أحداث السرب المصري في سوريا في حرب أكتوبر المجيدة 1973

بقلم: لواء طيار أركان حرب / محمد فكري الجندي



لم تأتِ قصة تواجد سرب مصري في سوريا من فراغ، ولكن كان وراءها تاريخ قامت فيه مصر لمعاونة أشقائها من العرب خلال مسيرتهم القومية. في خلال عملي بالقوات الجوية كضابط طيار مقاتل عملت في ثلاث بلاد عربية:أولا: اشتركت في حرب اليمن عندما ساندت مصر الشعب اليمنى في ثورته في سبتمبر1962 .ثانياً: عملت قائداً لسرب مقاتلات قاذفة في وحدة تدريب المقاتلات عندما قامت مصر بتأمين حدود ليبيا الشمالية الشرقية في ثورة الفاتح من سبتمبر 1970، بالإضافة إلى هدف أخر حققناه وهو توفير ظروف مؤمنة لتدريب الطيارين الجدد على القتال استعداداً لمعركة الثأر الكبرى، وكانت الأراضي الليبية تحقق مدى بعيداً يوفر الأمان من تدخل العدو الجوي.
هذا التاريخ الذي سوف نفرد له في المستقبل القريب ونروى دور القوات الجوية في اليمن، ثم دورها في يونيو1967 حتى نميط اللثام عن حقيقة موقف القوات الجوية وتكشف حقيقة الإشاعات التي ألمت بها ، ثم دور القوات الجوية في حرب الاستنزاف، هذه الحرب العظيمة التي لم تأخذ حقها في الكتابة …….ثم نأتى إلى قصة تواجد السرب المصري في سوريا، فقد كان وراءها اتفاقات عسكريه قبل بداية السبعينيات بتواجد سرب مصري مقاتلات قاذفة بشكل دائم في سوريا.
وتشاء الأقدار أن تكون فتره تواجد سربي المخططة خلال معركة الثأر الأكبر واسترداد الكرامة في أكتوبر العظيم من فوق الأراضي السورية.
الذهاب إلى سوريا
ذهبنا إلى سوريا قبل أكتوبر بعدة شهور وتمركزنا بقاعدة المزه الجوية وهي قاعدة متقدمة جنوب مدينة دمشق وكانت هذه الشهور كافية للتعرف على الأجواء السورية ومسرح العمليات في الجولان، انضم سربي إلى لواء مقاتلات قاذفه سوري تحت قيادة العميد طيار/ صبحي حداد وسُمى بسرب البعث الخامس عشر، وصدرت تعليمات بتنفيذ واجبه القتالي من خلال خطة عمليات القوات الجوية السورية ولا يفوتني أن أوضح أننا سافرنا من مصر إلى سوريا أفرادا وطيارين فقط فقد كانت طائراتنا ومعداتنا مع السرب الذي سبقنا والذي حللنا مكانه.
كان استقبال القيادة السورية لنا استقبالاً حافلاً ولمسنا منهم روحاً طيبة وهذا ما لمسته في الشعب السوري، فهو شعب شقيق أؤكد أنه يطابق الشعب المصري في سلوكه وأسلوب حياته، كما أن الشعب السوري يشترك معنا في الصفات الحضارية.
مرحلة التدريب والتأقلم
بعد الانتهاء من الإجراءات الأولية والتعارف التي لم تتجاوز يومين بدأنا التدريب بالتعرف على المنطقة ومناطق التدريب وميادين الرماية، ثم بدأنا التدريب الفعلي للسرب كما هو مخطط في مصر، فقد كنت قائداً للسرب 62 وهو سرب من مطار الصالحية في مصر، وكان برنامج التدريب لا يختلف كثيراً عن برامج التدريب السورية إلا في تكتيك واحد وهو تشكيلات القتال، وفي الرماية الجوية بالصواريخ الحرة، نظراً لاختلاف التسلح من هذا النوع، وكان وجودونا مع الأسراب السورية حافزاً قوياً للوصل إلى مستوى جيد يحقق لنا المنافسة الشريفة للاداء القتالي، وبالفعل اشتعلت روح المنافسة بين الطيارين.


