العائدون من ليبيا يروون لـ«المصرى اليوم» وقائع «المذبحة» والفرار من «القصف»

كتب سماح عبدالعاطى ووليد الشيخ، تونس - صوفيا الهمامى، الإسكندرية - شعبان فتحى وعزالدين عبدالجواد 24/ 2/ 2011
استمرت عملية النزوح الجماعى للمصريين المقيمين فى ليبيا، واستقبل، أمس، معبر السلوم البرى مئات المصريين القادمين من مدن ليبية عقب توسع الاحتجاجات المطالبة بسقوط النظام الليبى، وقال عدد من المصريين القادمين من العاصمة الليبية طرابلس إن الاحتجاجات لم تنقطع، وأكد عدد آخر لجوء النظام الليبى إلى استخدام القوة المفرطة فى مواجهة المحتجين، فبالإضافة إلى قصفهم بطريقة عشوائية باستخدام الطائرات الحربية، استعان النظام بمرتزقة أفارقة من تشاد والنيجر للاعتداء على المواطنين فى منازلهم باستخدام «الآر بى جيه».

وقال ربيع إبراهيم، 40 سنة، أحد المصريين العائدين من ليبيا، إنه كان يسكن مدينة طرابلس قبل أن يتركها منذ يومين فى طريقه لمصر، بعد أن نفد الطعام والشراب وأصبح من الصعب عليه وعلى زملائه الحصول على ما يسد رمقهم، وهو ما دفعهم للعودة، مشيراً إلى طلقات الرصاص التى اعتاد سماعها تدوى فى الطرقات.

وأكد سيد رشاد، 42 سنة، أحد المصريين العائدين من ليبيا، أن مدينة طرابلس التى كان يسكنها تعرضت لقصف بواسطة طائرات حربية كانت تطلق نيرانها بشكل عشوائى على المتظاهرين، وأضاف رشاد أنه شاهد جنوداً أفارقة يطلقون طلقات الآر بى جيه على منازل السكان الليبيين فى طرابلس، ويهاجمون المنازل باستخدام دبابات حربية يقودونها، الأمر الذى نتج عنه سقوط مصابين وجرحى بأعداد كبيرة. وأشار رشاد إلى أن عدداً كبيراً من الليبيين يرددون أن القذافى كان يدرب تلك القوات منذ زمن بعيد حتى يطلقهم على الليبيين إذا ثاروا عليه. مؤكداً أن المظاهرات الموالية للقذافى والتى تخرج لشوارع العاصمة ينظمها عدد من أقرباء الزعيم الليبى، وأفراد عشيرته.

وقال مصطفى سعد، 26 سنة، القادم من مدينة بنغازى التى كان يعمل بها محاسباً فى إحدى الشركات، إن الوضع فى بنغازى، ينتقل من سيئ إلى أسوأ خاصة بعد قطع الاتصالات، وخدمات الإنترنت، بالإضافة إلى توسع قوات المرتزقة التى استعان بها القذافى من دول تشاد والنيجر فى مواجهة الثوار الليبيين، وأضاف سعد أن الطريق من بنغازى حتى معبر السلوم آمن بعد أن سيطر عليه الثوار الليبيون الذين ودعوا المصريين متنمين أن يعودوا إلى ليبيا مرة أخرى، مشيراً إلى الحرائق والخراب الذى عم المدينة فى اليومين الماضيين.

وشكا هانى جاد الكريم، 29 سنة، مما سماه «تخاذل» القنصلية المصرية فى بنغازى، وعدم تقديمها أى خدمات لنقل المصريين المقيمين فى المدينة للأراضى المصرية، مشيراً إلى أن القنصل كان أعلن فى وقت سابق أن القنصلية وفرت 50 سيارة ليبية لنقل المصريين حتى الحدود المصرية، غير أن الوقت مر دون أن ينجز وعده، فما كان من المصريين هناك إلا التظاهر أمام القنصلية دون جدوى فقرروا العودة على نفقتهم الخاصة مع العلم بأن عدداً كبيراً منهم ترك مستحقاته المالية لدى أصحاب العمل نظراً لتوقف العمل فى البنوك. نفس الشىء أكده عاطف جاد 28 الذى قال إنه ترك مستحقاته المالية فى مدينة بنغازى وعاد إلى مصر خالى الوفاض.

