صاعقة حديث وزير الداخلية

بقلم د.محمد أبوالغار ٢٧/ ٢/ ٢٠١١
اتصل بى الكثيرون، وأبدوا مخاوف كثيرة من حديث وزير الداخلية مع خيرى رمضان فى تليفزيون الدولة. وقد استمعت إلى الحديث مسجلاً، ووجدت أن منهج وزير الداخلية بالرغم من محاولة تجميل الشرطة فإنه فى حقيقة الأمر يعكس الطريقة التقليدية فى حديث رجل الشرطة قبل حدوث الثورة مما أثار فى النفوس قلقاً شديداً. أول فكرة مزعجة فى الحوار أن الوزير قال بصراحة إن حجم المتظاهرين كان كبيراً، وكان يجب على الشرطة أن تتوقع ذلك للاستعداد لمواجهة المظاهرة.
يجب أن يعرف وزير الداخلية أنه منذ ٢٥ يناير وصاعداً واجب الشرطة هو حماية المتظاهرين، وليس مواجهتهم، وعندما يتظاهر الشعب كله فيعنى ذلك أن الحكام لا يصلحون، ويجب أن يتخلوا عن مناصبهم فوراً، وهو ما حدث بالفعل، ويجب أن يعرف الوزير أن جحافل الأمن المركزى يجب أن تسرَّح وتتبقى قوات محدودة العدد عندها خبرة فى مكافحة الشغب تتدخل فقط عند إتلاف الممتلكات العامة أو الخاصة.
ثانياً: الادعاء بأنه كانت هناك عناصر أجنبية مدسوسة هو قول لم ولن يصدقه أحد، فهذه الثورة صناعة مصرية مائة بالمائة، ونحن نعلم جميعاً أن الشرطة تلفق وتخترع القضايا، كما اعترف الوزير صراحة بذلك حين تحدث عن بدو سيناء. لا يجب أن يقول الوزير هذا الكلام دون حقائق موثقة، لأنه يسىء للثورة وللشعب المصرى العظيم، وحكاية القلة المندسة يجب أن تتوقف من الآن وإلى الأبد.
ثالثاً: حاول الوزير التنصل من اتهام الشرطة بتسهيل مهمة البلطجية داخل الميدان، وهو أمر معروف بدقة، ونحن نعلم أن بلطجية الشرطة أصبحوا جزءاً من النظام فى المظاهرات والانتخابات، وفى غير ذلك من المهام القذرة التى يقومون بها ولا تريد الشرطة أن يقوم بها الضباط مباشرة، وأن استخدام الرصاص الحى مساء موقعة الجمل كان بإشراف الشرطة.
رابعاً: تخلى الشرطة عن وظيفتها وترك مصر كلها دون شرطة لا يمكن أن يكون إلا بقرار مركزى. الأمر واضح، هناك احتمالان: الأول هو قرار من وزير الداخلية وكبار رجال أمن الدولة، احتجاجاً على قرار مبارك استدعاء الجيش، وتحسباً لفقدهم مراكزهم وسلطاتهم والأمر الآخر هو أن هناك خطة موضوعة من الأساس بأنه فى حالة وجود تظاهرات ضخمة تقوم الشرطة بإحداث الفوضى، حتى يساند الشعب عودة النظام.
كان على الوزير أن يعترف بذلك صراحة، ويقول إن التحقيق سوف يظهر من الذى أصدر هذه الأوامر، أما إذا كان الأمر قد حدث تلقائياً من الشرطة، فهذا يعنى أن قيادات هذا الجهاز بأكمله مسؤولة عن ذلك لأنها ربت أجيالاً لا يهمها الوطن فى شىء.
خامساً: الاتهام بتدمير أقسام الشرطة لا يمكن أن يوجه فقط إلى المتظاهرين والبلطجية، لا أريد أن أتهم الشرطة بتدمير مقارها، ولكن هناك شبهات فى ذلك، ويجب أن يتم إجراء تحقيق محايد لتقصى الحقائق، حتى يمكن للجهاز أن يتخلص من الفاسدين منه.
سادساً: قال الوزير إنه سوف ينفذ الأحكام الصادرة بعودة رجال الشرطة، لماذا لا يعلن الوزير أنه سوف ينفذ جميع الأحكام الصادرة ضد وزارة الداخلية؟
سابعاً: قال الوزير إن جهاز أمن الدولة باقٍ، وهو موجود فى كل بلاد العالم، وهذه مقولة حق يراد بها باطل. جهاز أمن الدولة لا يوجد له فى أى بلاد العالم ضباط مقيمون فى الجامعات والأحزاب والنقابات والأزهر والكنائس، ولا يوجد عنده ضباط يعطون أوامر لرؤساء الجامعات،
ويقرأون كل ورقة يوقع عليها، ويزوّرون انتخابات اتحاد الطلاب ونوادى أعضاء هيئة التدريس، ويرفضون تعيين أو سفر معيد أو أستاذ، أو يديرون الملف القبطى، فيدقون أسافين بين المسلمين والأقباط، ويحوّلون علاقة ودية بين أبناء الوطن الواحد إلى أزمة كبرى. «أمن الدولة» هو حماية الدولة من الجواسيس والإرهاب فقط، وتبليغ المعلومات التى يجمعونها إلى صاحب القرار السياسى، أما دورهم كجهة تنفيذية تُصْدر الأوامر، وتعيّن العمداء، وتجرى معهم مقابلات شخصية، فهو أمر يجب أن يُوقف فوراً بواسطة الوزير.
ولا بد أن يعرف الوزير أن «أمن الدولة» هو الذى قاد معركة تدمير مصر خلال الثورة، وهو المتسبب الرئيسى فى الفوضى والفتنة الطائفية، ويجب أن يعرف أن اللجان الشعبية قامت بحراسة الممتلكات بكفاءة عالية، وأظهرت فساد الشرطة، وأنه خلال ٣ أسابيع لم يكن هناك شرطى واحد يحرس أى كنيسة، ولم يحدث شىء.
ألا يجعلنا ذلك نفكر قليلاً بأن حوادث مصنوعة بأيدى الداخلية شىء وارد؟
وأخيراً: يجب أن يعتذر وزير الداخلية عما فعلته الشرطة بالشعب قبل الثورة وأثناءها ويعترف بالأخطاء الجسيمة، ويعلن أن أمن الدولة سوف يُعاد تنظيمه بحيث يتخلى تماماً عن جميع سلطاته، ويصبح جهة تقدم تقارير فقط لما قد يخل بأمن المواطن والوطن، وينتهى تواجده الظاهر فى كل الجهات المدنية، ويجب أن يتم تطهير وزارة الداخلية خلال فترة قصيرة من كبار الفاسدين، وحينئذ سوف ينصلح حال صغارهم.
رجال الشرطة هم إخواننا وأبناؤنا وجزء منا، ويجب أن يعودوا إلى حضن الشعب يرعون مصالحه، ويحافظون عليه بعد أن تتطهر وزارة الداخلية من العنف والفساد.


المصري اليوم