النشاط الاجتماعيربطتنا بمعظم الطيارين السوريين علاقات صداقة، وصلت مع بعض الطيارين إلى علاقات أسريه (هذا لا يمنع أن هناك بعض الطيارين كانوا بعيدين عنا ولكن كانت تمثل قله مهملة) تجولنا في مدينة دمشق وتعرفنا عليها ولاحظنا من آثارها أنها تنطق بالوجود العربي الواضح، قمنا بزيارات سياحية لمصيف الزبداني وبلودان ، ايضا زرنا أقدم دير في العالم وهو دير صيدنايا.
سأكتفي بهذه المقدمة التي تروي ما قبل أحداث حرب الثأر العظيم حرب أكتوبر المجيد ولا يفوتني أن أذكر اعتراف القيادة السورية بأعمالنا العظيمة فيما منحته لنا من أوسمة ونياشين في حفل عام مذاع
حضره الرئيس/حافظ الأسد.


علامات في أفق المعركةكانت هناك شواهد يستدل منها أن الحرب على الأبواب ، بدأت تحركات غير عادية بحجم كبير لإعادة التمركز وتكديس المعدات والذخيرة تختلف عن تلك للتدريب، وصدرت تعليمات بإخلاء بعض الدشم في أخر الممر وتسليمها إلى سرب آخر قادم من مطار خلخله وأصبحت مضطراً لوضع طائرتين في دشمة واحده وهذا أمر خطير، وأصبحنا مضطرين لإداره الطائرات خارج الدشم وكذلك أعمال الصيانة.


زيارة مهمة لقيادة القوات الجوية السوريةرافقت قائد اللواء/صبحي حداد في لقائه لرئيس الأركان الجوية العميد /عزام لشرح مواصفات قنبلة الممرات المصرية ………وهى قنبلة مصريه 100% صنعت بمصانع السلاح المصرية كما أنه تم تعديل الطائرات الميج 17، 21 والسوخوي 7 بإضافة حمالات جديدة لحمل الصورايخ والقنابل، هذا وقد كلفت بإرسال أحد المختصر بالتسليح إلى قاعدة التدمير الجوية لعمل بيان عملي لمواصفات القنبلة، كان هذا في الأول من أكتوبر1973 .


ودار حديث بين رئيس الأركان وقائد اللواء مما دفعني إلى السؤال هل الحرب على الأبواب ؟، فلم يجبني وانصرفنا وطلب مني قائد اللواء بألا أحدث أحداً مما دار في هذا اللقاء.شواهد الحشود
في الثاني من أكتوبر 1973 صدرت تعليمات عمليات جديدة باسم كودي جديد بخطة جديدة ، وبدأنا دراسة الخطة الجديدة، كانت التحركات فوق طريق المزه – القنيطرة تزداد حجما يوماً بعد يوم وكانت الدبابات والمدفعيات ومنصات إطلاق الصورايخ فوق حمالاتها تتدفق تباعاً نحو الجبهة، وكان واضحاً أن هناك محاولات ساذجة لإظهار تلك التحركات و التي لم تمنع الفرد العادي من أن يعرف أن هذه معدات عسكريه في طريقها إلى الجبهات (فأين كانت إسرائيل).


وفي ذلك اليوم هبطت طائرة نقل عسكرية من طراز C130 يقودها صديقي المقدم طيار حسني عبد الرحمن ، يعاونه اثنان من الطياريين السعوديين وكان في مهمة نقل صواريخ م/د من سوريا إلى مصر، وكانت فرصة جيدة لكي أرسل الهدايا التي كنت أشتريتها لإهدائها إلى أسرتي عندما أسافر اليهم في الأجازة التي كان موعدها السبت 6 أكتوبر وكان هذا ليقيني أن الحرب ستكون يوم السبت ولن أحصل على أجازتي، في هذا اليوم كنت قد انتهيت من عمل خطة تدريب تستغرق يومي 3، 4 من أكتوبر وكانت هذه هي طلعات التدريب الأخيرة، وكانت تتضمن ما سوف نلاقيه في مسرح العمليات الحقيقي، مع مراعاة حدود الأمان أثناء التدريب، وتم استيعاب خطة العمليات الجديدة فوق الخريطة المجسمة وخلال اليوم الثالث أيضاً هبطت طائرة سعودية أخرى من طراز C130في مطار مزة يقودها أحد الأصدقاء عقيد طيار / حمزة كامل وعلى متنها الفريق اول / أحمد اسماعيل وزير الحربية في مهمة عسكرية.
ودار حديث بيني وبين حمزة كامل عما يدور في مصر وهل هناك شواهد تدل على احتمال اشتعال نيران الحرب فأجاب بالإيجاب وسألني عما عندنا في سوريا فقلت له نكاد نجزم بأنها يوم السبت وتدور الأيام ونتقابل بعد الحرب ونتذكر ما دار بيننا وقال لي إن ما قاله لم يكن هو الحقيقة.
وفى اليوم الرابع أمرت بتجهيز 8 طائرات وكلفت 8 طيارين بالجاهزيه للاشتراك في القتال على هذه الطائرات يوم السبت وأعددتهم في فريقين الأول كان فكرى + سيف + بكر + يحيى والثانى كان بدوى + نايف + يوسف + مصطفى. وقمت بتنفيذ طلعة جوية تماثل ما أتوقعه بالعمليات من ضرب أهداف أرضية واخترت موقع التدريب مابين بلدة بعلبك اللبنانية والتبك السورية وهى منطقة جبلية تشابه الجولان، وكانت هذه الطلعة ينطبق عليها المثل(مفيش يا أمه أرحمينى) حتى أنها كانت تتميز بشيء من الخطورة، وانتهى التدريب بسلام وكانت الروح المعنوية للطيارين في السماء وسمعتهم يتحدثون مع الطيارين السوريين على هذا التدريب ويصفونه أنه طلعات انتحارة.

