زمان .. وذا وومان .. الحلقة الثانية


زمــــــــــــان .. وذا وو مــــــــــــــــان

رابط الحلقة الأولى

الحلقة الثانية


انتهى المسلمون من حفر الخندق .. وانقسموا إلى مجموعات للحراسة .. الجميع منهكون من البرد والجوع .. وقد اغتاظت قريش أشد الغيظ حين رأت الخندق .. فحاصرت المدينة من كل مكان .. وأحاط حزب الشيطان بحزب الله .. وأتوهم من فوقهم ومن أسفل منهم
إبراهيم – وبعدين يا جماعة في اللي بيحصل ده .. إنتم متأكدين إن الحكاية دي هتعدي على خير ؟؟ .. أنا عايز أرجع بلدنا .. بصراحة مش قادر استحمل
أبو سعيد ( وقد اعتاد على لغة ابراهيم ) – اصبر يا إبراهيم .. اصبر .. فوالله ما بيننا وبين النصر إلا صبر ساعة .. وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا
ابراهيم – ماشي هاصبر .. بس أصلي كنت صدقت الراجل بن سلول ده لما وعدنا بتدخل الدول الكبرى لفك الحصار .. ودلوقت شايف ان ماحدش هينقذنا وهيسيبونا ننضرب لوحدنا .. والحصار شديد .. والبرد والجوع أشد
أبو الحارث – لسنا وحدنا يا رجل .. إن الله معنا .. ومن كان الله معه فمن عليه ؟؟ .. إن النصر لا يتنزل علينا إلا حين نعتصم بالله وحده .. أما إذا أشركنا معه سواه فسيكلنا إليه.
أبو سعيد – ومن تنتظر أن يهب لنصرتنا يا إبراهيم .. الفرس من الشرق أم الروم من الغرب ؟ ألا تعلم أن الكفر كله ملة واحدة .. فليس للمسلمين إلا الله .. وهو نعم المولى ونعم النصير
إبراهيم – صح والله .. ونعم بالله
يسمعون المنادي .. أيها المسلمون .. أجيبوا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. هلموا إلى بيت جابر بن عبد الله .. فقد ذبح لكم عناقا .. ودعا المسلمين إلى الطعام
إبراهيم – الله .. الأكل وصل .. ده انا عصافير بطني صوصوت
أبو سعيد – عصافير ؟؟ .. أتأكلون العصافير ؟؟
إبراهيم – لا لا ده موضوع تاني .. المهم .. ماهو العناق ؟
أبو سعيد – إنه صغير الماعز
أبراهيم بقلق – صغير الماعز .. وكل هذا الجيش سيأكل عناق واحد وللا فيه عناقيق كتير ؟
أبو سعيد ( يضحك ) – عناقيق ؟؟ .. أضحك الله سنك يا إبراهيم .. لقد سمعت المنادي يقول عناق واحد .. أظنه كذلك
إبراهيم – إذن هيا نسرع قبل أن يلتهم الجيش هذا العناق .. إنني سأموت من الجوع
أبو الحارث – على رسلك يا إبراهيم .. ألا تؤثر إخوانك على نفسك ؟ .. لا تعجل .. فبركة الله تعالى ستشبع كل هؤلاء
ابراهيم – ثلاثمائة نفس
أبو سعيد – وأكثر .. إن خزائن الله تعالى لا تنفد .. لقد قال الله تعالى ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )
إبراهيم مازال مترددا .. الجوع أفقده السيطرة على تفكيره – آمنت بالله .. ولكن دعونا نسرع قليلا
يصل الجميع إلى دار جابر بن عبد الله .. يصطفون في نظام .. الجوع يكاد يقتلهم ولكنهم برغم ذلك يقدمون بعضهم بعضا في حب وإيثار .. يدخلون عشرا عشرا .. يأتي دور إبراهيم بعد أن أكل قبله مائة .. يدخل وهو في شك من أنه سيجد بعض العظام وليس بعض اللحم
أبو سعيد – أتدري من يصنع الثريد يا إبراهيم ؟
ابراهيم – من ؟
أبو سعيد – إنه رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه .. يكسر الخبز ويصب عليه المرق ويقطع عليه اللحم .. ولا يأكل قبل أن يأكل آخر جندي من المسلمين
إبراهيم يتعجب غاية العجب .. من تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه .. ومن وفرة الطعام مع كثرة العدد .. من أين يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بلحم يكفي كل هؤلاء .. يمكن بيجيلهم تمويل أجنبي ؟؟؟؟؟
يصل الطعام .. يناول كل واحد من المسلمين أخاه قبل أن يأكل .. وإبراهيم يعجب من سكينتهم وهدوئهم مع شدة جوعهم
