الصوم مدرسة الإحسان



قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾


المتقي قطعا

وتقوى الله عز وجل في النص هي العلة المقتضية للحكم، لأنه منصوص عليها تصريحا، وهي اتقاء سخطه واستحضار رقابته، لأنه سبحانه أهل لأن يخشى ويهاب، ويجل ويعظم في صدور عباده، ﴿ هو أهل التقوى وأهل المغفرة﴾

وحقيقتها أنه إذا أراد مسلم أن يقدم على خطيئة ما، أو زين له الشيطان هفوة من الهفوات أو هنة من الهنات، ثم استحضر رقابة الإله وصفات كبريائه وعظمته، فضلا عن جماله وجلاله، ثم أبى التوحل في خضخاض المحظور، فذاك هو المتقي قطعا.

قال ابن مسعود

في قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حق تقاته﴾ : هي أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر،

وكما قال طلق ابن حبيب:

"التقوى هي أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله" .

وهذا الاستحياء الجميل من الله، والخوف العظيم من الجليل سبحانه، مرتبة سامقة في الدين ومنزلة راقية فيه& إنها مرتبة الإحسان العالية التي عرفها المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وهي عزيزة نادرة كالكبريت الأحمر

كما قال الإمام الشافعي:

"أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة حق عند من يرجى أو يخاف" ، ويعضده حديث أبي طفيل مرفوعا بسند صحيح: "استحي من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك" ، وكما قال الحارث المحاسبي: "المراقبة علم القلب بقرب الرب" .

والمقصود هاهنا أن الصوم مدرسة لاستشراف منزلة الإحسان، وإجلال الله في نفوس عباده، فكم من مختل بالطيبات وأصناف للطعام، ولكنه يأبى الاقتراب منها
ورعا من الله، أو ذوقها استحياء منه سبحانه، ناشدا قول ابن السماك:
يا مدمن الذنب أما تستحيي والله في الخلوة ثانيكا
غرك من بك إمهاله وستره طول مساويكا

ولاشك أن هذه التقوى إذا سرت في شرايين المجتمع ومؤسساته كلها في رمضان وغيره من الشهور، ستستأصل جذور الفساد كلها سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بل سيصبح المجتمع ملائكيا لأن جميع أفراده في مراقبة ومشاهدة للخالق سبحانه، فلا اجتثاث إذن لهذا الارتكاس العام في حمأة الفتنة الدنسة، والانغماس الكلي في المستنقع الآسن من لدن كثير من أهل البغي والفساد من المسلمين جريا وراء النزغات واللذات الهابطة إلا بتربية إحسانية مدارها على الصوم.