فليتغمدنا الله برحمته ويتوب علينا من كل وغد متحاذق لا تدري من منحه حق تصنيف الناس إلى ثوار وبلطجية، طبقا لملامح وجوههم وألوان ملابسهم ودرجة كثافة «الجِيلّ» الذي «يلطون» به شعورهم. نعم، أنا أعني ما أقوله حرفيا، الذي يصف إنسانا بأنه بلطجي لأن طريقته في الكلام لا تحلو له، ولأنه لا يوافق صورته المتخيلة عن شباب الثورة ليس سوى وغد، وهذه هي أقل الشتائم التي يمكن استخدامها بحقه، لأن الأوغاد هم الذين يظنون أن تصنيف الناس حق مكتسب، حتى لو ادعى بعضهم أنه يفعل ذلك لأنه خائف على الثورة اللي بتتسرق، أو لأنه يظن أن الرائحة الطبقية الحقيرة التي تنبعث منه يمكن أن تختفي إذا علا صوته بالنواح «بقى همّ دول شباب الثورة.. راح فين شباب الثورة الجميل اللي كنا فخورين بيه من ساعة ما شفناهم يوم خمسة وعشرين».

أولا أنت لست وغدا فحسب، بل أنت كذاب أيضا، أنا آسف لأن الإنفعال جعلني أفقد تركيزي، إذا كنت وغدا فأنت بالضرورة كذاب، هذا جزء من مستلزمات كونك وغدا، أنت لم تكن فخورا بأحد يوم خمسة وعشرين، بل في أغلب الأحوال كنت تسب وتلعن فيهم.. وتتهمهم بأنهم شوية عيال هياخدوا على قفاهم وهيروحوا، وبالتأكيد فإن مناظر سحلهم وضربهم بالهراوات وخنقهم بالغاز المسيل للدموع لم تحرك في قفاك الغليظ شعرة، وإلا لكنت قد نزلت إلى الشارع يوم 28 يناير، وعندها كنت ستمثل في حضرة أحرار المصريين من كل الطبقات الذين خرجوا يحلمون بإسقاط النظام وظلوا يطاردون حلمهم في الشوارع والميادين حتى أسقطوه، لن أتحدث عما لم أشاهده في الإسكندرية والسويس والمحلة والصعيد وطنطا وكرداسة والزاوية الحمراء ومدينة نصر والإسماعيلية، سأتحدث عن عشرات الآلاف الذين رأيتهم يتدفقون إلى ميدان الجلاء من نواحي إمبابة وبولاق الدكرور والعمرانية وفيصل والهرم ليسقطوا مبارك في التحرير، صدقني لو كنت قد شاهدت بطولاتهم وعشت تضحياتهم، لم تكن ستنطق على لسانك عندها تلك الكلمات الرخيصة عن الشباب المستريح اللي ركن عربيته ونزل يثور، وما إلى ذلك من هراء.

بلاش يا سيدي، لو أنك قمت بتثبيت أي صورة في أي فيديو كليب للثورة على اليوتيوب، ونظرت في وجوه الموجودين أمامك على الشاشة لعرفت أن كل ما يتم ترديده عن تغيير مناظر شباب الثورة ليس سوى محض هراء، وأزعم أن بعضه يصدر عن نفوس حاقدة على أبناء البسطاء، الذين لم يسقط النظام إلا بفضل تضحياتهم. انظر إلى الصور كلها وستجد أمامك وجوه بسطاء المصريين تطالعك بكل ما فعله بها سوء التغذية والتلوث والإرهاق والإحباط وغياب العدل، لكنك ستندهش لأنك ستراها رغم كل ذلك «توج» بالحياة والبهجة والغضب والدهاء والجدعنة والرغبة في الإنتصار السريع، لكي يعود كل إلى بيته ليأخذ دشا طويلا من ذلك النوع الذي يستوجب عبارة «بقى كل ده في الحمام».

