اللواء نبيل أبوالنجا يروى وقائع عملية «الكمين» فى مضيق سدر



كانت الكتيبة 143 صاعقة إحدى كتائب المجموعة 145 صاعقة قبل حرب أكتوبر – وكانت مهمة الكتيبة هى\ عمل كمائن للعدو فى الأراضى الجبلية. ولكن أحدا من أفراد الكتيبة لم يكن يعلم بالضبط مكان التنفيذ أو حقيقة ووقت العملية نظرا لدواعى الأمن الحربى والسرية.

وكانت درجة الاستعداد القتالى للكتيبة عالية جدا واختتمت الكتيبة تدريبها بإجراء بيان عملى بالذخيرة الحية أمام العقيد الركن (السيد الشرقاوى) قائد المجموعة الذى أبدى رضاه عن التنفيذ العملى وطلب تغطية بعض الملاحظات. وتمنى للجميع النصر أو الشهادة.

اللواء متقاعد نبيل أبوالنجا، أحد ضباط الصاعقة، يروى لـ«اليوم السابع» وقائع ما حدث له وللقوة التى كانت معه فى تلك الأيام العصيبة من تاريخ مصر والتى انتهت بنصر ساحق للقوات المسلحة المصرية على الجيش الإسرائيلى فى السادس من أكتوبر من عام 1973 أو فى يوم «كيبور» يوم الغفران كما يعرفه الإسرائيليون.

التحضير للعملية
فيقول اللواء أبوالنجا: قبيل العاشر من رمضان (السادس من أكتوبر) بعدة ليال كان مخططا أن تدفع الكتيبه 143 صاعقة بعرباتها برا وتحت جنح الظلام من منطقه تمركزها فى الجبل الأحمر بالقاهرة إلى جهة غير معلومة للقوة. وكانت هذه المنطقة تقع خلف جبل عتاقة (بئر عديب) المشرف على مدينة السويس. ثم يتم تجميع الكتيبة هناك ليلا يوم الخامس من أكتوبر مع التمويه الجيد والانتشار وعدم التحرك نهارا أو ظهرا حتى لا تبدو أى شواهد يمكن أن يلاحظها العدو.


دعمت الكتيبة بعناصر من المدفعية الخفيفة الحديثة التى أدخلت لأول مرة، ولم يعلم العدو عنها شيئا وكذلك بعناصر من المهندسين والكيميا والإشارة وطاقم طبى من الجراحين. وصلت الكتيبة للمنطقة المحددة فى بئر عديب ونفذت الانتشار والإخفاء والتمويه الجيد ولم يعلم أحد حتى الآن ما هى العملية وهل هناك عمليات أخرى أم لا. أم هو مجرد تدريب كعشرات المرات السابقة حتى كاد الرجال يجزمون بأن العملية لن تتم، وفى صباح السادس من أكتوبر شعر الجميع بأن هناك سيارات تتحرك من القناة فى اتجاه القاهرة وتحمل الجنود فى فسحة، وجنود آخرون ينشرون ملابسهم فى الشمس ويلعبون الكرة وقد عرف بعد ذلك أن هذا كان جزءا من خطة الخداع الاستراتيجى أحسن تنفيذها ونجحت فى تضليل الموساد والمخابرات المركزية الأمريكية.

وفى تمام الثانية وخمس دقائق بعد الظهر شعر الجميع بأن بركانا من الحمم يصب على الضفة الشرقية للقناة والطائرات المصرية تدك المواقع الإسرائيلية شرق القناة وفى العمق، فى هذه الأثناء ترك الرجال مغاراتهم وصعدوا التلال القريبة ليمتعوا النظر بهذا المشهد الذى طال انتظاره وبذلت مصر الغالى والنفيس من أجله، على الفور أخذ قائد الكتيبة مهمته وكانت على النحو التالى:
فى تمام الساعة 1610 الرابعة وعشر دقائق عصرا ستهبط 18 طائرة هليكوبتر لتحمل الكتيبة لإبرارها من 50-70 كيلو متر تحت ستر مظلة جوية من طائراتنا أثناء الضربة الجوية الثانية المخطط لها نفس التوقيت، وتقوم الكتيبة بمجرد وصولها للمنطقة الجبلية للمضيق بتنظيم الكمائن المتعددة من مدخل المضيق عند الطرف المواجه لرأس سدر »بئر أبوجراد« حتى مخرج المضيق عند الطرف المواجه لمنطقة صدر الحيطان وبئر تمادا بمهمة تدمير اللواء المدرع المعادى ومنعه من التقدم بأى ثمن، لأنه كان مخططا دفع العدو لهذا اللواء المدرع عبر مضيق سدر بغية توجيه ضربة إجهاض للجانب الأيمن للجيش الثالث الميدانى وتدمير عناصر المشاة المصرية التى عبرت القناة قبل عبور قواتنا المدرعة وأسلحتنا الثقيلة للشرق بعد استكمال الكبارى التى كان قد خطط لها من 3 – 4 أيام. ويكفى أن نعلم أنه ما اذا فشل فريق الصاعقة فى المهمة سيقوم العدو بدفع اللواء المدرع على الجانب الأيمن للجيش الثالث الميدانى ويدمر عناصر المشاة المصرية التى تعمل بدون أسلحتها الثقيلة وبالطبع سيصبح الأمر كارثة بكل المقاييس العسكرية، فاللواء المدرع الإسرائيلى لا يجب أن يعبر أبدا مهما كان الثمن ولن يعبر إلا على جثث رجال الصاعقة عقب تنفيذ المهمة وتدمير عناصر اللواء المدرع المعادى حتى يتحقق الاتصال بها عن طريق عناصر من اللواء الأول مشاة ميكانيكى المصرى الذى يعمل على الجانب الأيمن للجيش الثالث الميدانى وسيتقدم بمحاذاة ساحل البحر الأحمر طبقا لما هو مخطط حتى رأس محمد وشرم الشيخ على الطرف الجنوبى لسيناء.


