العربية الميكروباص المهكعة قادمة بسرعة الصاروخ "زووووووووو!".. وصاحب العربية الـ128 المسكينة يلف بسيارته حول الدوران دون أن ينتبه للميكروباص القادم من الناحية الأخرى..
للأسف لا نملك هنا زرار PAUSE حتى نوقف المشهد ونمنع الكارثة من الحدوث..

كرااااااااااااااااااش!
طخ..طيخ.. برووم.. كششش...

المشهد الآن مفزع فعلا
السيارة الـ128 قفزت فوق الرصيف وقد تهشم جانبها الأيمن والسيارة الميكروباص مائلة على جانبها الأيسر والركاب المحشورين فيها يحاولون إنقاذ أنفسهم..

ثم تدخل المجاميع إلى المشهد
المجاميع، المقصود بها هنا هم جحافل الشعب المصري الذين لا تعرف من أين خرجوا إلا أنهم فور وقوع الحادثة -أي حادثة- تجدهم دائما في قلبها..

ناس منهم ماسكين الطفايات وبيطفوا أي نار ممكن تتطلع من أي عربية
ناس تانيين بيتصلوا بالإسعاف -اللي غالبا هتيجي بعد 22 ساعة!-..
ناس تالتين بيخرجوا المصابين من العربيات المتهشمة..
ناس رابعين بيركبوا المصابين في عربياتهم عشان يطلعوا بيهم على أقرب مستشفى لأن الإسعاف زي ما قلنا هتيجي بعد 22 ساعة!

طبعا ربنا يحمينا جميعا من الحوادث دي..
بس غالبا المشاهد دي هي اللي بتحصل إذا وقعت أي حادثة..
زي ما حصل مثلا في حادثة قطاري قليوب وغيرها من الحوادث..
وبيحصل برضه لما عمارة تنهار في ثواني على رءوس اللي فيها.

تلاقي كل الجيران برضه بيجروا بكل طاقاتهم عشان يحاولوا إنقاذ المضابين واستخراج الضحايا من الهدم.. مش مستنيين بقى الإسعاف ولا المطافئ ولا الشرطة لما يحضروا.
بيتحركوا من تلقاء نفسهم وبشهامة منقطعة النظير لأن الشهامة سيادتك مش بتتوزع مع بطاقات التموين أو بينزل عليها عرض في محلات البقالة وبيكون عدد 2 شهامة بتمن واحدة بس! ولا بتفرضها الحكومة على الشعب.
هي كده موجودة في دم المصريين من يوم ما ربنا خلقهم.

اللطيف بقى إنك بعد كل كارثة أو مصيبة أو زنقة -وقاكم الله شر الكوارث والمصايب والزنقات- تلاقي المسئول الحليوة من دول طالع في التليفزيون وهو منجعص وفخور بنفسه جداً وبيقول بصوت رخيم فخيم:
"والله ده مش غريب على المواطن المصري.. اللي دايما معدنه الأصلي لا يظهر إلا في الوقت الصعب.. هو ده المصري اللي بجد!!"
طيب اسمحوا لنا بقى ناخد الميكرفون من الأخ المسئول الكبير
ونسأل سؤال..
تفتكروا إن ده كويس يعني؟!


حلو قوي إن المعدن المصري -النفيس- لا يظهر إلا والدنيا كحلي وسوداء والهباب ماليها!
ده مش بيحصل في الحاجات الكبيرة والجامدة..

ده حتى بيحصل في ماتشات الكورة..

تلاقي المنتخب بتاعنا مهزوم أول 4654656 ماتش! ولازم يفوز في الماتش الأخير اللي هيلعبه مع أقوى منتخبات العالم عشان يصعد مثلا لنهائي دوري الدرجة الأولى..

فتلاقي مسئولي الكورة طالعين ووشهم أحمر ومليان عرق والتوتر بيلون وشوشهم وبعدين يقولوا:
"ربنا كبير.. واحنا عارفين إن اللاعيبة المصريين معدنهم الأصيل مش بيطلع إلا في الأوقات الصعبة.. وإن شاء الله هنكسب وهنصعد للدرجة الأولى!"

نفس الكلام تلاقيه برضه في الفن..
تفتح الجريدة تجد الخبر..
"أبطال مسلسل فلان الفلاني يسارعون الزمن لإنهاء تصويره قبل شهر رمضان.. والمخرج يؤكد: "ثقتي في رجال الضفادع البشرية! -نقصد الممثلين- تخليني أقول إن معدنهم الأصيل هيخلينا نخلص المسلسل ونلحق شهر رمضان إن شاء الله!"

يعني تقريبا في كل المجالات المصرية الأصيلة المعدن المصري لا يظهر إلا في الأوقات الصعبة..


والسؤال بقى هو..
هو فعلا الكلام ده صح ولا غلط؟
فعلا الشهامة والجدعنة والرجولة المصرية مرتبطة ارتباط شرطي بالكوارث والمصايب؟


وإذا كان ده صح..
فالسؤال المنطقي هو..
ليه؟!



ليه.. لازم تكون الدنيا ضلمة قوي قبل ما المعدن المصري النفيس يظهر؟
ليه.. ده مش بيظهر طوال الوقت؟
ليه.. المصريين مش دايما بيكونوا إيد واحدة إلا في الوقت الحرج؟
ليه.. مايكونوش كده فعلا طوال الوقت؟
ليه.. المعدن المصري لازم يتعرض للخدش وللتجريح وللتقطيع قبل ما يظهر على طبيعته الحلوة الأصيلة؟