أبو سعيد يناوله قطعة من اللحم – تفضل يا إبراهيم .. مالك لا تأكل .. ألست جائعا يا رجل إبراهيم- متشكر أوي يا بو سعيد .. أنا خجلت من نفسي جدا .. إزاي كنت عايز آكل قبل الناس .. وكل واحد منهم ما أكلش غير لما أخوه ياكل الأول .. أنا أول مرة يجيلي الإحساس ده بصراحة
أبو سعيد – إنها بركة الأخوة يا إبراهيم .. هذه الأخوة والتراحم بين المسلمين هي أمضى سلاح في وجه الأعداء .. تفضل .. تفضل .. ( يناوله المزيد من الثريد )
إبراهيم – شبعت والله يابو سعيد .. مش قادر آكل أكتر
أبو الحارث – كل يا رجل .. أما كنت تخشى ألا تجد شيئا .. هل صدقت الآن ؟
ابراهيم – نعم .. نعم .. الحمد لله .. الحمد لله
يخرج إبراهيم مع أصحابه .. ينظر إلى الدنيا من حوله .. يشعر أنه سعيد غاية السعادة وسط أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يشعر باطمئنان يملأ جوانحه .. وثقة تملأ قلبه بنصر الله الموعود .. يتمنى لو يواجه الدنيا بأسرها مع جيش فيه أمثال هؤلاء.
يعود أبو سعيد وأصحابه إلى نقطة الحراسة .. يسمعون تنبيه الحراسة .. موجة هجوم من المشركين يحاولون اقتحام الخندق .. ونفير استعداد للمواجهة .. وقف إبراهيم وأصحابه لصد الهجوم
أبو سعيد – انظر يا ابراهيم .. أتدري من هذا ؟
ابراهيم – من ؟
أبو سعيد – هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج لصد الهجوم
خرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين، وأقبل المشركون نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد، فنادى من يبارز ؟
فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.
فقال: ((إنه عمرو .. اجلس))
ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز ؟
فجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أفلا تبرزون إلي رجلاً ؟
فقام علي فقال: أنا يا رسول الله ؟
فقال: ((اجلس))
ثم نادى الثالثة فقام علي رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا.
فقال: ((إنه عمرو))
فقال: وإن كان عمراً. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه حتى أتاه
فقال له عمرو: من أنت ؟
قال: أنا علي.
قال: ابن عبد مناف ؟
قال: أنا علي بن أبي طالب.
فقال: يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك
فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك
فغضب عمرو .. فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضباً واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير، فعرف أن علياً قد قتله، ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟
فقال: ضربته فاتقاني بسوءته، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه.
ثم خرج المشركون منهزمين حتى خرجوا من الخندق.
إبراهيم يصقف من شدة الفرح – الله أكبر .. الله أكبر .. صلاة النبي أحسن .. إيه الشجاعة دي .. شجاع جدا سيدنا علي بن أبي طالب
أبو سعيد – إنه فارس الفوارس يا إبراهيم .. ومبارز لا يقوم أمامه أحد
خالد يأتي من بعيد .. هل سمعتم الخبر يا قوم ؟
أبو سعيد – ما الخبر ؟
خالد – لقد نقضت بنو قريظة العهد .. وغدروا بالمسلمين وتحالفوا مع قريش وغطفان.
أبو الحارث – قاتل الله يهود .. الويل للخونة
إبراهيم – يعني كده بقوا عاملين علينا كماشة .. المشركين من ناحية .. واليهود من ناحية .. يادي الليلة اللي مش فايتة .. رحنا بلاش
أبو سعيد – لاتجزع يا أخي فالله من فوقهم جميعا .. قص علينا الخبر يا خالد من بدايته
خالد – نعم .. بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني قريظة قد نقضوا العهد الذي بيننا وبينهم وحالفوا قريشا وغطفان على المسلمين .. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير.