ويتذكر اللواء أبو النجا لحظات العبور قائلاً: أثناء تتبع أخبار العبور العظيم من الراديو هبطت طائرة هليكوبتر مخصصة لحمل قوات الصاعقة فى المكان والتوقيت المحددين وتعالت الهتافات وبلغت الروح المعنوية عنان السماء، صدرت أوامر القيادة العامة للقوات المسلحة بإلغاء الضربة الجوية الثانية ظهرا نظرا للنجاح الكامل للضربة الأولى وللمحافظة على طائراتنا لتدعيم أعمال القتال فى الأيام المقبلة، وأقلعت الطائرات الهليكوبتر دون مظلة الحماية الجوية المخططة مسبقا بفاصل زمنى قصير بين كل طائرة والأخرى، مجموعتان الأولى تضم 12 طائرة تهبط شرق المضيق والثانية 6 طائرات تهبط غرب المضيق، ولكن عقب الإقلاع واتخاذ التشكيل المحدد والتوغل فوق خليج السويس فى اتجاه سيناء الحبيبة فوجئت الكتيبة بطائرات العدو وصواريخه تنهال على الطائرات المصرية فحدثت حالة من الفوضى والارتباك وتبعثرت القوات والطائرات ومنيت القوة بخسائر شديدة، ولكن إصرار الطيارين الأبطال وسط هذا الجحيم دفعهم إلى الاستمرار فى مواصلة الطيران فى خط السير نحو الهدف فى سيناء مهما كان الثمن واجتازت الطائرات التى لم تصب الساحل الشرقى لخليج السويس فوق منطقة رأس سدر فى اتجاه المضيق المحدد للعملية ولكن معظم طائرات المجموعة الأولى 12 طائرة أصيبت ودمر منها 8 طائرات واستشهد الكثير من رجال الصاعقة خيرة شباب الوطن واحترقت بعض الطائرات وسقطت فى الخليج أو على أرض سيناء الحبيبة، وانقطع الاتصال بالكتيبة واحترقت طائرة قائد الكتيبة وهبط الطيار هبوطا اضطراريا بعد أن عبر الساحل الشرقى للخليج ورفض العودة وانفجرت الطائرة بمجرد هبوطها واستشهد الرجال وأصيب القائد إصابة بالغة ووقع فى الأسر وتكرر نفس الشىء مع طائرة رئيس العمليات الذى أسر هو أيضا بعد إصابته البالغة وفقدانه الوعى، وأخذت الأمور مسارا ينبئ بكارثة وسيطر القلق على القيادة العامة حيث سيجد العدو طريق ممهدا أمامه لدفع مدرعاته عبر مضيق سدر وتدمير قوات المشاة المصرية التى عبرت للشرق فى قطاع الجيش الثالث وليس معها أسلحة ثقيلة أو دبابات ولكن هناك بصيصا من الأمل واحتمال أن تكون بعض الطائرات الهليكوبتر التى تحمل رجال الصاعقة قد نجحت فى الوصول إلى الهدف تأكد بعد ذلك هبوط المجموعة الثانية 6 طائرات غرب المضيق كما هو مخطط دون أى خسائر ومستعدة لتنفيذ مهامها لكن لا اتصال ولا معلومات مؤكدة عن ذلك، والمؤكد حتى الآن أنه لم تظهر أى عناصر مدرعة للعدو تدل على أنها عبرت مضيق سدر. كان بعض الرجال فى هذا الوقت يصارعون الموت فى خليج السويس ويسبحون فى مياه الخليج بعد أن انفجرت وأصيبت طائراتهم الهليكوبتر التى تقلهم فى الجو على بعد عدة كيلو مترات من العين السخنة على الشاطئ الغربى للخليج.