تتوافد عشرات السيارات الملاكى الخاصة، والحافلات الكبيرة، والصغيرة (الميكروباص)، إلى مدينة السلوم الحدودية بين مصر وليبيا لنقل المصريين العائدين من الأراضى الليبية برا.

وتصل تلك الحافلات، التى ترسلها مختلف الجهات الحكومية والمنظمات الخاصة والأفراد الراغبون فى استقبال ذويهم، إلى منطقة الجمرك فى السلوم لاستقبال المواطنين الفارين عن طريق البر، بعدما تعذر وصول الكثيرين جوا عبر مطار طرابلس، الذى يؤكد العائدون أن الوصول إليه أصبح مستحيلا من الناحية الأمنية، فى ظل استهداف قوات المرتزقة الأفارقة لكل عنصر متحرك على الطريق البرى فى العاصمة الليبية المؤدى إلى المطار.

وأكد شهود عيان لـ«المصرى اليوم» أن مدينة بنغازى تسيطر عليها اللجان الشعبية للثورة بشكل كامل، غير أن التهديدات الصريحة التى أطلقها العقيد معمر القذافى فى كلمته مساء أمس الأول بتطهير البيوت وقتل المتظاهرين أثارت ذعر المصريين هناك، وحتى الليبيين أنفسهم، حاولوا الهروب من المدينة رغم وقوعها حاليا خارج سيطرة القوات الموالية للقذافى.

وحتى الساعات التى سبقت خطاب القذافى، كان معبر السلوم مفتوحا للمصريين الراغبين فى الدخول إلى الأراضى الليبيية، سواء للإعلاميين، أو للأهالى الذين تربطهم علاقات دم ونسب مع القبائل الليبية الحدودية. وكان الجيش المصرى يسمح للعديد من المصريين بدخول الأراضى الليبية لإعادة ذويهم، لكنه أغلق المعبر ومنع سفر المصريين فى أعقاب كلمة القذافى.

ورغم أن عملية نقل المصريين تتم بسرعة شديدة من السلوم إلى المناطق الأخرى، حتى إن الطريق كان مزدحما بسيارات العائدين منذ مساء أمس الأول وحتى هذه الساعة، فإن هناك استياء من المصريين العائدين جراء الصعوبات التى واجهوها أثناء عملية الترحيل إلى مصر، خاصة بعد عملية فتح السجون فى بنغازى، على يد المرتزقة، وروعت الأهالى ودفعتهم لعمليات نزوح جماعية للمناطق الحدودية شرقا وغربا.

وحول وضع الإعلاميين العالقين على الحدود، يتكدس العشرات منهم بين مدينة السلوم ومنطقة الجمرك، فوق هضبة السلوم، وسمح لهم الجيش المصرى بالتنقل فى المنطقة دون الدخول إلى الأراضى الليبية.

وتمكن بعض الصحفيين من التسلل مع فرق الإغاثة الطبية، التى يسمح لها وحدها بالدخول تحت شروط صعبة. وكانت أحدث فرقة إغاثة تابعة لمحافظة مطروح تمكنت من الدخول مساء الثلاثاء، وتسلل معها مراسل «بى بى سى».

ويعانى أبناء السلوم من أوضاع اقتصادية سيئة، فرغم توافد المئات على المدينة، فإن الحركة التجارية راكدة، حيث تقوم الحافلات بنقل العائدين من منطقة الجمارك، والمنفذ البرى، رأسا إلى القاهرة.

وعلى الجانب الغربى من الأراضى الليبية، يتوافد مئات النازحين المصريين والليبيين من مختلف الجنسيات، إلى البوابة الحدودية رأس جدير، الفاصلة بين ليبيا وتونس، والتى تبعد 200 كيلو متر عن العاصمة طرابلس.

وأكد المصريون النازحون أنهم اختاروا بوابة رأس جدير التونسية، بدلا من السلوم، لأنها الأقرب، خاصة أن منفذ السلوم يبعد عن سبراطة 1000 كيلو متر، فضلا عن أنه طريق «غير آمن». وأكدوا لـ«المصرى اليوم» أن بعض المصريين تعرضوا خلال اليومين الماضيين إلى هجوم من قبل «أشخاص ليبيين اعترضوهم بالسيوف والسكاكين وسلبوا ممتلكاتهم وأموالهم وهددوهم بالقتل».

