ماذا بكت” جولدا مائير” حزناً على مصير الجاسوسة هبة سليم؟



اسم الكاتب : د . سمير محمود قديح


باحث في الشئون الأمنية والإستراتيجية

إنها إحدى أشرس المعاركبين المخابرات الحربية المصرية والمخابرات الإسرائيلية. معركة أديرت بذكاء شديدوبسرية مطلقة، انتصرت فيها المخابرات المصرية في النهاية. وأفقدت العدو توازنه،وبرهنت على يقظة هؤلاء الأبطال الذين يحاربون في الخفاء من اجل الحفاظ على أمنالوطن وسلامته.لقد بكت جولدا مائير حزناً على مصير هبة التي وصفتها بأنهاقدمت لإسرائيل أكثر مما قدم زعماء إسرائيل’ وعندما جاء هنري كيسنجر وزير الخارجيةالأمريكي ليرجو السادات تخفيف الحكم عليها. . كانت هبة تقبع في زنزانة انفرادية لاتعلم أن نهايتها قد حانت بزيارة الوزير الامريكي.
لقد تنبه السادات فجأة الىأنها قد تصبح عقبة كبيرة في طريق السلام، فأمر بإعدامها فوراً، ليسدل الستار علىقصة الجاسوسة التي باعت مصر ليس من أجل المال أو الجنس أو العقيدة. . إنما لأجالوهم الذي سيطر على عقلها وصور لها بأن إسرائيل دولة عظمى لن يقهرها العرب. وجيشهامن المستحيل زحزحته عن شبر واحد من سيناء، وذلك لأن العرب أمة متكاسلة أدمنت الذلوالفشل، فتفرقت صفوفهم ووهنت قوتهم . .الى الأبد.
آمنت هبة بكل هذهالخرافات، ولم يستطع والدها – وكيل الوزارة بالتربية والتعليم – أن يمحو أوهامها أويصحح لها خطأ هذه المفاهيم.
ولأنها تعيش في حي المهندسين الراقي وتحملكارنيه عضوية في نادي ‘الجزيرة’ – أشهر نوادي القاهرة – فقد اندمجت في وسط شبابي لاتثقل عقله سوى أحاديث الموضة والمغامرات، وبرغم هزيمة 1967 الفادحة والمؤلمةللجميع. . إلا أن هبة انخرطت في ‘جروب’ من شلة أولاد الذوات تسعى خلف أخبار الهيبز،وملابس الكاوبوي وأغاني ألفيس بريسلي.
وعندما حصلت على الثانوية العامة ألحتعلى والدها للسفر الى باريس لإكمال تعليمها الجامعي، فالغالبية العظمى من شبابالنادي أبناء الهاي لايف، لا يدخلون الجامعات المصرية ويفضلون جامعات أوروباالمتحضرة .
وأمام ضغوط الفتاة الجميلة وحبات لؤلؤ مترقرقة سقطت على خديها،وافق الأب وهو يلعن هذا الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ولا بد من مسايرة عاداتهوتقاليده.
وفي باريس لم تنبهر الفتاة كثيراً، فالحرية المطلقة التي اعتادتهافي مصر كانت مقدمة ممتازة للحياة والتحرر في عاصمة النور.
ولأنها درستالفرنسية منذ طفولتها فقد كان من السهل عليها أيضاً أن تتأقلم بسرعة مع هذا الخليطالعجيب من البشر. ففي الجامعة كانت تختلف كل الصور عما ترسب بمخيلتها. . إنهاالحرية بمعناها الحقيقي، الحرية في القول والتعبير . . وفي اختيار المواد الدراسية. . بل وفي مواعيد الامتحان أيضاً، فضلاً عن حرية العلاقة بين الجنسين التي عادة لاتقتصر على الحياة الجامعية فحسب. . بل تمتد خارجها في شمولية ممتزجة باندفاع الشبابوالاحتفاء بالحياة.
جمعتها مدرجات الجامعة بفتاة يهودية من أصول بولنديةدعتها ذات يوم لسهرة بمنزلها، وهناك التقت بلفيف من الشباب اليهود الذي تعجب لكونهامصرية جريئة لا تلتفت الى الخلف، وتنطلق في شراهة تمتص رحيق الحرية. . ولا تهتمبحالة الحرب التي تخيم على بلدها، وتهيمن على الحياة بها.
لقد أعلنت صراحةفي شقة البولندية أنها تكره الحرب، وتتمنى لو أن السلام عم المنطقة. وفي زيارة أخرىأطلعتها زميلتها على فيلم يصور الحياة الاجتماعية في إسرائيل، وأسلوب الحياة فيالكيبوتز’ وأخذت تصف لها كيف أنهم ليسوا وحوشاً آدمية كما يصورهم الإعلام العربي،بل هم أناس على درجة عالية من التحضر والديموقراطية.
وعلى مدار لقاءات طويلةمع الشباب اليهودي والامتزاج بهم بدعوى الحرية التي تشمل الفكر والسلوك. . استطاعتهبة أن تستخلص عدة نتائج تشكلت لديها كحقائق ثابتة لا تقبل السخرية. أهم هذهالنتائج أن إسرائيل قوية جداً وأقوى من كل العرب. وأن أمريكا لن تسمح بهزيمةإسرائيل في يوم من الأيام بالسلاح الشرقي.. ففي ذلك هزيمة لها.
آمنت هبةأيضاً بأن العرب يتكلمون أكثر مما يعملون. وقادتها هذه النتائج الى حقد دفين علىالعرب الذين لا يريدون استغلال فرصة وجود إسرائيل بينهم ليتعلموا كيفية اختزالالشعارات الى فعل حقيقي. وأول ما يبدأون به نبذ نظم الحكم التي تقوم على ديموقراطيةكاذبة وعبادة للحاكم.
وثقت هبة أيضاً في أحاديث ضابط الموساد الذي التقت بهفي شقة صديقتها. . وأوهمها باستحالة أن ينتصر العرب على إسرائيل وهم على خلاف دائموتمزق خطير، في حين تلقى إسرائيل الدعم اللازم في جميع المجالات من أوروباوأمريكا.
هكذا تجمعت لديها رؤية أيديولوجية باهتة، تشكلت بمقتضاهااعتقاداتها الخاطئة، التي قذفت بها الى الهاوية.