قال: ((انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحقٌ ما بلغنا عنهم))
فخرجوا حتى أتوهم، فدخلوا معهم حصنهم، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم ( أي بني النضير ) ؟؟ .. ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: إنا والله ما جئنا لهذا، ولما بيننا أكبر من المشاتمة.
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير، أو أمر منه.
فأفحشوا له في القول
فقال: غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن.
ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وأكدوا له صدق الخبر .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين))
أبو سعيد – الله أكبر .. هذا والله ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله .. والله لن يزيدنا هذا إلا إيمانا وتسليما
إبراهيم – بس ازاي هنقف قدام الناس دي كلها وهم متجمعين حوالينا من كل كمان
خالد – الله أكبر منهم يا إبراهيم .. لقد بذلنا الوسع .. والله تعالى أمرنا بأن نعد لهم ما استطعنا من قوة .. والنصر من عند الله وحده .. ألا ينصر الله حزبه وجنده ؟
إبراهيم – ونعم بالله .. بس انا خايف على الستات والأطفال في المينة من غدر اليهود .. دول دايما يضربوا المدنيين العزل .. والنساء والأطفال
يسمعون جلبة شديدة .. وصياحا .. ومجموعة من فرسان المسلمين ينطلقون صوب المدينة ومعهم أبو الحارث .. يجلس إبراهيم وأصحابه في انتظار الخبر .. ويعود الفرسان بعد قليل
يأتي أبو الحارث فرحا مستبشرا .. يتهلل وجه أبو سعيد وأصحابه لرؤيته
أبو سعيد – بشر يا أبا الحارث .. بشرك الله بالخير
أبو الحارث – تذكرتك والله يا إبراهيم حين رأيت ما رأيت .. أبشروا يا قوم .. فإن حزب الله هم الغالبون
إبراهيم – وما الذي رأيت يا أبا الحارث ؟
أبو الحارث – أما كنت تخشى على نساء المسلمين وأطفالهم من غدر اليهود ؟
إبراهيم – نعم
أبو الحارث - فقد وقع والله ما كنت تخشاه .. وخرج جماعة من اليهود يجوسون ديار المدينة
أبو سعيد – لا حول و لا قوة إلا بالله .. ففيم استبشارك إذاً ؟
أبو الحارث – لقد قامت صفية بنت عبد المطلب إلى عمود الخيمة .. فاحتملته وضربت به أحد اليهود فقتلته .. ثم قامت النساء فرموا جثته جهة حصون اليهود .. فلما رأى اليهود ذلك علموا أن المدينة محصنة .. وفر حزب الشيطان وقد أخذ منهم الرعب كل مأخذ
إبراهيم – الله أكبر .. نساء المسلمين هم الل بيحموا ظهر حزب الله .. دول والله أجدع من رجالة كتير في الزمن بتاعنا
أبو سعيد – لا فرق بين النساء والرجال في أرض المعركة يا إبراهيم .. وكم قاتلت النساء مع الرجال جنبا إلى جنب .. فلا تخش عليهم من هؤلاء اليهود الجبناء .. ألم يقل الله تعالى فيهم ( لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) .. إنهم أجبن من أن يواجهوا حزب الله في معركة مفتوحة.