في كتابه البديع «الطريق إلى رصيف ويغان» يلاحظ الروائي البريطاني الملهم جورج أورويل أنه دائما في أوقات الشدة وعلى رأسها أوقات الثورات يجيء المثقفون والمتعلمون وحدهم إلى الواجهة «هم ليسوا موهوبين أكثر من غيرهم كما أن تعليمهم في حد ذاته غير ذي نفع على الإطلاق، لكنهم معتادون عموما على مقدار معين من الاحترام، وبالتالي لديهم الجرأة الضرورية التي يتطلبها موقع القائد، ولذلك يبدو أن مجيئهم للواجهة مسلم به في كل زمان ومكان»، ثم يحكي عن مشهد يرد في كتاب يوثق قمع أحداث كميونة باريس، أول ثورة اشتراكية في العصر الحديث، قررت السلطات إعدام زعماء الكميونة بالرصاص، ولأنها لا تعرف من هم الزعماء فقد كانوا يختارونهم على أساس أن أبناء الطبقة الأفضل هم الزعماء بالتأكيد «يمشي ضابط بين صف من السجناء وينتقي النماذج المحتملة طبقا لمظهرها، أعدم أحد الرجال لأنه كان يرتدي ساعة يد، وآخر لأن له وجه ذكي».

نحن لسنا بريطانيا ولا فرنسا، ولذلك نحن نعدم الناس معنويا بناء على منظور طبقي عكسي، فالذين تبدو على وجوههم آثار العز وتبدو بشرتهم مرتاحة من فرط الحموم ولا تظهر آثار الأنواع الرديئة من الكريمات على شعرهم، ويستطيعون أن يقولوا كلمات من نوعية الحراك السياسي والمسار الديمقراطي والتحديات الراهنة، هم بالتأكيد شباب الثورة الذين يستحقون الاعتراف والتقدير، أما الباقون فهم بلطجية ويستحقون التجريس والشتيمة والصعق الكهربائي والاقتياد إلى النيابة العسكرية إلى أن يبان لهم أصحاب.

أقول لنفسي جميل أن الثورة لم تقم في أيام الجامعة التي كنت أقيم فيها بغرفة فوق السطوح ليس بها حمام، وكان الأمر يتطلب أياما لكي أجد سبيلا إلى حمام ساخن في بيت صديق، بالتأكيد كان سيلقى القبض علي من أول مظاهرة وكنت ستجدني على غلاف «أخبار الفلول» كعينة دالة للأشكال البلطجية الضارة بالوطن، هذه فرصة سانحة لكي أوجه شكرا تاريخيا إلى كل زملائي في كلية الإعلام، الذين تحملوا رائحتي أيامها، بعضهم بكرم أخلاق ومحبة، وبعضهم ربما لإحتياجه إلى ما كنت أكتبه من ملخصات، تحملوا أيضا القمصان العجيبة التي كنت أرتديها والتي كنت أشتري أقمشتها من بائع أقمشة في شارع الصناديلي بالجيزة وأفصلها لدى ابن عمته الترزي، كنت أتخيل أن تلك القمصان ستحدث تأثيرا عاطفيا فتاكا على العناصر النسائية المستهدفة، وعندما عرفت الحقيقة لم أغضب لأن «دي خلقة ربنا»، لم يكن لدي ذوق في إختيار الملابس، وأعتقد أنني لم أمتلكه بعد ولا أرغب في أمتلاكه، ولا أعتقد أن ذلك الذوق الذي كنت أرى الكثيرين من حولي ينفقون وقتا طويلا في الحديث عنه، والتفاخر به قد أضرني وأفادهم في حياتهم.

بصراحة، يجب أن لا يخجل الإنسان من فساد ذوقه، بل يجب أن يخجل من انعدام ضميره، ومن قدرته على أن ينسى دائما أنه كمخلوق ضعيف أحقر من أن يصدر حكما شكليا على أناس لم يحظوا بالفرص التي نالها في حياته. لذلك ولذلك كله إذا وجدت شخصا يشير إلى مواطن فقير يتظاهر في التحرير، ويسألك باشمئناط «بقى بالذمة ده من شباب الثورة؟»، لا تدخل معه في نقاش، بل قل له من الآخر «ده سيدك وتاج راسك يا وغد