الشك المجنون
كانتهذه الأفكار والمعتقدات التي اقتنعت بها الفتاة سبباً رئيسياً لتجنيدها للعمل لصالحالموساد .. دون إغراءات مادية أو عاطفية أثرت فيها، مع ثقة أكيدة في قدرة إسرائيلعلى حماية ‘أصدقائها’ وإنقاذهم من أي خطر يتعرضون له في أي مكان فيالعالم.
هكذا عاشت الفتاة أحلام الوهم والبطولة، وأرادت أن تقدم خدماتهالإسرائيل طواعية ولكن.. كيف؟ الحياة في أوروبا أنستها هواء الوطن. .وأغاني عبدالحليم حافظ الوطنية. .وبرج القاهرة الذي بناه عبد الناصر من أموال المخابراتالأمريكية التي سخرتها لاغتياله.
فقط تذكرت فجأة المقدم فاروق الفقي الذيكان يطاردها في نادي الجزيرة، ولا يكف عن تحين الفرصة للانفراد بها. .وإظهار إعجابهالشديد ورغبته الملحة في الارتباط بها. لقد ملت كثيراً مطارداته لها من قبل فيالنادي وخارج النادي، وكادت يوماً ما أن تنفجر فيه غيظاً في التليفون. . وذلك عندماتلاحقت أنفاسه اضطراباً وهو يرجوها أن تحس به. مئات المرات قال لها: ‘أعبدك .. أحبك .. أهواك يا صغيرتي’. ولكنها كانت قاسية عنيفة في صده.
تذكرت هبة هذا الضابطالولهان، وتذكرت وظيفته الهامة في مكان حساس في القوات المسلحة المصرية، وعندماأخبرت ضابط الموساد عنه. .كاد أن يطير بها فرحاً، ورسم لها خطة اصطياده.
وفيأول أجازة لها بمصر. . كانت مهمتها الأساسية تنحصر في تجنيده.. وبأي ثمن، وكانالثمن خطبتها له. وفرح الضابط العاشق بعروسه الرائعة التي فاز بها أخيراً، وبدأتتدريجياً تسأله عن بعض المعلومات والأسرار الحربية. . وبالذات مواقع الصواريخالجديدة التي وصلت من روسيا. . فكان يتباهى أمامها بأهميته ويتكلم في أدق الأسرارالعسكرية، ويجيء بها بالخرائط زيادة في شرح التفاصيل.
أرسلت هبة سليم علىالفور بعدة خطابات الى باريس بما لديها من معلومات ولما تبينت إسرائيل خطورة وصحةما تبلغه هذه الفتاة لهم.. اهتموا بها اهتماماً فوق الوصف. وبدأوا في توجيهها الىالأهم في تسليح ومواقع القوات المسلحة. . وبالذات قواعد الصواريخ والخطط المستقبليةلإقامتها، والمواقع التبادلية المقترحة.
وسافرت هبة الى باريس مرة ثانيةتحمل بحقيبتها عدة صفحات. . دونت بها معلومات غاية في السرية والأهمية للدرجة التيحيرت المخابرات الاسرائيلية. فماذا سيقدمون مكافأة للفتاة الصديقة؟
سؤالكانت إجابته عشرة آلاف فرنك فرنسي حملها ضابط الموساد الى الفتاة .. مع وعد بمبالغأكبر وهدايا ثمينة وحياة رغدة في باريس. رفضت هبة النقود بشدة وقبلت فقط السفر الىالقاهرة على نفقة الموساد بعد ثلاثة أشهر من إقامتها بباريس. كانت الوعود الراقةتنتظرها في حالة ما إذا جندت خطيبها ليمدهم بالأسرار العسكرية التي تمكنهم مناكتشاف نوايا المصريين تجاههم.
لم يكن المقدم فاروق الفقي بحاجة الى التفكيرفي التراجع، إذ أن الحبيبة الرائعة هبة كانت تعشش بقلبه وتستحوذ على عقله.. ولم يعديملك عقلاً ليفكر، بل يملك طاعة عمياء سخرها لخدمة إرادة حبيبته. وعندما أخذها فيسيارته الفيات 124 الى صحراء الهرم.. كان خجولاً لفرط جرأتها معه، وأدعت أنها لم تصادف رجلاً قبله أبداً. وأبدت رغبتها في قضاء يوم كامل معه في شقته. ولميصدق أذنيه. فهو قد ألح عليها كثيراً من قبل لكنها كانت ترفض بشدة. الآن تعرض عليهذلك بحجة سفرها، وفي شقته بالدقي تركت لعابه يسيل، وجعلته يلهث ضعفاًوتذللاً..



