بالنفاق , فاشتكى الفتى للرسول صلى الله عليه وسلم فقال الرسول لمعاذ : " أفتَان أنت يا معاذ ؟ " وقال للفتى : " كيف تصنع يا
ابن أخي إذا صليت ؟ قال : أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار , وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إني ومعاذ حول هاتين أو نحو هذا " ثم قال الفتى : ولكن سيعلم معاذ إذا قدم القوم - يعني بهم الأعداء - وكان المسلمون قد أُخبروا بقرب قدومهم . فقدموا فاستشهد الفتى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : " ما فعل خصمي وخصمك؟ قال : يا رسول الله - صدق الله وكذبتُ ( يعني نفسه) استشهد . لقد كان الرعيل الأول صادقين في إيمانهم وفي أقوالهم , يصدرون عن عقيدة قوية وعزيمة ماضية , ولو ذهبنا نتتبع هذا الصنف من الذين يقولون ويفعلون , لرأينا المئات بل الآلاف من النماذج الرائعة , ولقد حققوا قول الله تعالى فيهم : (( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَلوا تبديلا )). إننا بحاجة إلى هذا الصنف الكريم من المؤمنين الذين تصدق أقوالهم معتقداتهم , وتصدّق الأعمال القول والعقيدة . يعلمون أنهم إذ ينتسبون إلى الإسلام بقلوبهم , ومشاعرهم , وأحاسيسهم , وسلوكهم , وآمالهم , وآلامهم , ويقيمون علاقاتهم مع غيرهم حبا وبغضا
على هدي من كتاب الله . إننا بحاجة إلى هذا الصنف
من المسلمين فهل نحن منهم؟؟؟ نرجو أن نكون وإلا فلنحاول والله المستعان




كتاب مواقف ذات عبر
للشيخ د/ عمر سليمان الأشقر
موسوعة القصص الواقعية