المهمة الصعبة
أما عن المهمة الصعبة للقوات المسلحة فى مضيق سدر أشار اللواء أبو النجا أن الأوامر صدرت من القيادة العامة للقوات المسلحة لقيادة وحدات الصاعقة بضرورة تحقيق الاتصال بالعناصر التى ربما نجحت فى الوصول للهدف إن وجدت وتحديد الموقف بدقة نظرا لخطورته وعدم الوضوح الذى خيم على العملية. حتى ذلك الوقت كانت الظروف مهيأة لدفع طائرات أخرى بعناصر من الصاعقة لتنفيذ المهمة بعد اكتشاف العدو لها وسيطرته على سماء المعركة أو على أضعف الإيمان سحب العناصر المتبقية التى مازالت على قيد الحياة، فوصلت معلومات للقيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، فقد أفادت إحدى مجموعات الاستطلاع التى تعمل فى مؤخرة العدو عن نجاح هبوط من 5: ك طائرة هليكوبتر من الكتيبة 143 صاعقة مباشرة فى منطقة الكمين على مضيق سدر وتوجد عناصر أخرى هبطت فى أماكن متفرقة يجرى تتبعها حيث تقترب من منطقة الكمائن المحددة على طول المضيق، ولكن العدو فرض حظرا شاملا على التحركات فى المنطقة ويقوم بتمشيطها برا وجوا ليلا ونهارا ويقوم بحرق الأعشاب والأشجار فى الوديان بالنابالم حتى يقضى على أى عناصر من الصاعقة فى المنطقة وقام بتكثيف وردياته المدرعة فى المنطقة من رأس سدر على الساحل الشرقى للخليج وحتى مضيق سدر والمناطق الجبلية المحيطة بغية عزل القوات التى نجحت فى الوصول للمضيق. أبلغت عناصر الاستطلاع التى تعمل فى مؤخرة العدو أن الإسرائيليين قاموا بتسميم آبار المياه وردمها حتى يجبر عناصر الصاعقة التى تتواجد فى المنطقة الجبلية للمضيق على التسليم والوقوع فى الأسر حيث لا يوجد لدى قوات الصاعقة مياه أو تعيينات سوى لمدة 72 ساعة، ثلاثة أيام.


استدعى العقيد الركن السيد الشرقاوى فى منطقة بئر عديب المتاخمة لجبل عتاقة المشرف على مدينة السويس النقيب أبوالنجا، وأصدر له تعليمات شفهية سريعة بضرورة تحقيق الاتصال برجال الكتيبة 143 صاعقة، الذين وصلوا بنجاح لمضيق سدر وتحديد الموقف بوضوح وإمدادهم بالمؤن والذخيرة وقذائف إضافية متطورة مضادة للدبابات وذلك عن طريق طائرتى هليكوبتر جهزتا لهذا الغرض وكل طائرة تحمل عشرة رجال وطبيبا والموعد المحدد لإقلاع الطائرتين آخر ضوء يوم الأحد السابع من أكتوبر ومرة أخرى يراود الأمل أبوالنجا فى الوصول لأرض سيناء الحبيبة بعد أن فشل فى المرة الأولى. كان القائد الشرقاوى يعلم أبعاد هذه المجازفة بعد أن حصل العدو على المعلومات الكافية عن العملية ونجاحه فى إسقاط معظم الطائرات وفرض السيطرة الجوية والبرية على منطقة العملية وبعد أكثر من محاولة للوصول باستخدام الطائرات الهليكوبتر تارة واللنشات تارة أخرى لم تنجح قيادة الكتيبة فى الاتصال بأفرادها المحاصرين فى المضيق.

جاء اقتراح العقيد الركن نبيل شكرى مصطفى قائد قوات الصاعقة بدفع دورية صاعقة بالجمال يتراوح عددها من 15 إلى 20 جملا محملة بالمؤن والذخيرة والسلاح ثم تقوم هذه القوة بعبور القناة والتوغل فى عمق العدو لمسافة 70 كيلومترا حتى مضيق سدر مكان تواجد الرجال.

