" الإفتاء": نقل المقابر الواقعة داخل القاهرة غير جائز

الأحد، 3 أبريل 2011 - 16:57
الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية
كتب لؤي علي


أكدت الأمانة العامة للفتوى بدار الإفتاء أنه لا يجوز شرعا نقل المقابر الواقعة داخل مدينة القاهرة إلى أطرافها أو خارجها وذلك قبل المدة التى يعرفها أهل الخبرة بالفترة التى تستحيل معها تحول أجساد الموتى فى هذه المقابر إلى الصورة الترابية.

وأوضحت الأمانة العامة للفتوى - فى بيان لها اليوم الأحد - أن الحفاظ على قبور العلماء والأولياء والصالحين ومراعاتها وإحيائها بالزيارة هو الذى جرى عليه عمل المسلمين سلفا وخلفا؛ حيث بقيت معلومة بارزة للناس شرقا وغربا، وأنه إذا كان المسلمون قد حافظوا على قبور الفراعنة وآثارهم مع كونهم ليسوا بمسلمين ولم يطمسوها أو سعوا فى إزالتها، فأنه حرى بنا وأولى أن نحافظ على قبور معظَّمى الأمة ومشاهد العلماء والصالحين والأولياء خاصة وأن فيها قبور بالمئات لبعض الصحابة الكرام رضى الله عنهم.


وأشارت الأمانة - فى معرض ردها على ما ورد إليها من محافظة القاهرة بشأن تحويل أراضى هذه المقابر إلى حدائق عامة - أن نقل المقابر جائز ولكن بشروط شرعية عدة فى حالة وجود مالكين على قيد الحياة للمقابر "أشخاص كانوا أو جهات" والتى أكد أهل الخبرة أن أجساد الموتى بها قد تحولت إلى الصورة الترابية والتى اشترِط الشرع الحنيف فيها رضا المالك ببيعها أو استبدالها وإلا كان حراما شرعا أيضا، مؤكدة أنه لا يجوز للدولة إجبار ملاك هذه المقابر إن "وجدوا" على البيع أو التنازل بغير رضاهم الكامل.


وأضافت أنه يستثنى من تلك الإجازة نقل مقابر العلماء والأولياء والصالحين والتى لا يجوز مطلقا نبشها بغرض نقلها وما كان منها موقوفا؛ كمقابر سفح المقطم لم يجز التصرف فيها بغير الدفن.


وشددت الأمانة العامة للفتوى بدار الإفتاء فى بيانها على أن تجميل هذه المناطق وتشجيرها وتخضيرها أمر حسن، كما أن إخلاءها وتطهيرها من المجرمين أمر واجب لازم، ويمكن إدراك وتحصيل هذا كله مع الحفاظ عليها فى صورة المقابر.


وأكدت الأمانة أن هذه المقابر جزء من هوية الأمة وركن من تاريخها؛ فقطاع كبير منها يعد أحد معالم القاهرة الفاطمية والمملوكية والعثمانية، مما يجعلها تمثل تراثا معماريا تاريخيا لابد من المحافظة عليه، ويجعل وجودها مرتبطا بمواثيق دولية متعلقة بالمنع من هدم الآثار، وكثير من دول العالم الموصوفة بالتقدم والرقى الحضارى توجد مدافنها فى وسط مدنها أو حولها بلا غضاضة، بل هى من المزارات السياحية ومعالم الجمال فى هذه البلاد.


وأشارت الأمانة، فى فحوى ردها، إلى أن التذرع بإرادة تحويل هذه المنطقة إلى مساحة خضراء فليس هو من باب الضرورة العامة ولا هو من قبيل الحاجة التى تنزل منزلة الضرورة؛ لأن الذى يقع فى رتبة الضرورات: هو ما تعلق بحفظ أحد المقاصد الشرعية الخمسة، وهى: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، بحيث يختل أحدها لو لم يتم ذلك، وكذلك لا يترتب على تفويته بخصوصه مشقة تلحق بالخلق.


ولفتت إلى أن إزالة المقابر ليست هى الوسيلة المتعينة للحد من الجريمة واستئصال المجرمين الذى لا شك فى أهميته، وبوجوبه وذلك لأنه يمكن أن تحققه الدولة بوسائل أخرى؛ كأن تمنع من السكنى فى المقابر، أو تنظمه بحيث لا يسمح به إلا للخفراء مثلا فقط، وليس إزالة منطقة كاملة من الوجود هو الحل الأمثل للحد من الجريمة والتضييق على المجرمين، وإلا فكل حى ازدادت فيه معدلات الجريمة - إن سلمنا بها - يمكن أن يطالب بإزالته، وإنما الحد من معدلات الجريمة يكون بتطبيق القانون والضرب على أيدى المجرمين والعمل على إصلاحهم ونحو ذلك.


وحول دعوى أن بعض الفقهاء قد أجاز نقل الميت أكدت أمانة الفتوى أن الجواز ليس ذلك على إطلاقه أبدا فمن أجاز من أهل العلم نقل الميت بعد الدفن، فإنما قد أجازه بشروط، إذا لم تتوفر رجع الأمر إلى أصله.


وعن القول أن قرار النقل إذا كان صادرا من ولى الأمر كان واجب التنفيذ؛ لأن ولى الأمر له سلطة تقييد المباح، أوضحت أمانة الفتوى أن هذا ليس مباحا، وحمل الإمام الناس على فعل الحرام أو المكروه ليس من هذا الباب.


واستشهدت الأمانة ببعض الأمثلة على مستوى العالم وأشارت إلى أن مقبرة العظماء تقع على أجمل ربوة فى منطقة (مونمارتر) التى هى إحدى الضواحى الواقعة فى قلب العاصمة الفرنسية باريس، وهى مقصد سياحى شهير هناك؛ حيث تحوى رفات عدد كبير من أعمدة الأدب والفن، وكذلك مقبرة (هاى جيت) و(برومبتون) و(كنسال) فى لندن، وكذلك فى واشنطن حيث توجد مقبرة الكونجرس التاريخية، ومقبرة (جلينوود) ومقبرة (أوك هيل) والتى تقع فى حى (جورج تاون) الذى هو من أرقى أحياء العاصمة الأمريكية، وحول مدينة روما أيضا مجموعة من المدافن التاريخية؛ كـ (مقبرة الرهبان الكبوشيين)، والتى تعد من أماكن الجذب السياحى هناك.


وكانت الأمانة العامة للفتوى قد تلقت سؤالا حول الحكم الشرعى فى نقل المقابر الواقعة داخل مدينة القاهرة إلى أطرافها أو إلى خارجها، وذلك للمصلحة قائمة فى فعله وتحويل هذه المساحة الشاسعة إلى مساحات خضراء بالإضافة إلى تطهير لهذه الأماكن من المجرمين القاطنين فيها ممن يروعون الآمنين وينشرون الفساد، والتعلَّل

برأى بعض الفقهاء ممن أجازوا نقل الميت، ومنهم من أجاز استعمال أرض المقبرة إذا اندرست، وأن قرار النقل إذا صدر من ولى الأمر كان واجب التنفيذ.




المصدر:اليوم السابع