ممارسات خاطئة في تربية الناشئة ..
بقلم / أ. ياسر الحزيمي

عاد الأب إلى منزله متعباً بعد عناء العمل دخل المنزل بلا صوت وكأنه لص محترف وأخذ يتجول في أنحاء الغرف فوجد ابنه أحمد وقد استغرق في لعبة كرة القدم عبر جهاز الكمبيوتر ( بلاي استيشن ) والذي أمضى قرابة الساعتين أمامها !!
( تعليق) إن إدمان الأطفال للألعاب الالكترونية يجعلهم عرضه لأمراض البدانة ويعزلهم عن المجتمع ويضعف التواصل الاجتماعي لديهم ويعيق نموهم اللغوي لعدم اكتسابهم للمفردات اللغوية بسبب تواصلهم الصامت مع اللعبة وتفاعلهم العقيم مع الجهاز .
فقال له الأب متى ستكبر وتترك مثل هذه الأمور ... ؟!
(تعليق) باسم التربية وتحت شعار الحزم يتوه الطفل فإن أراد فعل ما نفعل ذكرناه بعجزه وصغر سنه وإن لعب بعفويته ومارس طفولته خاطبنا فيه رجولته فيقف عاجزا عن التعبير عن رغباته والتعرف على ذاته التي فقدها بين سندان المرحلة ومطرقة التربية .
ثم دخل إلى غرفة الأبناء فوجد خالد الابن الصغير ذي السنتين وقد عبث بالمكان فكسر هذا وبعثر ذاك وسكب العصير على السجاد الجديد ..... ! مصيبة !!
(تعليق) الطفل دون الخامسة يتعلم من خلال اكتشافه للعالم من حوله يسطو على هذا ويلمس هذا ويتذوق هذا وحبه لاكتشاف المجهول يجعله لا يستمع لوعدنا ووعيدنا مما يثير حفيظتنا فنكبل رغبته بالتهديد ونسمه بأنه طفل عنيد وهذا ما يجعل التعلم لديه قاصرا والثقة بنفسه متدنية .
وعندما علمت أن لكل عمر حياته وطبيعته وخصائصه راجعت بعض المواقف التي عاقبت فيها طفلي فوجدته على حق في معظمها ولكن جهلي بطبيعة مرحلته وخصائص عمره جعلتني أصدر الأحكام على سلوكه لا دوافعه وعلى أفعاله لا احتياجاته حتى تعبت وأتبعت وصدق الله : ? وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا 68? سورة الكهف,فإذا سكب طفلك الإناء أو تسلق المنضدة فلن تصبر عليه ما لم تحط بدوافعه خبرا ..
فصرخ الأب في وجهه يااااغبي !!
(تعليق) إن ألفاظنا وتصرفاتنا مع أبنائنا تستقر في عقولهم اللاواعية لتشكل جزء من شخصياتهم تماماً كما يقول أحدهم لأبنه أنت لا تفهم شيئاً ثم يتعامل معه كفرد لا يفهم شيئاً ثم يصبح فرداً لا يفهم شيئاً !
وبدأ بتوبيخه ثم ضربه ضربة قوية على فخذه وأعقبها بشدةٍ خاطفة لأذنه تأديباً له وردعاً لأمثاله والابن يصرخ ويحلف أنه لم يفعل شيئاً ثم يخرج الأب غير آبه بمشاعر ودموع ولده ..
(تعليق) إن الضرب أو الصراخ أو التأنيب العنيف بهدف معالجة سلوكيات الأبناء الخاطئة لا يصحح المفاهيم ولا يغير القناعات ولا يعمق الحلول بل يجعلهم أكثر حذراً عند ممارسة الأخطاء وأكثر إتقاناً لفنون التمثيل والتظاهر مما يجعل السلوك السلبي لا يختفي ...... بل يختبئ !!
إن أسلوب التأنيب المباشر لأبنائنا والعتاب الجارح لهم ولَد شخصيات إسقاطية تتقن فن التبرير وتجنح إلى الكذب للتخلص من المآزق ..
ليرتمي على الكرسي بعد أن خلع ثوبه وأخذ يقلب الصحف فجاء إليه أحد أبنائه يتحدث معه ويحاول مشاكسته ومشاركته القراءة فقام الأب ليتخلص من عبثه ورمى إليه أحد ملاحق الصحف التي لا يهتم بقراءتها ..
(تعليق) كثيراً ما نجلس في بيوتنا بين أبنائنا جلوساً سلبياً حيث العين مشغولة بالتلفاز والأذن محاطة بالهاتف والقلب منشغل بما يرى أو يسمع لنبقى بينهم بأجساد لا حياة فيها وتواجد لا قيمة له وعندها لا فرق بيننا وبين إحدى قطع الأثاث بالمنزل !!