رجالي كلهم كانوا في رتبة ملازم وفى بداية خدمتهم لم تصقلهم بعد الأعمال أو الزمن، أصبح يقيناً لدينا نحن قادة الأسراب (السرب الخامس عشر بقيادتي ، والسرب الخامس بقيادة محمد السوري والسرب الثامن عشر بقيادة سمير زنيل العراقي ) أن الحرب لا محالة يوم السبت، وإلا سوف تتكرر نكبة الخامس من يونيو 1967. فقد أصبحت رائحتنا تزكم الأنوف والعدو ليس بعيداً ولا شك أنه يراقبنا من مرصد جبل الشيخ وفي اليوم الرابع من أكتوبر هبطت طائرة مصرية أنتينوف على أرض المطار وعلى متنها مجموعة من الضباط الفنيين المختصين بقنبلة الممرات المصرية، وتوجهوا مباشرة إلى قيادة القوات الجوية السورية.
اقتراب ساعة الصفر
في الساعة الرابعة صباحا في اليوم الخامس من أكتوبر 1973، أعلن عن رفع حالات الاستعداد للحالة القصوى (قاهر40). استيقظ السرب مع أول ضوء الفجر، وتوليت مسئولية حالات الاستعداد رقم 1، صدر استدعاء لقادة الأسراب إلى مكتب قائد اللواء وتسلمنا أمر القتال والتنفيذ يوم السبت السادس من أكتوبر ولم يعلم عن ساعة (س)، وبدأ تجهيز الطائرات، وبدأنا مراجعة خطط الملاحة أنا والطيارون في تشكيل الرفيين السابق ذكرهم، ورأيت على وجه الطيارين الأمل مرسوماً في تحقيق النصر. لا أنكر أن القتال له رهبة، وأنه ليس نزهة، لم يكن العدو هو الذي نستصعبه قبل يونيو67 بل هو الذي يزهو بانتصاراته وقوته، هذا الذي كنا نعمل له حساب وفعلا عملنا له الحساب واستوعبنا الدرس القاسي.
صدرت تعليمات بتوجه الأسراب كلها إلى قاعة المحاضرات وقام رئيس أركان اللواء العقيد /طاب صباغ بشرح العمليات الجديدة …غدا ستبدأ معركة نكون أو لا نكون. الحمد لله الذي مد في أعمارنا لنشترك في إزالة وصمة العار التي لصقت بأمتنا ظلما
.
ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن فقد أصبت بنزلة برد شديدة وتجاوزت حرارتي 38 درجه وبذلك أصبحت غير لائق للطيران وأمنع من الطيران ، وطلبت من طبيب السرب وهو مصري أن يفعل المستحيل لأني سوف أطير على كل حال، في مساء هذا اليوم وهو الجمعة اجتمعت مع طياري السرب ولم ألاحظ على أحدهم أي تردد كان الثأر هدفنا، الثأر من عدو حقق نصراً رخيصاً في يونيو 67 .
فهذا النصر حققه العدو ضد جيشنا الذي لم تتح له الفرصة كي يحارب، جيش منعته قيادته من الحرب… زج به في سيناء ولم بعلم لأي هدف زج به، ثم طلب منه أن ينسحب بعد أن دمرت قواتنا الجوية وحدثت الكارثة التي ألبستنا ثوب العار أمام العالم وأمام أهلنا ولم يرحمنا أحد ولم تجد القيادة في نفسها الشجاعة أن تعلن الحقيقة وسوء تقديرهم للموقف وحقيقة تسرعهم في أمر الانسحاب