وسقط ضابط الجيش المصري في بئر الشهوة ووقّع وثيقة خيانته عارياً علىصدرها، ليصير في النهاية عميلاً للموساد تمكن من تسريب وثائق وخرائط عسكرية.. موضحاً عليها منصات الصواريخ ‘سام 6′ المضادة للطائرات. . التي كانت القوات المسلحةتسعى ليلى نهار لنصبها لحماية مصر من غارات العمق الاسرائيلية.
لقد تلاحظللقيادة العامة للقوات المسلحة ولجهازي المخابرات العامة والحربية، أن مواقعالصواريخ الجديد تدمر أولاً بأول بواسطة الطيران الإسرائيلي. حتى قبل أن يجفالأسمنت المسلح بها، وحودث خسائر جسيمة في الأرواح، وتعطيل في تقدم العمل وإنجازالخطة التي وضعت لإقامة حائط الصواريخ المضادة للطائرات.
تزامنت الأحداث معوصول معلومات لرجال المخابرات المصرية. . بوجود عميل ‘عسكري’ قام بتسريب معلوماتسرية جداً الى إسرائيل. وبدأ شك مجنون في كل شخص ذي أهمية في القوات المسلحة، وفيمثل هذه الحالات لا يستثنى أحد بالمرة بدءاً من وزير الدفاع.
يقول السفيرعيسى سراج الدين سفير مصر في كوبنهاجي، ووكيل وزارة الخارجية بعدذلك:
اتسعت دائرة الرقابة التليفزيونية والبريدية لتشمل دولاً كثيرة أخرى،مع رفع نسبة المراجعة والرقابة الى مائة في المائة من الخطابات وغيرها، كل ذلكلمحاولة كشف الكليفية التي تصل بها هذه المعلومات الى الخارج. كما بدأت رقابة قويةوصارمة على حياة وتصرفات كل من تتداول أيديهم هذه المعلومات من القادة، وكانت رقابةلصيقة وكاملة. وقد تبينت طهارتهم ونقاءهم.
ثم أدخل موظفو مكاتبهم في دائرةالرقابة. . ومساعدوهم ومديرو مكاتبهم .. وكل من يحيط بهم مهما صغرت أو كبرترتبته‘.
وفي تلك الأثناء كانت هبة سليم تعيش حياتها بالطول وبالعرض فيباريس. وعرفت الخمر والتدخين وعاشت الحياة الاوروبية بكل تفاصيلها. وكانت تشعر فيقرارة نفسها بأنها خلقت لتعيش في أوروبا، وتكره مجرد مرور خاطرة سريعة تذكرهابمصريتها.
لقد نزفت عروبتها نزفاً من شرايين حياتها، وتهللت بشراً عندما عرضعليها ضابط الموساد زيارة إسرائيل، فلم تكن لتصدق أبداً أنها مهمة الى هذه الدرجة،ووصفت هي بنفسها تلك الرحلة قائلة: ‘طائرتان حربيتان رافقتا طائرتي كحارس شرف وتحيةلي. وهذه إجراءات تكريمية لا تقدم أبداً إلا لرؤساء وملوك الدول الزائرين، حيث تقومالطائرات المقاتلة بمرافقة طائرة الضيف حتى مطار الوصول.
وفي مطار تل أبيبكان ينتظرني عدد من الضباط اصطفوا بجوار سيارة ليموزين سوداء تقف أسفل جناحالطائرة، وعندما أدوا التحية العسكرية لي تملكني شعور قوي بالزهو. واستقبلني بمكتبهمائير عاميت رئيس جهاز الموساد ، وأقام لي حفل استقبال ضخماً ضم نخبة من كبار ضباطالموساد على رأسهم مايك هراري الأسطورة ، وعندما عرضوا تلبية كل ‘أوامري’. . طلبتمقابلة جولدا مائير رئيسة الوزراء التي هزمت العرب ومرغت كرامتهم، ووجدت على مدخلمكتبها صفاً من عشرة جنرالات إسرائيليين أدوا لي التحية العسكرية. . وقابلتني مسزمائير ببشاشة ورقة وقدمتني اليهم قائلة: ‘إن هذه الآنسة قدمت لإسرائيل خدمات أكثرمما قدمتم لها جميعاً مجتمعين‘.
وبعد عدة أيام عدت الى باريس. . وكنت لاأصدق أن هذه الجنة ‘إسرائيل’ يتربص بها العرب ليدمروها!!
سفر بلاعودة