فطرب الابن لها وبدأ بتلوينها والعبث بها وتمزيقها والأب يكتفي بالنظر دون تعليق ! وفي هذه الفترة ترك الأب صحيفته وشرع في مكالمة هاتفية استمرت دقائق وبينما هو كذلك أخذ الابن وبكل براءة صحيفة والده وفعل بها ما فعله بالملحق من التمزيق والتلوين فلما رآه الأب أوقف المكالمة وأقبل عليه كالبرق والابن منهمك بالعبث في الصحيفة فضربه بسلك الشاحن ضربة أثرت على صفحة جلده الضعيفة لينطلق لغرفته يجر أذيال الأسى ويعلن صرخات الاستهجان ويبقى السؤال ماذا فعلت بالضبط ؟!
(تعليق) السر في الكثير من مشكلاتنا مع أبنائنا أننا نقصر معهم في التوجيه ثم نطالبهم بالكمال ولا نوضح لهم المطلوب ثم نحاسبهم على النتائج لذا شيء من التوجيه والتشجيع كفيل بإنارة الطريق لهم ليعيشوا بانسجام مع ذواتهم وسلام مع مجتمعاتهم , فكيف لهذا الطفل أن يعلم الفرق بين الصحيفة والملحق ويبقى السؤال معلقاً في ذهنه لماذا أعطاني وتركني ؟! ثم أخذها مني و ضربني ؟!!
أكمل الأب الصحيفة ثم زمجر طالباً الغداء فاجتمعت الأسرة على تلك المائدة وقد تخلف نصف الأبناء متعللين بعدم الرغبة في الأكل صاح الأب ونادت الأم حتى أكتمل العدد بشيء من الإكراه والتهديد ثم بدأ العناء ... أقصد الغداء يصرخ الأب في وجه ابنته الصغيرة ( يا بنت كلي باليمين .. ) فتأكل باليمين ثم تعود مرة أخرى للأكل باليسار ثم يزجرها فتغير اليد وهكذا ..
(تعليق ) إن الطفل دون الرابعة ليست لديه القدرة على معرفة الاتجاهات فعندما تطالبه أن يأكل باليمين فإنه يغير يده فقط لأنه فهم أنها اليد المطلوبة ولو كان يأكل باليمين ثم طلبت منه الأكل باليمين ستجده يبدلها تلقائيا لتأثره بطلبك لا لمعرفته ليمينه عن شماله , ولكن كذلك أن تتخيل التناقض الذي يشعر به المسكين عندما تطالبه أن يأكل باليمين وهو يعتقد ( وأنت أمامه ) أنك تأكل باليسار فيحاول أن يكون مثلك لذا فمن الجيد أن تجلسه بجانبك لتكون حركتكما متطابقة لا متقابلة ..
ثم تبدأ الحوارات بين الأسرة فيتكلم الابن الأكبر والذي يدرس في الصف الأول ثانوي عن بعض المشاهد والمواقف يرويها بحماس الشاب ويعبر عنها بلغة الشباب ويذكر رأيه حولها ويتغنى بطموحه وآماله نحو عالم الرجولة المجهول ولكن فرحته بتلك القصص الغريبة وآماله الرهيبة لم تكتمل فبين كل موقف وآخر يتدخل الأب ويبدأ بالتعليق لا.... بل بالتحقيق !!
من قال ذلك وهل هذا يعقل ولماذا ذهبت هناك ومن كان معك واحذر من كذا ولا أريدك أن تفعل كذا حتى يتمتم الابن بكلمات لا يعرف مدى حرقتها إلا الله عز وجل ثم ينسحب من الغداء متعللاً باكتفائه من الطعام ولكنه في داخله يريد الهروب من سراق الأحلام وزراع المخاوف والأوهام ! عم الصمت تلك الوجبة حتى لم يعد يسمع إلا قضم السلطة وصوت الأواني !!
(تعليق) كيف ؟ ومتى ؟ ومن قال ؟إن التأنيب والنصح بعد كل قصة يرويها الابن أو التعقيب والتدقيق على كل كلمة أو معلومة يطرحها ينسف جسور التواصل بين الآباء والأبناء ويهدم حصن الألفة والانشراح بينهم ويغلق القلوب قبل الألسن أمامهم لينعدم الحوار وينتشر الصمت في كل لحظة التقاء لذا شيء من التفاعل والتغافل كفيل بخلق الانسجام ودعم التواصل ..
توقف أحد الأبناء عن الأكل فتوددت الأم له حتى يأكل فلم يستجب فتوعدته وهددته قائلة ( إن لم تأكل فسأعطي لعبتك الجديدة لفلان ) فيتوتر الابن ويبدأ بالأكل مكرهاً بسيف التهديد والوعيد إما من إعطاء لعبته لغيره وإما خوفاً من ( الشبح الذي يخطف الأطفال الذين لا يسمعون كلام أهلهم ) ..