وروى شهود العيان أن المهاجمين كانوا ليبيين، لكنهم قالوا إنهم لا يعرفون انتماءاتهم، مرجحين كونهم بلطجية أو مرتزقة لدى القوات الموالية للقذافى.

وقال عطا أحمد على، «من سوهاج»، إنهم تعرضوا للتهديد فى سكنه بسبراطة، من مجموعة من الليبيين، فوجئ بهم يقتحمون المنزل بالسكاكين والخناجر. وأضاف: «نحن نسكن فى حوش، عليه باب حديد. لكنهم فتحوا الباب ودخلوا بالخناجر والحديد وسلبونا ممتلكاتنا وظللنا 4 أيام لم نأكل حتى دخلنا الأراضى التونسية. نحن بانتظار أول طيارة تغادر إلى مصر. وسمعنا أن السفير المصرى فى تونس سيسمح لنا بالمغادرة ويسهل عملية الترحيل».

واستقبلت محافظة الإسكندرية مئات العائدين من الأراضى الليبية.

وانتقد العائدون عدم توفير سيارات أو أتوبيسات تقلهم من حدود السلوم حتى محافظاتهم، مما جعلهم عرضة لاستغلال السائقين أثناء عملية الهروب، حتى إن بعضهم اتصل بذويهم لانتظارهم فى منطقة الوصول بالموقف الجديد بمحرم بك بالإسكندرية لدفع مقابل التوصيل.

واكتظت منطقة الموقف الجديد فى محرم بك بالمئات من المصريين العائدين، والذين ارتمى العديد منهم على الأرض بسبب شدة الإرهاق الذى عانوه خلال رحلة الهروب من نيران «المرتزقة»، الذين استعان بهم النظام الليبى لمواجهة الليبيين المطالبين بإسقاط حكم الرئيس الليبى - حسب قولهم.

وقال موسى عبدالتواب سامى، الذى كان يعمل «نجار مسلح» فى مدينة جدابيا الليبية، إن المظاهرات تسببت فى فقده جميع أمواله ومتعلقاته: «سيبنا حالنا ومالنا، بعد ما شفنا الموت بعنينا، ما كناش عارفين نطلع من البيوت، أى واحد بيطلع من البيت بعد المغرب بيموت».

ووصف رحلة العودة بـ«الصعبة» حتى إن الأتوبيسات التى وفرتها الحكومة لهم فى جمرك السلوم رفضت أن تقلهم، ما اضطرهم لاستقلال سيارة «نقل مقطورة بجرار» محملين فى صندوق السيارة مع متعلقاتهم التى استطاعوا جمعها وسط النيران التى كانت تطلق عليهم.

وقال عمرو عمار، عامل يومية: «عندما شاهدنا خطاب سيف الإسلام معمر القذافى، الذى وجه فيه اتهامات للمصريين بالتحريض على التظاهر، استشعرنا الخوف وحجم الخطر المحدق بنا، خاصة بعد أن شاهدنا مجموعات من المرتزقة تفجر المنازل المحيطة بنا للبحث عن المصريين، فقررنا الهروب إنقاذاً لأرواحنا، تاركين أموالنا داخل البنوك الليبية، لدرجة أننا استدنا ثمن عودتنا، وهناك الآلاف من المصريين العالقين فى الأراضى الليبية بمنطقة مساعد لا يجدون وسيلة للهرب ونقلهم للحدود المصرية»، مشيداً بدور الشعب الليبى فى حمايتهم أثناء الهروب من المرتزقة.

وأضاف جمعة أن بداية التظاهرات بدأت مع اندلاع الثورة التونسية، وبعدها الثورة المصرية، والتى ساندها الليبيون حينها عبر الهتاف مع المصريين والتونسيين بإسقاط النظام الحاكم فى الدولتين، إلا أن عددا من التونسين بعد نجاح ثورتهم فى تنحى الرئيس زين العابدين بن على، تهكموا على الليبيين ونظامهم الحاكم قائلين «وطى راسك إنت ليبى.. وارفع راسك إنت تونسى»، وهو ما كان السبب فى اندلاع الثورة الليبية.