إبراهيم – صدق الله العظيم .. ياريت الناس كلها تشوف اللي أنا شفته ده .. ده أنا بس أرجع الزمن بتاعنا يابوسعيد .. وهاحكي لكل الناس على عظمة الإسلام والصحابة .. وقوة حزب الله في مواجهة حزب الشيطان
أبو سعيد – بارك الله فيك يا إبراهيم .. قم بنا نتوضأ .. فقد اقترب موعد الصلاة
يقومون للوضوء .. أبو سعيد لم ينس أن إبراهيم لا يحسن الوضوء .. وربما بطلت صلاته .. فيهديه تفكيره إلى طريقة يعلمه بها الوضوء
أبو سعيد – يا إبراهيم .. لقد اختلفت أنا وأبو الحارث أينا يحسن الوضوء .. وأريدك أن تحكم بيننا
إبراهيم – وماله .. مافيش مانع
يتوضأ أبو سعيد وأبو الحارث فيحسنان الوضوء ويسبغانه كأتم ما يكون الوضوء .. إبراهيم يشعر أنهم يتوضؤون أحسن منه .. يشعر بالخجل من تقصيره
إبراهيم – والله يا جماعة انتم بتتوضوا أحسن مني .. وفيه حاجات كتير بافوتها في الوضوء .. بس كنت باقول انها مش مهمة لإنها سنة
أبو سعيد – تتركها لأنها سنة ؟
إبراهيم – نعم
أبو الحارث – ولماذا تترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ألا تحبه ؟
إبراهيم – طبعا باحبه .. ده هو اللي هيشفع فينا
أبو سعيد – وكيف ترجو شفاعته وأنت تترك سنته .. ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من رغب عن سنتي فليس مني )
إبراهيم – جزاكم الله خيرا .. أنا كده فهمت فعلا معني السنة .. كنت باحسبها قبل كده حاجة زيادة مالهش لازمة .. أوعدكم اني مش هاسيب السنة أبدا إن شاء الله
اشتد الحصار على المسلمين .. ونزل بهم بلاء شديد .. واجتمع عليهم البرد والجوع والعطش .. إبراهيم لا يحتمل ذلك .. ينظر إلى من حوله ويشعر أن قواهم توشك أن تنهار .. ويخشى ألا يصمدوا في مواجهة حزب الشيطان .. يشعر بالأسى وقد أحبهم حبا شديدا ولمس من كرم أخلاقهم ونبل خصالهم ما جعله يتمنى ألا يفارقهم .. ولكن كيف يصبرون ؟ .. كيف ؟؟
بجانبه أبو سعيد يصلي من الليل .. ويناجي ربه ويبكي .. كثير من المسلمين يقومون الليل .. فريق يحرس .. وفريق يصلي .. لا أحد ينام .. ما هذه الحياة .. حياة عجيبة .. لابد أن هذا سر انتصارهم .. وصمودهم في وجه عدوهم
وبينما هو في غمرة أفكاره يأتي خالد منهكا مرهقا .. يسلم على ابراهيم وعيناه تبرقان ابتهاجا وجذلا
خالد – السلام عليك يا إبراهيم ورحمة الله وبركاته
ابراهيم – وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
خالد – أسمعتم ماكان من أمر سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدا الأوس والخزرج ؟
ابراهيم – ما خبرهم ؟
خالد – اصبر حتى ينتهي أبو سعيد من صلاته .. وسأخرج لأنادي أبا الحارث
يخرج خالد ويعود بعد قليل
أبو الحارث – خيرا يا خالد .. ما الخبر .. اشتقت والله إلى سماع أخبارك
خالد – سأخبركم .. لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن المدينة .. فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه
فقالا: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به ولا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟
فقال: ((بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما))
فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى (أي كرم ضيافة ) أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنت وذاك)) فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا عليها.
أبو سعيد – الله أكبر .. ما أحسن ما صنع .. والله لا يكون بيننا وبينهم إلا السيف .. ولن نعطي الدنية في ديننا أبدا
إبراهيم – بس مش كان أحسن لهم ينتهزوا الفرصة ويصالحوا القبائل دي عشان مصلحة شعبهم .. الحصار اشتد على المسلمين .. وأخاف تكون الشجاعة دي عشان مكاسب سياسية على حساب الشعوب اللي مش لاقية لقمة العيش في الحصار الرهيب ده
أبو الحارث – لا خير في لقمة عيش مغموسة في الذل يا إبراهيم .. لقد أعزنا الله بالإسلام ووعدنا إحدى الحسنيين .. النصر أو الشهادة .. إن جنة الدنيا ليست لنا .. الدنيا سجن المؤمن .. وجنة الكافر
أبو سعيد – والرزق بيد الله يا إبراهيم .. ليس بيد غطفان أو قريش .. وما هذا البلاء الذي حل بنا إلا ليميز الله الخبيث من الطيب .. وقد عرفنا الخبيث وعرفنا فراره من أرض المعركة .. وتخاذله عن نصرة حزب الله .. ورأينا الطيب وثباته وصموده وهو يكاد يموت من الجوع .. ولكنه لا يعطي الدنية في دينه
ابراهيم – صدقتم والله .. فإني مع هذا الجوع والتعب أشعر براحة نفسية عجيبة .. وأشعر أنني أقرب إلى الله تعالى من أي وقت كنت فيه منعما مترفا .. الحمد لله على نعمة الإسلام


وإلى اللقاء في الحلقة القادمة

المصدر:ابناء مصر