(تعليق) ( إذا فعلت كذا فإني سأعطي لعبتك فلان وإذا لم تفعل كذا فإني سأعطي فلان الحلوى الخاصة بك) تصرف يغرس في أذهان الأبناء أن العطاء عقوبة وأن البذل سلوك سلبي مما ينتج أبناء تملؤهم الأنانية وتحركهم الأنا وتسيطر عليهم الفردية أما ( الشبح وعافية الله والحرامي والوحش) فهي أدوات يلجأ إليها الأهل للحصول على استجابة فورية سريعة دون الاكتراث بخطورتها وعمق أثرها فكل هذه الألفاظ تخرج الطفل عن الواقع لتسكن هذه المخاوف في عقله سنين عديدة تمحي صورها وتبقى آثارها تؤثر على ثقته وشجاعته وقراءة الحياة من حوله ..
يسكب اللبن لمن تبقى من أفراد العائلة ويكون مقدار اللبن في الكأس متفاوتاً تبعاً للعمر فتدب المشاعر السلبية داخل نفوسهم وتتصاعد كلمات الاعتراض حيال هذا الموقف البسيط في نظرنا ..
تنتهي وجبة الغداء بخسائر نفسية لا تخرج آثارها إلا بعد حين ..
(تعليق) لا يوجد سبب في الدنيا منطقي مقنع يمكن تقديمه للطفل عندما يسأل لماذا .... أحمد كأسه أكبر من كأسي .....؟
يجب أن نتعامل مع احتياجات الأطفال وأن نتفاعل مع اهتماماتهم بدرجة أهميتها لهم لا أهميتها لنا فضياع لعبة الطفل كارثة بالنسبة له لا يجب أن نستهين بها ونجاحه في كتابة حرف واحد حدث ينبغي ألا نغفله وتفاوت مقدار اللبن ظلم لا يجب السكوت عنه !!
يبدأ الأب بمداعبة البنت الصغيرة المدللة وتبدأ هي بالكلام المكسر فتقدم حرفا على حرف وتخلط بين الضمائر فيضحك لها الأب ومن حوله ويستملحون ذلك منها ..
(تعليق) إن استظرافنا لما يقع فيه أطفالنا من أخطاء كلامية من تقديم أو تأخير لحروف الكلمة جعلهم يصرون عليها ويكررونها بغية لفت انتباهنا وإسعادنا بها مما قد يجعلهم ينشؤون على عادات كلامية خاطئة وتراكيب لفظية هشة ..
يصيح الابن باكياً ( بابا .... ) ما بك يا حمودي فيقول الابن ضربتني الطاولة فيقوم الأب فيضرب الطاولة ( أه أه ) أيتها الطاولة فيسكت الابن وتعود المياه لمجاريها !!
(تعليق) كثيراً ما يلجأ الوالدان لهذا التصرف والذي يهدف إلى امتصاص غضب الابن والتفاعل الوجداني معه وهذا جيد ولكن هذه الحركة تولّد أبناءً لا يتحملون مسؤولية أخطائهم وتجعلهم يسقطون أسباب خطئهم على الآخرين مما يخرجهم من دائرة المسؤولية إلى دور الضحية ( فهل من المنطقي أن الطاولة هي من بحثت عنه لتضربه أو غيرت مكانها لتخدعه أو تعمدت إيذائه ...؟ ) إذا كانت الإجابة لا إذن لماذا نضربها ونحملها الخطأ ...؟!
بقي على الآذان 10 دقائق فأمر الأب الأبناء أن يستعدوا بالوضوء للصلاة وألا يتخلفوا عن تكبيرة الإحرام ثم سمح لنفسه ( وهو المعذور لتعبه من العمل ) أن يأخذ قسطاً من الراحة بعد كأس اللبن الرائب ..
(تعليق) تناقض عجيب يلامسه الكثير من الأبناء داخل أسرهم فهو يسمع التعليمات من والديه ويرى تجاوزهما لها وتكرر عليه بعض الأخلاقيات ويرى نقيضها منهما ويشرع النظام على الكثير من التصرفات بينما يرى الاستثناءات تخضع لهما تناقض عجيب ! يولد لديه شخصية مضطربة بين ما يجب أن يكون وبين ما هو كائن فيضيع بين مد المأمول وجزر المعمول ..
انتهى المشهد ..
والذي حكى بإيجاز سويعات إحدى الأسر والتي لا تختلف كثيراً عن واقع الكثير من البيوت من حولنا ذلك المشهد الذي يمارسه الكثير منا أو على الأقل نمارس جزءاً منه انتهى المشهد على هذه الورقات لتبقى هذه الصور مكررة ومستمرة في الكثير من الأسر سهلة في وصفها وتلقائية في حدوثها وعميقة في أثرها .