..
لم يكن لنا أبداً أن نرفع رأسنا عاليا ونفخر بذاتنا في وطننا إلا بالحرب ونحن المقاتلون الذين سوف نصنع هذا النصر ولم نكن نتمنى للجهود الدبلوماسية أن تنجح في إيجاد حل سلمي لهذه المشكلة والحمد لله فقد استجاب الله لرجائنا ثم انتهت جلستنا بترديد الهتاف ((نموت وتحيا مصر
)).
رددنها في هذا المكان المغلق لا نبتغي من ورائها إلا معناها فنحن مقبلون على معركة لا مزايدة فيها ولا تقرب إلى سلطة أعلى، ثم نهضنا وصلينا العشاء جماعه وأنفض الجمع وانصرفنا إلى النوم.
يومالواقعة


في يوم 6 أكتوبر 1973 استيقظ السرب بأجمعه مع أول ضوء للفجر وكانت روحنا المعنويةعالية.
عند أذان الظهر استدعيت إلى قيادة اللواء واستقبلنا قائداللواء وذكر أن اليوم هو يوم معركة الشرف والكرامة ثم واصل تلقينه محدداً أهداف كلسرب والبدائل إذا حدث فى الأمر جديد، وفى النهاية أعلن ساعة (س) وهي ساعة الصفر وهىساعة 1445 وكان هدف السرب المصري ردار النبى يوشع فى الأراضي الاسرائيلية بعد بلدةصفد في الجليل الأعلى، كانت درجة حرارتى تزيد عن 37.5درجة،
وكان العرق بادياً بوضوح فوق جبيني حتى أن رئيس أركان اللواءصور له عقله أنني أمر بموقف عصيب فوجه لي سؤال غريب يسألني هل أنا خائف فشرحت لهحالتي المرضية بلهجة لا تتصف بالود وهنا طلب منى عدم الطيران، وكان ردىأنا لست الذي أتقاعس في هذا اليوم، هذا أولاً ثم ثانياً: لنيفسر هذا الامتناع بالواقع الذي أمر به، وأنا بأي حال لن أسمح أن يظن أحداً أنيمتردد، وثالثا:سوف تهتز الروح المعنوية للطيارين ثم رابعاً:أكثر من 6 سنوات وأناأنتظر هذه اللحظة ياسيادة العقيد، وانصرفت من قيادة اللواء إلى الرف وأعطيتالتعليمات الأخيرة للطيارين وأعلنت لهم ساعة (س
).
وكان الرف الأول بقيادتى والرف الثاني بقيادة بدوى ويتمالإقلاع من المطار على الإرتفاع المنخفض جداً على بلدة زحلة بلبنان ثم تتجه جنوباًإلى سهل البقاع إلى بلدة مرحبيونه ثم بلدة رشيه فخار في جنوب لبنان ثم إلى بلدة صفدفي الجليل الأعلى إلى الهدف مباشرة في قيادة المنطقة الشمالية بإسرائيل واتجهنا إلىالمطعم لتناول غداءنا وكانت الساعة الواحدة ظهراً، وكانت عيني على الطيارين ألاحظردود الفعل وكان كما توقعت كل الجدية، فالموقف غير عادى والإقبال على القتال ليسنزهة وله رهبة فنحن ذاهبون إلى القتال سيعود البعض ولن يعود البعض الآخر وهى المرةالأولى التي نقتحم فيها أرض العدو فكان هو الذي يأتي دائماً وكنا نقاومه وهذه المرةنحن الذين نهاجمه أو بمعنى أدق أول مرة نتبادل الأدوار….وهنا مسئولية قائد السربفي هذه اللحظة العظيمة لأن روح قائد السرب تنعكس على باقي الطيارين، ثم غادرناالمطعم إلى السرب ومن هناك تحركنا إلى مهمتنا المقدسة وكان الوداع مؤثراً وقد تجمعالضباط والعاملون في السرب لوداع الطيارين الوداع الأخير وأمرت أن نتجمع في عربةواحدة
.
الساعة الثالثة إلا الربع يوم السادس منأكتوبر