وفي القاهرة . . كان البحث لا يزال جارياً على أوسع نطاق، والشكوك تحومحول الجميع، الى أن اكتشف أحد مراقبي الخطابات الأذكياء ‘من المخابرات المصرية‘ خطاباً عادياً مرسلاً الى فتاة مصرية في باريس سطوره تفيض بالعواطف من حبيبها. لكنالذي لفت انتباه المراقب الذكي عبارة كتبها مرسل الخطاب تقولن أنه قام بتركيبإيريال الراديو الذي عنده، ذلك أن عصر إيريال الراديو قد انتهى. إذن .. فالإيرياليخص جهازاً لاسلكياً للإرسال والاستقبال.
وانقلبت الدنيا في جهازي المخابراتالحربية والمخابرات العامة وعند ضباط البوليس الحربي، وتشكلت عدة لجان من أمهر رجالالمخابرات، ومع كل لجنة وكيل نيابة ليصدر الأمر القانوني بفتح أي مسكن وتفتيشه. وكانت الأعصاب مشدودة حتى أعلى المستويات في انتظار نتائج اللجان، حتى عثروا علىجهاز الإيريال فوق إحدى العمارات.. واتصل الضباط في الحال باللواء فؤاد نصار مديرالمخابرات الحربية وأبلغوه باسم صاحب الشقة. . فقام بإبلاغ الفريق أول أحمد اسماعيلوزير الدفاع ‘قبل أن يصبح مشيراً’ الذي قام بدوره بإبلاغ الرئيسالسادات.
حيث تبين أنالشقة تخص المقدم فاروق الفقي، وكان يعمل وقتها مديراًلمكتب أحد القيادات الهامة في الجيش، وكان بحكم موقعه مطلعاً على أدق الأسرارالعسكرية، فضلاً عن دوره الحيوي في منظمة سيناء
وكان الضابط الجاسوس أثناءذلك في مهمة عسكرية بعيداً عن القاهرة.وعندما اجتمع اللواء فؤاد نصار بقائدالضابطالخائن. . ‘قيل بعد ذلك أنه ضابط كبير له دور معروف في حرب أكتوبر واشتهر بخلافه معالرئيس السادات حول الثغرة’. . رفض القائد أن يتصور حدوث خيانة بين أحد ضباط مكتبه. خاصة وأن المقدم فاروق يعمل معه منذ تسع سنوات، بل وقرر أن يستقيل من منصبه إذا ماظهر أن رئيس مكتبه جاسوس للموساد.
وعندما دخل الخائن الى مكتبه.. كان اللواءحسن عبد الغني نائب مدير المخابرات الحربية ينتظره جالساً خلف مكتبه بوجه صارموعينين قاسيتين فارتجف رعباً وقد جحظت عيناه وقال في الحال ‘هو أنتعرفتوا؟؟‘.
وعندما ألقى القبض عليه استقال قائده على الفور، ولزم بيتهحزيناً على خيانة فاروق والمعلومات الثمينة التي قدمها للعدو.
وفي التحقيقاعترف الضابط الخائن تفصيلياً بأن خطيبته جندته بعد قضاء ليلة حمراء معها .. وأنهرغم إطلاعه على أسرار عسكرية كثيرة إلا أنه لم يكن يعلم أنها ستفيدالعدو.
وعند تفتيش شقته أمكن العثور على جهاز اللاسلكي المتطور الذي يبث منخلاله رسائله، وكذا جهاز الراديو ونوتة الشفرة، والحبر السري الذي كان بزجاجة دواءللسعال. ضبطت أيضاً عدة صفحات تشكل مسودة بمعلومات هامة جداً معدة للبث، ووجدتخرائط عسكرية بالغة السرية لأحشاء الجيش المصري وشرايينه، تضم مواقع القواعد الجويةوالممرات والرادارات والصواريخ ومرابص الدفاعات الهامة.
وفي سرية تامة . . قدم سريعاً للمحاكمة العسكرية التي أدانته بالإعدام رمياً بالرصاص.. واستولى عليهندم شديد عندما أخبروه بأنه تسبب في مقتل العديد من العسكريين من زملائه من جراءالغارات الاسرائيلية. وأخذوه في جولة ليرى بعينه نتائج تجسسه. فأبدى استعداده مراتعديدة لأن يقوم بأي عمل يأمرونه به.
ووجدوا – بعد دراسة الأمر بعناية – أنيستفيدوا من المركز الكبير والثقة الكاملة التي يضعها الاسرائيليون في هذا الثنائي. وذلك بأن يستمر في نشاطه كالمعتاد خاصة والفتاة لم تعلم بعد بأمر القبض عليه والحكمبإعدامه.
وفي خطة بارعة من مخابراتنا الحربية، أخذوه الى فيلا محاطة بحراسةمشددة، وبداخلها نخبة من أذكى وألمع رجال المخابرات المصرية تتولى ‘إدارة’ الجاسوسوتوجيهه، وإرسال الرسائل بواسطة جهاز اللاسلكي الذي أحضرته له الفتاة ودربته عليه. وكانت المعلومات التي ترسل هي بالطبع من صنع المخابرات الحربية، وتم توظيفها بدقةمتناهية في تحقيق المخطط للخداع، حيث كانت حرب أكتوبر قد اقتربت، وهذه هي إحدىالعمليات الرئيسية للخداع التي ستترتب عليها أمور استراتيجية مهمة بعدذلك.
لقد كان من الضروري الإبقاء على هبة في باريس والتعامل معها بواسطةالضابط العاشق، واستمر الاتصال معها بعد القبض عليه لمدة شهرين، ولما استشعرتالقيادة العامة أن الأمر أخذ كفايته.. وأن القيادة الإسرائيلية قد وثقت بخطة الخداعالمصرية وابتلعت الطعم، تقرر استدراج الفتاة الى القاهرة بهدوء.. لكي لا تهرب الىإسرائيل إذا ما اكتشف أمر خطيبها المعتقل.


