ميدان التحرير فى اليوم الـ١٤: الرحيل أولاً وفلوسنا ثانياً

كتب محمد عبدالقادر وهشام عمر عبدالحليم وشيماء عادل ومحمد غريب ومحمد طلعت داوود ٨/ ٢/ ٢٠١١
«أ.ف.ب»
جنازة الشيد الصحفى أحمد محمود

فى مشهد يضم جميع طوائف الشعب المصرى واصل المعتصمون بميدان التحرير احتجاجاتهم، رافضين التفاوض على مطالبهم مادام مطلبهم الأول الذى أعلنوه عبر مئات اللافتات المعلقة فى الميدان «الرحيل أولا» لم يتحقق.
ورفض المعتصمون جميع الاتصالات التى تجرى باسمهم، مشيرين إلى أن من يشاهدونهم فى وسائل الإعلام «غرباء عنهم» لا يعرفونهم، مشيرين إلى تصميمهم على عدم مغادرة الميدان إلا بعد الاستجابة لمطالبهم، خاصة أن المغادرة تعنى «الانتحار» على حد تعبير أحدهم.
ودعا المعتصمون إلى مظاهرة مليونية أخرى اليوم الثلاثاء، مشيرين إلى ضرورة مواصلة الضغط على النظام للاستجابة لمطالبهم، بينما واصل مئات المسيحيين الصلوات والترانيم فى الميدان.
ونظم المئات من الصحفيين جنازة رمزية للشهيد أحمد محمود، الصحفى بمؤسسة الأهرام، الذى قتله أحد القناصة برصاصة فى رأسه أثناء تصويره الأحداث الجارية انطلقت من أمام نقابة الصحفيين باتجاه ميدان التحرير مرورا بميدان طلعت حرب، اشترك بها العديد من المواطنين، رددوا خلالها هتافات منددة بالاعتداء على الصحفيين أثناء تأديتهم وظيفتهم.
واستغل المحتجون بميدان التحرير وجود الصحفيين، وأخذوا يرددون هتافات ضد الصحف القومية وضد الصحفيين، الذين لا ينقلون حقيقة ما يجرى –بحد قولهم- وضد رؤساء التحرير تلك الصحف، قائلين «يسقط رؤساء تحرير الصحف القومية» «يسقط قاتلو الحقيقة» وحملوا نعشا رمزيا طاف ميدان التحرير.
وفيما يبدو كرد فعل لسقوط عدد كبير من رموز الفساد فى مصر، لوحظ أن هتافات المعتصمين تركزت فى مطلبين أساسيين هما «مش هنمشى هو يمشى»، فى إشارة إلى ضرورة رحيل الرئيس مبارك، بينما كان الهتاف الآخر هو «عايزين فلوسنا».
وازداد عدد المحافظات الممثلة فى ميدان التحرير فبعد الإعلان عن وصول وفد من محافظة أسوان، دخل عدد من بدو سيناء معلنين عن تمثيلهم فى الاعتصام، للتأكيد على مصريتهم وعدم المزايدة على دورهم الوطنى فى جميع القضايا الوطنية.
وشدد المعتصمون إجراءات التفتيش فى مداخل الميدان، مشيرين إلى أن معظم المشاركين يتفهمون طبيعة الظروف والمخاطر التى يواجهها الشباب فى الميدان.
ولجأ عدد من الشباب إلى النوم تحت عجلات المدرعات المتواجدة بالميدان بجوار المتحف المصرى، ظنا منهم أنها تعد للهجوم عليهم وإخلاء الميدان بالقوة وهو ما نفاه ضباط القوات المسلحة، الذين أكدوا أنهم متواجدون للتأمين ولن يهاجموا مواطناً أبداً.
وتطوع عدد من الشباب والمدرسين وقاموا بنصب خيمة أمام بوابة الجامعة الأمريكية لإعطاء الدروس الخصوصية لكل المراحل التعليمية مجانا، كما تم إعداد عدد من العيادات المتنقلة لعلاج غير القادرين مجانا على أيدى الأطباء المتطوعين.