اتجهنا إلى الدشمونظرت إلى وجوه الطيارين وقد ران الصمت علينا وبدون إعداد مسبق أو تلقين من قيادةأعلى صرخت بأعلى صوتي ((وراية يا أولاد ((الله اكبر الله اكبر))لبيك اللهم لبيك لاشريك لك لبيك )) وظلنا نردد النداء المقدس ويردده من خارج العربة مواقع المدفعية مط واقتربنا من الدشم وازدادت حماستنا اشتعالاً واستقبلنا رجال الصيانة والنداءالمقدس ينطلق من حناجرهم وعم التكبير في القاعدة بأكملها وكأننا في يومعرفة.
نزل الطيارون من العربة يتصارعون للوثوب داخل طائراتهم وسطهذه المظاهرة الدينية العظيمة، الذي فتح الله بها علينا وقفزنا داخل الطائراتوأصدرت الأمر بالإدارة بين التهليل والتكبير الذي انتشر في المطار حتى تخيلت أنميادين دمشق نفسها تسمعه وتحركنا إلى الممر وكان لنا الشرف بأننا أول تشكيل أقلع منالمطار مشتركاً في حرب أكتوبر المجيدة ووصلنا إلى الهدف

وصدرت لنا الأوامر من غرف العمليات بقذف تجمعات العدو عند بحيرة مسعده وقذفناها واشتعلت بها نيران عظيمه، وعادت التشكيلات مستقرة إلى القاعدة الجوية ،
مرددين تمام الله أكبر وكان يوم عيد فبعد نزولنا فوق أرض المطار متجهين إلى الدشم كان النداء المقدس يهز جنبات المطار وكان رجال المدفعية م ط يلوحون لنا بأيديهم فقد فرحنا فرحة لم نفرح مثلها من قبل (هل تعرف حجم الفرحة التي لم يفرحها الإنسان من قبل؟) لقد عرفها فقط هؤلاء الطيارون الذين شاركوا في هذا العمل.
إنها فرحة النصر الذي لم نذقه من قبل، إنها فرحه الحلم الذي تحقق، وحضر قائد اللواء/العميد صبحي إلى الدوشمة وعانقني وهنا سألته متى نقوم بالضربة الثانية فإن العدو ينزف ولابد من الإجهاز عليه، وقال نحن ننتظر الأوامر فلا تقلق وانتهى اليوم العظيم والحمد لله رب العالمين وكتبت تقرير النجاح وبعد التعليق على مهمة اليوم العظيم وأمرت الطيارين إلى الذهاب للراحة والاستعداد لباكر فان باكر سوف يكون يوماً مشهوداً وتوقعنا رداً عنيفاً من العدو، واجتمعنا نحن قادة الأسراب مع قيادة اللواء لدراسة عمل اليوم العظيم والتحضير ليوم غد واتجهنا إلى المطعم لتناول الطعام وكان كله من طراز المنسف وهى أغلى الأطعمة ثم اتجهنا إلى المنامة وقمت بتدوين يومياتي ثم أديت صلاة العشاء وقرأت سورة يس واستغرقت في النوم راض تماماً عن نفسي وعن سربي وهيأت نفسي إلى غد غليظ مشتعل
ضربة العدو الجوية