وفي اجتماع موسع.. وضعت خطة القبضعلى هبة. . وعهد الى اللواء حسن عبد الغني ومعه ضابط آخر بالتوجه الى ليبيا لمقابلةوالدها في طرابلس حيث كان يشغل وظيفة كبيرة هناك. وعرفاه على شخصيتهما وشرحا له أنابنته هبة التي تدرس في باريس تورطت في عملية اختطاف طائرة مع منظمة فلسطينية، وأنالشرطة الفرنسية على وشك القبض عليها . . وما يهم هو ضرورة هروبها من فرنسا لعدمتوريطها، ولمنع الزج باسم مصر في مثل هذه العمليات الارهابية. وطلبا منه أنيساعدهما بأن يطلبها للحضور لرؤيته حيث أنه مصاب بذبحة صدرية.
أرسل الوالدبرقية عاجلة لابنته. . فجاء ردها سريعاً ببرقية تطلب منه أن يغادر طرابلس الىباريس. . حيث إنها حجزت له في أكبر المستشفيات هناك وأنها ستنتظره بسيارة إسعاف فيالمطار. . وأن جميع الترتيبات للمحافظة على صحته قد تم اتخاذها.
ولكي لاتترك المخابرات المصرية ثغرة واحدة قد تكشف الخطة بأكملها. . فقد تم إبلاغ السلطاتالليبية بالقصة الحقيقية، فتعاونت بإخلاص مع الضابطين من أجل اعتقال الجاسوسةالمصرية. وتم حجز غرفة في مستشفى طرابلس وإفهام الأطباء المسؤولين مهمتهم وماسيقومون به بالضبط.
وبعدما أرسل والدها رداً بعدم استطاعته السفر الى باريسلصعوبة حالته. . صح ما توقعه الضابطان، إذ حضر شخصان من باريس للتأكد من صحةالبرقية وخطورة المرض، وسارت الخطة كما هو مرسوم لها، وذهب الاسرائيليان الىالمستشفى وتأكدا من الخبر، فاتصلا في الحال بالفتاة التي ركبت الطائرة الليبية فياليوم التالي الى طرابلس. وعلى سلم الطائرة عندما نزلت هبة عدة درجات كان الضابطانالمصريان في انتظارها، وصحباها الى حيث تقف الطائرة المصرية على بعد عدة أمتار منالطائرة الليبية. . فسألتهما:


إحنا رايحين فين؟

فردأحدهما:
المقدم فاروق عايز يشوفك.
فقالت:
هوفين؟.
فقال لها: في القاهرة.
صمتت برهة ثم سألت: أمال إنتممين؟
فقال اللواء حسن عبد الغني:
إحنا المخابراتالمصرية.


وعندما أوشكت أن تسقط على الأرض.. أمسكا بها وحملاها حملاً الىالطائرة التي أقلعت في الحال، بعد أن تأخرت ساعة عن موعد إقلاعها في انتظار الطائرةالقادمة من باريس بالهدية الغالية.
لقد تعاونت شرطة المطار الليببي في تأمينانتقال الفتاة لعدة أمتار حيث تقف الطائرة المصرية. .وذلك تحسباً من وجود مراقب أوأكثر صاحب الفتاة في رحلتها بالطائرة من باريس.. قد يقدم على قتل الفتاة قبل أنتكشف أسرارعلاقتها بالموساد.
وبلا شك. . فاعتقال الفتاة بهذا الأسلوبالماهر جعلها تتساءل عن القيمة الحقيقية للوهم الذي عاشته مع الإسرائيليين. فقدتأكدت أنهم غير قادرين على حمايتها أو إنقاذها من حبل المشنقة. وهذا ما جعلها تعترفبكل شيء بسهولة بالتفصيل. . منذ أن بدأ التحقيق معها في الطائرة بعد إقلاعهامباشرة. وبعد أيام قليلة من اعتقالها تبين لها وللجميع عجز الإسرائيليين عن حمايةإسرائيل نفسها وعدم قدرتهم على إنقاذها.
فقد جاءت حرب أكتوبر وتدمير خطبارليف بمثابة الصدمة التي أذهلت أمريكا قبل إسرائيل. فالخداع المصري كان على أعلىمستوى من الدقة والذكاء. وكانت الضربة صائبة غذ أربكت العدو أشلته. . لولا المددالعسكري الأمريكي.. والأسلحة المتطورة.. والصواريخ السرية. . والمعونات. . وإرسالالطيارين والفنيين الأمريكان كمتطوعين .
لقد خسرت إسرائيل في ذلك الوقت منالمعركة حوالي مائتي طائرة حربية. ولم تكن تلك الخسارة تهم القيادة الاسرائيليةبقدر ما خسرته من طيارين ذوي كفاءة عالية قتلوا في طائراتهم، أو انهارت أعصاب بعضهمولم يعودوا صالحين للقتال. ولقد سبب سقوط الطائرات الاسرائيلية بالعشرات حالة منالرعب بعد عدة أيام من بدء المعركة. . الى أن وصلت المعونات الامريكية لإسرائيل فيشكل طيارين وفنيين ووسائل إعاقة وتشويش حديثة.
لا أحد يعرف