وزار عدد من أهالى الشهداء الذين سقطوا برصاص الشرطة الحى فى مواجهات يوم جمعة الغضب وما بعدها مطالبين بالقصاص من جهاز الشرطة الذى فتح نيرانه على الشباب المتظاهر، وتوزيع ثروة الرئيس على الشعب تعويضا عما فقدوه خلال ٣٠ عاما، هى فترة حكمه.
وقفت واحدة من أمهات الشهدات فوق كابينة تليفونات وسط الطريق ما بين ميدان التحرير ومدخله إلى شارع طلعت حرب، تصرخ بأعلى صوتها «ماتسكتوش على اللى قتلوهم.. يسقط يسقط حسنى مبارك»، تسترجع بذاكرتها صوراً لابنها الشهيد ذى الـ ٢٥ سنة، وهى تزفه إلى عروسه قبل شهرين، ثم تعاود الصراخ والعويل «اللى قتلوهم خونة.. ماتسكتوش على اللى قتلوهم.. يسقط يسقط حسنى مبارك».
صرخات والدة أحمد إيهاب، الذى أصيب بطلق نارى يوم «جمعة الغضب» وتوفى أثناء علاجه بالمستشفى يوم ٣ فبراير، استجاب لها المعتصمون الشباب، بهتافات تؤكد عدم ترك الميدان إلا بعد إسقاط الرئيس مرددين: «مش هنمشى هو يمشى.. يسقط يسقط حسنى مبارك»، مطالبين والدة الشهيد بعدم البكاء والصبر على البلاء قائلين: «إحنا كلنا أولادك يا ماما».
والدة أحمد إيهاب لم تكن الوحيدة التى فقدت ابنها، فالعشرات من أهالى الشهداء جاءوا من مختلف أنحاء الجمهورية ليشاركوا شباب التحرير أداء صلاة الغائب على أرواح أولادهم.
جاء منصور مبارك منصور من مدينة رفح المصرية هو وابنه، رافعين صورة الطفل الشهيد بلال سالم عيسى محمد، الذى كتب أسفلها «لم يقتله الصهاينة بل قتلته الشرطة المصرية بالرصاص الحى».
وقال منصور: الطفل بلال كغيره من أطفال المدينة الحدودية خرج يوم جمعة الغضب عندما سمع دوى إطلاق النار، وهو الصوت الذى اعتاد أهالى مدينة رفح الحدودية سماعه، حيث الاشتباكات شبه اليومية بين حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والجانب الإسرائيلى.
وأضاف: وقف بلال يتابع مصدر دوى إطلاق النار، فشاهد مجموعة من رجال الشرطة يطلقون النار على أهالى المدينة لتفريقهم بعد صلاة الجمعة، ولم يتوقع الصغير أن تخترق جسده الهزيل رصاصة من رصاصات الشرطة، لتسقطه على الأرض قتيلاً.
على الجانب الآخر من أهالى الطفل بلال، وقف شابان فى منتصف العقد الثانى وعلامات الإعياء والبكاء لاتزال تصاحبهما وتتوسطهما صورة أخيهما إبراهيم سمير سعدون، الطالب فى السنة الثانية بالجامعة العمالية، تعلوها الآية الكريمة «ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون».
إبراهيم، انضم كغيره من آلاف الشباب لأداء صلاة الجمعة يوم ٢٨ فبراير «جمعة الغضب»، قبل إصابته برصاص حى أثناء وقوفه أمام قسم شرطة المطرية، ليسجل اسمه ضمن لائحة «شهداء الثورة»، كما يقول والده، الذى حمل الرئيس مبارك مسؤولية قتل ابنه وغيره من شهداء الثورة، مرددا «أطالب بالقصاص من الرئيس مبارك وأن يحاكم علناً جزاء لما ناله ابنى وغيره من شباب الثورة على أيدى ضباط داخليته، كفاية الشعب استحمله ٣٠ سنة، المفروض ثروته اللى جمعها من دم الشعب توزع على الشعب الغلبان».