فى اليوم السابع من أكتوبر توجهنا بكامل قوتنا إلى السرب قبل أول ضوء للفجر، وقمت ببعض الإجراءات الوثائقية واتجه الطيارون إلى الدشم لتولى حالات الاستعداد، وبدأ تجهيز الطيارات بالقنابل والصواريخ لأعمال المعونة الجوية وانطلق أول رف من سربنا بقيادة الرائد بدوي لتقديم أول طلعة معونة جوية في حرب أكتوبر،
وفى ذلك التوقيت كانت طيارات العدو الميراج تندفع بكثافة في سماء المطار ومدينة دمشق، وكانت صواريخ الدفاع الجوى قد أعدت استقبالا حافلاً للعدو الجوى، بالإضافة إلى اشتراك مقاتلات ميج 21 في هذا الاستقبال الحافل، وبدأت الطيارات الميراج تتساقط بكثافة وكنا نرى ذلك رؤية العين وتلقى الرائد/ بدوى أمرا بالعودة إلى القاعدة وكان القدر ينتظر هذا التشكيل ويدخل له مأساة محزنة
.
كان جحيماً فوق المطار، صواريخ الدفاع الجوى تنطلق بكثافة لاستقبال طيارات العدو، التي كانت تحاول الإفلات بشكل مذعور، في الوقت الذي كانت تطارد به من الميج 21، وكانت الانتحارات الجوية تتوالى فوق المطار، وأخذ أوضاعه استعداداً للهبوط، وهنا بدات الكارثة انطلق صاروخ جوى وأسقط طائرة الملازم/ شريف واستطاع أن يقفز من طائرته في آخر لحظة، ثم انطلق صاروخ ثاني أفلتت منه الطائرات الثلاث بصعوبة وانطلق صاروخ ثالث أصاب قائد التشكيل النقيب بدوى وهو على وشك الهبوط فانفجرت طائرته في الحال وهو بداخلها وهبط الطياران الباقيان كنا نشاهد هذه المأساة في دائرة المطار وكنا في ذهول،كانت مصيبة كبيرة للسرب، فقد السرب نصف قيادته فلم يكن لدينا من قادة التشكيلات سوى أنا والرائد بدوى والثالث في مصر وكان هو العميد/المغربي الذي كان في أجازه ولم يعد وهكذا منذ البداية تلقى السرب ضربه قاسيه أصابته في مقتل، بالإضافة إلى الطيار الجريح الذي سقط (شريف) وأصبح السرب ثمانية طيارين فقط.
منذ البداية لم نكلف هذا اليوم بواجبات أخرى وخسر العدو كثيرا من طائراته وبعد الحادثة التي ذكرتها، أصبح كل الطيارين يخشون وسائل الدفاع الجوى فهي كالصديق الجاهل الذي لم تجني من وراءه سوى المتاعب، بل وأزيد على ذلك ضربنا بعرض الحائط كل الخطط التي تحدد الارتفاعات التي نلتزم بها في المناطق التي تنشط بها وسائل الدفاع الجوى الصديق، وألزمنا أنفسنا بالطيران المنخفض جداً سواء فوق أراضينا أو أراضي العدو، بعد انتهاء اليوم قابلت قائد اللواء واحتججت بغضب كبير على هذا الخطأ البشع وحاول قائد اللواء مواساتي على أن الأخطاء في الحروب أمر وارد ووعدني بأنه لن يتكرر، وبالفعل لم يتكرر واعتبرنا أن وسائل الدفاع الجوى عدو علينا تجنبه

.
وفى اليوم الثالث قتال : لم نكلف بأي طلعات عمليات، وقابلت قائد اللواء معبراً عن احتجاجي بغضب شديد لعدم تكليفنا بأي عمليات وسألته هل أخطانا في احتجاجنا أمس على الحادث الأليم، وسألته هل لسنا على مستوى الشجاعة اللازمة، كان هدفي أن يعلم الجميع أننا نحتج على الأخطاء القاتلة التي يمكن تفاديها ولكننا نرفض أن نكتفي بمقعد المتفرجين.
ونفى قائد اللواء بشدة أن يكون قد تبادر إلى ذهنه شيء مما ذكرت ولكنه فضل أن يريح سربنا هذا اليوم نظراً لما حدث أمس، تميز هذا اليوم بكثرة الخسائر في الأسراب السورية فقد فقدوا قائدي رفوف وجرح أخر بواسطة دفاعنا الجوى أيضا ،
ًوفي اليوم الرابع قتال قمنا بتنفيذ 2 طلعه عمليات في تقديم المعونة للقوات البرية وتصدينا لـ 12 دبابة للعدو، دمرنا منها 4 دبابات ثم اكتشفنا موقع صواريخ روك معادي قمنا بتدميره بدون أي أوامر وهذا راجع لتقديري أنا للموقف، لتأكدي من جنسية هذا الصيد الثمين الذي كنا قد تعرفنا عليه خلال حرب الاستنزاف، وانتهى هذا اليوم العظيم النتائج وقبل كل يوم أتجه للسرب الخامس للاجتماع مع قادة الأسراب وهيئة قيادة اللواء للمناقشة والتحليل وتلقي نتائج الاستطلاع، وانصرفنا لتناول طعام العشاء ثم الاتجاه إلى ميس النوم راضين تماماً عن أنفسنا، ها نحن نتعامل مع العدو ونصليه ناراً حامية. إنها الحقيقة وجذبت الانتصارات خيالا بعيدا … ( …. تحرير أراضينا … تأديب إسرائيل … حل القضية الفلسطينية
).
اليوم الخامس قتال: قمت بقيادة تشكيل أربع طيارات وتعاملت مع ثماني دبابات في موقع أظنه كان مركز قيادة وسيطرة حيث كان مدافعاً عنه بمدفعيه م ط بكثافة، أصابت طائرتنا أصابات غير خطيرة وتلقينا أمر بتنفيذ الطلعة دفاع جوى فوق المطار للتصدي لمحاولة العدو الجوي مهاجمة المطار وانتهت الطلعة بدون أي قتال وكانت بقيادتي، وتلقينا أمراً ثالثاً بتجهيز رف لحماية طيارات هليكوبتر أثناء تنفيذها طلعة فوق مرصد جبل الشيخ، و تحركت الطائرات إلى أول الممر ، ولكن صدرت الأوامر للعودة إلى الدوشم وإلغاء الطلعة، ثم صدرت أوامر بطلعة رابعة بأقلاع رف فوراً لتقديم الدعم الجوي للقوات البرية على محور خسفين – فيق وأقلعت الطيارات بقيادتي وتم تدمير ما لم يقل عن ثلاث دبابات وعدنا إلى القاعدة سالمين وقد أنتهى هذا اليوم الذي تميز بكثافة طلعاته ولاحظنا أننا لأول مرة لا نتلقى معلومات تحدد خط الجبهة، ولاحظنا أن نشاط العدو البري يتزايد وبدأت مقاتلاته تنشط وتحتل مناطق مظلات وبدأ مركز القيادة والسيطرة للرئيس السوري يصدر تحذيراته للمقاتلات القاذفة من العدو الجوي، كما لاحظنا النشاط المكثف من دفاعات العدو الأرضية… حتى الآن كل الطلعات بقيادتي.
انتقال مركز الثقل
اليوم السادس قتال – الحادي عشر من أكتوبر 73 الساعه 700 بعد إقلاع رف من السرب السوري حوالي ثلاثين دقيقة، تعرض المطار لأول غاره جوية بقوة ثلاث طائرات فانتوم وألقيت الطائرات حمولتها تسعى للنيل من مواقعنا وأخطأتنا وأصابت موقع مدفع م ط بالقرب منا محدثه دوياً هائلاً وتساقطت فوقنا كميات كبيره من الرمال والحصى

