فى صباح يوم الجمعة الموافق ٢٥ يناير من عام ١٩٥٢، قام الجنرال اكسهام، قائد القوات البريطانية فى الإسماعيلية، باستدعاء المقدم شريف العبد، ضابط الاتصال المصرى، ليسلمه إنذارا بضرورة إخلاء مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات الشرطة بدعوى أنها تحولت إلى ملاذات آمنة للفدائيين المغيرين على قوات الاحتلال البريطانى فى منطقة القنال. غير أن فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية فى ذلك الوقت، رفض الإنذار وأصدر أوامره إلى قوات الشرطة بعدم إخلاء مبنى المحافظة والدفاع عنه إذا ما قررت القوات البريطانية اجتياحه.
وهنا ثارت ثائرة الجنرال المتوحش فقام بحشد قوات بلغ قوامها سبعة آلاف جندى، مسلحة بالدبابات والمصفحات ومدافع الميدان، وفرض حصارا على الأماكن المستهدفة ولم يتردد لحظة واحدة فى إصدار الأمر بإطلاق النار حين رفض رجال الشرطة المحاصرون تسليم أسلحتهم وإخلاء المبنى. لم يكن لدى رجال الشرطة الأبطال سوى أسلحة خفيفة وكانوا يدركون تماما أن المواجهة تعنى الفناء، ومع ذلك فضلوا الاستشهاد على الاستسلام وصمدوا حتى آخر رجل وآخر طلقة فسطروا بدمائهم الزكية واحدة من أنصع صفحات التاريخ المصرى وأكثرها وطنية وفداء، ليصبح ٢٥ يناير منذ ذلك اليوم عيدا للشرطة وللوطن أيضا.
اليوم، وبعد ٥٩ عاما من هذا التاريخ، اختلفت الأوضاع كثيرا. فمصر لم تعد دولة تحتلها جيوش وقواعد بريطانية لكنها فقدت قرارها المستقل وأصبحت شبه محمية أمريكية، يقودها نظام سياسى يجسد كل معانى الفساد والاستبداد والتبعية، وينتهج سياسات منحازة لمصالح شريحة ضئيلة من المصريين ومعادية لمصالح الأغلبية، نظام يصر ليس فقط على البقاء فى السلطة حتى آخر نفس ولكن أيضا على توريث السلطة، ويعتمد فى إدارته للبلاد على أجهزة أمن لا ترعى للقانون حرمة وتمارس التعذيب حتى الموت أحيانا. لذا يجب ألا نندهش حين يقع اختيار بعض الناشطين السياسيين على هذه المناسبة تحديدا لدعوة الشعب المصرى للنزول إلى الشارع ومطالبة النظام بإيجاد وظائف للعاطلين، وبتحسين مستوى المعيشة للفقراء والمهمشين، وبإيواء جموع المحرومين والمشردين، وبوقف التعذيب الممنهج ضد المعارضين والمحتجين. وأظن أن حركة ٦ أبريل، الجهة الرئيسية الداعية إلى هذه التظاهرة، كانت موفقة غاية التوفيق فى اختيارها لهذا اليوم المحمّل بالإيحاءات والدلالات، لكن يظل تجاوب الشعب معها هو الفيصل.
بوسع أى مراقب للأوضاع فى المنطقة العربية أن يلحظ بسهولة روحا جديدة تسرى الآن فى أوصال النخب السياسية فى أقطار عربية عديدة، من بينها مصر، عقب نجاح الشعب التونسى فى تفجير ثورته العظيمة التى أطاحت بواحد من أعتى نظم الفساد والاستبداد فى المنطقة. ورغم الجدل الذى مازال محتدما حول قابلية النموذج التونسى للانتشار، فإن شرائح وقطاعات متزايدة من النخب السياسية والاجتماعية فى العالم العربى بدأت تقتنع أكثر فأكثر بأن تحريك الشارع أصبح هو الوسيلة الأكثر فاعلية، إن لم تكن الوحيدة، للضغط على الأنظمة القائمة من أجل إحداث التغيير المطلوب. غير أنه يتعين، مع ذلك، الانتباه إلى دلالة الدرس الرئيسى للثورة التونسية. فالنخب السياسية هناك لم تكن هى المحرك أو المحرض للشعب التونسى، وإنما كان التحرك العفوى والتلقائى لهذا الشعب العظيم ونزوله إلى الشارع هو الذى أيقظ النخب السياسية ودفعها للحاق بالركب واغتنام اللحظة التاريخية.
وأيا كان الأمر فستفصح الأسابيع والشهور المقبلة عما إذا كانت المشكلة التى تحول دون انتشار النموذج التونسى عربيا، خاصة فى الدول ذات الأوضاع السياسية الاجتماعية المشابهة لتونس، تكمن فى ضعف وتشرذم نخبها السياسية أم فى سيطرة الخوف على قلوب الشعوب وتفضيلها المهانة والذل على النزول إلى الشارع للمطالبة بحقوقها.