وتتلخص المهمة فى قيام أبوالنجا ومعه ثلاثة من رجال سلاح الحدود «الهجانة» يرافقهم مندوب بدوى من قبائل رأس سدر من رجال المخابرات الحربية ومعهم الجمال بعبور القناة باستخدام كوبرى «الشط»، إذ نجح المهندسون فى إقامته والذى يقع فى نطاق الفرقة 19 مشاة من الجيش الثالث الميدانى إلى الضفة الشرقية وتوجهت القافلة إلى معبر الشط كما هو مخطط ولكن المفاجأة انها وجدت فى استقبالها وابلا من نيران العدو الذى قتل عدة جمال، بذل الرجال جهودا مضنية للسيطرة على ما تبقى من الجمال ولكنهم لم ينجحوا فى استخدام الكوبرى للعبور ولكن نجحت القافلة فى العبور باستخدام المركبات البرمائية فى الثالثة والنصف من فجر الأربعاء 10 أكتوبر.

وبمجرد أن عبرت الدورية بالجمال الثغرة التى فتحها المهندسون فى الساتر الترابى بخراطيم المياه سجدوا جميعا على الأرض شكرا لله، وانطلقت الدورية كما هو مخطط لها بمحاذاة الشاطئ الشرقى للقناة متجنبة النقطة القوية للعدو التى لم تسقط فى أيدى المصريين فى لسان بورتوفيق، ولكنها تعرضت طيلة تقدمها لنيران الدبابات المعادية والصواريخ والطائرات فتكبدت خسائر أخرى فى الجمال حتى وصل عددها إلى ثمانية جمال فقط.

الوصول إلى المضيق
ويروى اللواء أبو النجا ذكرياته عن الكتيبة 143 صاعقة بقيادة الشهيد رفعت وكيف منعت مدرعات العدو من التقدم تجاه الجيش الثالث قائلاً: مع أول ضوء فى يوم الخميس الحادى عشر من أكتوبر سمع رجال الدورية أثناء اختبائهم فى بطارية صواريخ مصرية مهجورة منذ عام 1967 أزيز طائرات استطلاع للعدو تقتفى أثرهم ويتدلى منها عن طريق أحزمة معينة أحد الجنود يقوم بإطلاق النار على المناطق التى يعتقد وجود أفراد فيها ويركز على خط سير الدورية الذى بدا واضحا وضوح الشمس، فقد اقترفت الدورية خطأ فادحا بمخالفة أبوالنجا أبسط قواعد العمل الفدائى خلف خطوط العدو وهو تمويه خط سير الدورية.


حامت طائرتان حول بطارية الصواريخ وانهمر منهما الرصاص كالمطر داخل الدشم عندها أدرك الجميع أن الموت قادم لا محالة، فأعطى القائد أوامره للرجال بمغادرة الموقع على وجه السرعة، ونجحت القافلة فى مغادرة البطارية بسلام وأجلسوا الجمال تحت الأشجار وتم تمويهها بالأعشاب، ثم لم تمض 15 دقيقة حتى قامت طائرات الفانتوم الإسرائيلية بدك بطارية الصواريخ التى كانت القوة مختبئة بها وأحالتها إلى كتلة من نار، بعدها شاهد أبوالنجا رتلا من دبابات العدو يحاصر البطارية وبالطبع سيقوم بتفتيش المنطقة وهنا حدثت مفاجأة من العيار الثقيل أثلجت صدور رجال الدورية المصرية عندما شاهدوا سربا مصريا مقاتلا من الطائرات يغير على موقع العدو ويدمر دباباته التى تتحرك على المحاور القريبة من موقع اختفاء الدورية.

وفى تمام الساعة السابعة من صباح الخميس 11 أكتوبر سمع الرجال أصوات قصف جوى مركز تبين أنه سرب من طائرات الميراج الإسرائيلية يدك الجبال المتاخمة للمضيق الذى أصبح على مسافة حوالى 23 كيلو مترا من موقع الدورية الحالى، فتأكد الجميع من وجود رجال الصاعقة فى الجبل عند المضيق والدليل هو تلك الغارة.

نجحت الدورية فى الوصول بالإمدادات إلى الجبل فعلا وعلمت بعد ذلك أن ست طائرات مصرية كانت قد نجحت فى الهبوط فوق المضيق مباشرة بقيادة النقيب رفعت عامر أحد قادة السرايا فى الكتيبة وقام بتجميع رجاله واحتل مواقع الكمائن وكانت عند الطرف الآخر من المضيق أى أول من يقابل العدو عند محاولة عبوره المضيق، وقد حاول العدو بالفعل دفع عناصر استطلاع مدرعة تصدى لها عامر مدمرا 3 دبابات و7 عربات مدرعة، وألحق بالعدو خسائر فادحة فانسحب على الفور فتدخلت قوات العدو الجوية وقصفت المضيق بشراسة واشتركت معه المدفعية الثقيلة والصواريخ ولكنه لم يستطع العبور.

ولكن يشاء القدر أن يستشهد البطل رفعت عامر مع رجاله بعد أن دمروا سرية دبابات المقدمة للواء المدرع وعدة مركبات مدرعة.