.
وصدرت الأوامر بنقل مركز قيادة السرب من الدوشم التي أصبحت معرضة مكانها القديم خلف مباني السرب، واستمرت الغارات طوال اليوم على المطار وكان عددها 3 بهدف شل المطار أو تدميره، وكان المطار مدافعاً بكثافة غير عادية من المدفعية م ط عاقت الطائرات المهاجمة من الاقتراب بالحد الذي يوفر لها أصابة المطار بدقة وسقطت معظم حمولاتها خارج القاعدة وبالرغم من ذلك فقد استطاع العدو تدمير 3 دوشم تخفي السرب السوري وقد لاحظنا استخدام العدو قنابل جديدة يخرج منها عدد كبير من البلي يصيب كل شي أجسام الطائرات والمحركات والإنسان
.
في الساعة 1500 أنطلق رف بقيادتي لعمل مظلة دفاع جوي فوق المطار للحماية، ساعة 1700 اشتبكت مدفعيتنا م ط مع طائرات ميراج للعدو فوق المطار وكادت تحدث كارثة أخرى أثناء هبوط تشكيل سوري على المطار، انتهى هذا اليوم وقد تعرض المطار لإصابات عديدة وتدمير بعض الدوشم بطائراتها، وأصبح واضحاً أن مركز الثقل بدأ ينتقل لصالح العدو، وأصبح قيامنا بدعم قواتنا البرية يتراجع. كنا في المقدمة، وأصبحنا نتجه إلى حدودنا القديمة في اليوم السادس أكتوبر وبدأنا نتساءل ماذا يحدث في الجبهة، وتوقف تدفق ما تحتاجه من معلومات وأصبح مؤكداً أن قواتنا تتعرض لمتاعب في الجبهة وكان اللقاء اليومي، كان لقاء عاصفاً فلم تعد قيادة اللواء تمدنا بمعلومات وأصبح واضحاً فقد السيطرة الحيوية على الجبهة وأصبح تقديم المعونة بدون توفر غطاء جوى وأصبح العدو الجوى يعترض كل طلعاتنا، وأصبح خط الجبهة غير واضحاً، وأصبح خطأ تعرضنا لقواتنا وارداً، حتى أن قائد اللواء اتهمنا في ذلك اليوم بأننا أصبنا تشكيلاً برياً لنا بطريقة الخطأ، ولكنه أعتذر بعد ذلك، وفى اللقاء اليومي في المساء اعتذرت قيادة اللواء لنا
.
قواتنا تتعرض لهجمات مضادة مكثفة من العدو البرى كما أن العدو الجوى أصبح أكثر نشاطاً، وتغير أسلوب القتال وأصبح الطيارون مرتبطين في الطائرة بطريقة دائمة.
اليوم السابع للقتال: كلفت بقيادة رف لتقديم المعونة عند مزرعة بيت جن وهى منطقة كانت في حدودنا القديمة قبل السادس من أكتوبر وكان التشكيل فكري + سيف + بكر + يحيى وأقلعنا وبعد الإقلاع مباشرة تلقيت تعليمات بالاتجاه إلى منطقة المظلة رقم 17 وهى فوق دير صيدنايه وكان يناديني برقم الكودي وهو (مغامراً) وأبلغت مركز العمليات (مارد) بتوجهنا إلى منطقة مظلة 17 وهناك اكتشفت طائرتين فانتوم كانتا قادمتين متوجهتين إلى دمشق، وأصدرت التعليمات بتشكيل بإسقاط القنابل مؤمنه وأبلغت ((مارد)) بما رأيته وطلبت منه إرسال ميج 21 بالتعامل مع الفانتوم فإن الميج 17 وهى طائراتنا ليست مجهزه أو ملائمة للاشتباك مع الفانتوم ولكن لم يلبى مركز العمليات ندائي وأصبح يجيب (مو سمعان – مو فهمان ) وبدا واضحاً أنني سأقوم بمهمة اعتراض هذه الطائرات مستخدماً مدافع الطائرة بحجم ذخيرتها المحدودة جداً وفى هذه اللحظة التي بدأت أقترب منها من التشكيل الفانتوم ظهرت لي طائرتان أخريتان خلفهما، فأبلغت رقم 3 وهو بكر بالاتصال معه رقم 3 يحيى للتعامل مع هذا التشكيل الجديد.
أخذت أرجو من الله تعالى أن يمنحنا التثبيت في هذا إذ زاد اقترابي ، أصبحت على بعد 1000 متر وكنت في مكان مناسب لإطلاق النيران، كنت في عجلة من أمري خشية أن تفلت هذه الطائرات. اقتربت أكثر وتملكني شعور بضرورة إسقاط هذه الطائرة وتوقعت أننا لن نخرج أحياء من هذه المعركة، فعلى الأقل أن يذهب أحدهم معنا مع إدراكي أنهم سوف يكونون في الجحيم، اقتربت لمسافة 300 م وفتحت كل نيراني الثلاثة فأصبت الطائرة وكانت تتعقبني طائرة أخرى لاحظتها في البيروسكوب وقمت بمناورة حادة أصبحت وراءها وأطلقت كل نيراني لتحقيق أصابة من غير شك وخرجت من الهجوم وأختفت الطائرة ، وأصبحت في وضع طائرة أمام أو طائرة خلفي والمدافع لا تنطق فقد نفذت الذخيرة كدت أصاب بالجنون وأختفت الطائرات المعادية وهبط التشكيل السريع في المطار.