تبخرتأوهام الجاسوسة هبة سليم. . وأيقنت أنها كانت ضحية الوهم الذي سيطر على فكرها وسرىبشرايينها لمدة طويلة للدرجة التي ظنت أنها تعيش الواقع من خلاله. . لكن.. ها هيالحقائق تتضح بلا رتوش أو أكاذيب.
لقد حكم عليها بالإعدام شنقاً بعد محاكمةمنصفة اعترفت صراحة أمامها بجريمتها.. وأبدت ندماً كبيراً على خيانتها. وتقدمتبالتماس لرئيس الجمهورية لتخفيف العقوبة ولكن التماسها رفض.

هنرى كيسنجر

وكانت تعيشأحلك أيامها بالسجن تنتظر تنفيذ الحكم. . عندما وصل هنري كيسنجر وزير الخارجيةالأمريكي – اليهودي الديانة – لمقابلة الرئيس السادات في أسوان في أول زيارة له الىمصر بعد حرب أكتوبر.. وحملته جولدا مائير رسالة الى السادات ترجوه تخفيف الحكم علىالفتاة. ومن المؤكد أن كيسنجر كان على استعداد لوضع ثقله كله وثقل دولته خلف هذاالطلب. وتنبه الرئيس السادات الذي يعلم بتفاصيل التحقيقات مع الفتاة وصدور الحكمبإعدامها.. الى أنها ستصبح مشكلة كبيرة في طريق السلام. فنظر الى كيسنجر قائلاً: ‘تخفيف حكم؟ .. ولكنها أعدمت.. !!’.
دهش كيسنجر وسأل الرئيس: ‘متى.. ؟
ودون أن ينظر لمدير المخابرات الحربية قال السادات كلمة واحدة: ‘النهاردة‘.
وفعلاً .. تم تنفيذ حكم الإعدام شنقاً في هبة سليم في اليومنفسه في أحد سجون القاهرة.
أما الضابط العاشق – المقدم فاروق عبد الحميدالفقي – فقد استقال قائده من منصبه لأنه اعتبر نفسه مسؤولاً عنهبالكامل.
وعندما طلبت منه القيادة العامة سحب استقالته، رفض بشدة وأمامإصرار القيادة على ضرورة سحب استقالته.. خاصة والحرب وشيكة. .اشترط القائد للموافقةعلى ذلك أن يقوم هو بتنفيذ حكم الإعدام في الضابط الخائن. ولما كان هذا الشرط لايتفق والتقاليد العسكرية. .وما يتبع في مثل هذه الأحوال. . فقد رفع طلبه الى وزيرالدفاع ‘الحربية’ الذي عرض الأمر على الرئيس السادات ‘القائد الأعلى للقواتالمسلحة’ فوافق فوراً ودون تردد.
وعندما جاء وقت تنفيذ حكم الإعدام رمياًبالرصاص في الضابط الخائن. . لا أحد يعرف ماذا كان شعور قائده وهو يتقدم ببطء. . يسترجع في شريط سريع تسع سنوات مرت عليهما في مكتب واحد. . تسع سنوات كان بعضها فيسواد الليل. . وبعضها تتلألأ خلاله ومضات الأمل قادمة من بعيد. . الأمل في الانتصارعلى اليهود الخنازير القتلة السفاحين.. وبينما كان يخطط لحرب أكتوبر كان بمكتبه هذاالخائن الذي باع الوطن والأمن وقتل بخيانته أبرياء..
لا أحد يعرف ماذا قالالقائد له. . وماذا كان رد الضابط عليه. . لا أحد يعرف.
هل طلب منه أن ينطقبالشهادتين، وأن يطلب المغفرة من الله؟. . . لا أحد يعرف.
لكن المؤكد أنهأخرج مسدسه من جرابه. . وصوبه على رأس الضابط وأطلق طلقتني عليه كما تقضي التعليماتالعسكرية في حالة إعدام .