أنت قد سبقت إلى المطار: لقد أفشلنا العدو
تم تكليفي بعد ذلك بإقلاع رف بتقديم المعونة الجوية في منطقة ت جن وتم تدمير أربع دبابات وعادت الطائرة سليمة إلا من إصابات بسيطة نتيجة التعرض لنار م.ط. تلقيت أمرا بطلعة أخرى إلى بيت جن وأصبنا فيها أربع دبابات على عجل وصدرت تعليمات بإلغاء الطلعة فقمت بالعودة إلى الدشم وفى اليوم التالي اشتركنا مع الميراج واستشهد فيها الطيار الملازم بكر وأصبح عدد الطيارات اللائقة سبعة فقط.
نُزعت الأفلام من الطائرات وحضر الملازم أول حسام من الدشم مهنئا (يافندم سيادتك وقعت طائرتين) عند ذلك حضر قائد اللواء العميد صبحي حداد بنفسه إلى الدوشم فهنأني على هذه النتيجة الباهرة التي أوجدت بعدد جديد في التكتيك الجوى وادخل مفهوما جديدا للمعارك الجوية حتى لم تعد الفانتوم هي الطائرة التي تتمتع بمهامها التي كانت تتغنى بها دائما. وانتهت تطويرات الفانتوم بعد ذلك
.
وأصبحت جميع الطلعات معرضة للاشتباك الجوى وازدادت الإصابات في ميدان القتال وتأثرت روحنا المعنوية بعد أن أًصبح وأضحا أن قواتنا تتقهقر إلى شمال دمشق واستمر الحال من سئ إلى أسوا إلى أن أصبت في إحدى الطلعات وهبطت بالمظلة فوق أرض المعركة مصابا واستطاعت القوات السورية إخلائى وتوصيلي إلى مستشفى المواساة وفى نفس الوقت في أداء أهم العمليات إلى أن توقف القتال.