عرض لمذكرات الفريق آول‏ محمد آحمد صادق



-
عرض وتحليل: عبده مباشر


كثير هم الذين يكتبونمذكراتهم‏.‏ وكثيرة أيضا الأهداف التي يسعي إليها كل منهم‏.‏ كلهم يعتبرون شهوداعلي أحداث شاركوا في صنعها أو اقتربوا منها‏.‏ ولكن شهاداتهم تختلف بتباينمواقعهم‏,‏ وربما أغراضهم‏.‏ ولذلك فإن مهمة قارئ المذكرات لا تقل أهمية عن دوركاتبها‏.‏ فعلي القارئ تقع مهمة التفكير والتأمل والمقارنة‏.

كثير هم الذين يكتبونمذكراتهم‏.‏ وكثيرة أيضا الأهداف التي يسعي إليها كل منهم‏.‏ كلهم يعتبرون شهوداعلي أحداث شاركوا في صنعها أو اقتربوا منها‏.‏ ولكن شهاداتهم تختلف بتباينمواقعهم‏,‏ وربما أغراضهم‏.‏ ولذلك فإن مهمة قارئ المذكرات لا تقل أهمية عن دوركاتبها‏.‏ فعلي القارئ تقع مهمة التفكير والتأمل والمقارنة‏.‏

حفل تكريم اللواء صادق عميدا للملحقين العسكريين بألمانيا الغربية

وتتيح مذكرات الفريق محمد أحمدصادق‏’‏سنوات في قلب الصراع‏’‏لنا أن نتأمل ما حدث فيمرحلة كانت فارقة في تاريخ مصر الحديث‏,‏ اجتمعت فيها قضية انتقال السلطة بعد رحيلالرئيس عبدالناصر‏,‏ وقضية تحرير الأرض التي احتلتها إسرائيل عام‏1967,‏ ويؤمن مركزالأهرام للنشر والترجمة والتوزيع ـ الذي ينشر هذه المذكرات ـ بأن تعدد الشهادات هوالطريق إلي كشف الحقيقة‏,‏ لأن فهم ما حدث بالأمس القريب هو أكثر من ضروري للمستقبلغير البعيد‏

.شبكة علاقات مع الألمانقبل أن يصدر المشير عامرقرارا بإيفاد صادق إلي ألمانيا‏,‏ ملحقا حربيا‏,‏ استفسر ما إذا كان المشير قد اتفقعلي هذه الخطوة مع عبد الناصر‏.‏ وهل هي عملية إبعاد له‏.‏ ولما اطمأن‏,‏ يقولصادق‏:’‏ بدأت أستعد للسفر إلي ألمانيا‏,‏ وقررت أن أسافر بالبحر‏,‏ لتتاح لي فرصةقراءة عدد من الكتب في قواعد العمل الدبلوماسي والتاريخ الألماني والنظام السياسيوالاقتصادي بعد انهيار الرايخ الثالث وتقسيم ألمانيا إلي دولتين‏.‏وبدأت فيممارسة مسئولياتي بالعاصمة الألمانية بون عام‏1963,‏ ولم تكن العاصمة أكثر من قريةصغيرة علي شاطئ نهر الراين‏,‏ تقرر اختيارها عاصمة لألمانيا بعد هزيمة النازي‏,‏لمجرد أنها المدينة التي ولد ونشأ بها مستشار ألمانيا القوي كونرادأديناور‏.‏وبدأت دورة التعارف التقليدية‏,‏ مع المسئولين العسكريين‏,‏ ومعنظرائي من الملحقين العسكريين الأجانب‏.‏ وبهدوء عملت علي تكوين شبكة من العلاقاتمع العسكريين الحاليين والسابقين‏,‏ ومن مختلف الأسلحة‏.‏ ولم أنس الطلبةالمصريين‏,‏ وباقي أعضاء الجالية المصرية الذين كانت شكوك السلطات المصرية تحاصرهمتماما‏,‏ وتصنفهم علي أنهم أعداء النظام‏,‏ فلم أبال بنصائح البعض في القاهرة‏,‏وبنيت جسورا معهم وقررت أن أكتشف مواقفهم بنفسي لا استنادا إلي التقاريروالشائعات‏.‏وكان المصريون في الخارج يبحثون عن الحقائق والمعلومات التي تنقصهمعن أحداث كبيرة‏,‏ مثل الوحدة المصرية السورية والانفصال السوري والتدخل المصري فياليمن وقرارات يوليو الاشتراكية وغيرها من الأحداث الكبري التي تعيشهامصر‏.‏وقد حرصت علي أن أطلعهم علي الحقائق كما أعرفها‏,‏ لا كما يذكرها ويرددهاالإعلام‏,‏ وكان ذلك‏,‏ كما عرفت فيما بعد‏,‏ واحدا من أهم عوامل الثقة التي ربطتبيننا‏.‏ ونهجت نفس النهج مع الألمان‏,‏ ما إن أواجه بسؤال حتي أجيب بما أعرفه منحقائق‏,‏ ولما كنت أعرف ما يجب أن يقال وما لا يجب أن يقال‏,‏ كانت إجاباتي مقنعةللسائل‏.‏ وكان هذا أسلوبي أيضا مع الملحقين العسكريين‏,‏ وكنا جميعا‏,‏ نسعي وراءالمعلومات‏..‏ الملحقون العسكريون‏,‏ والقادة‏,‏ وضباط المخابرات الألمان‏,‏ ورجالالأحزاب‏,‏ والصحفيون‏,‏ الكل كان يسعي وراء المعلومات‏.‏ووجدت طريقي إليالبوند ستاج‏(‏ البرلمان الألماني‏),‏ وكانت جلساته وتقارير لجانه مفيدة جدا‏,‏وغنية بالمعلومات‏.‏ ولم أتأخر في التعرف علي رجال الصناعة‏,‏ وهم دائما العمودالفقري لألمانيا‏’.‏ ثم تبدأ‏,‏ والرواية لصادق‏,’‏ خيوط اكتشاف صفقة الأسلحةالألمانية لإسرائيل‏,‏ وأنا أقضي أول أجازه قصيرة لي بمصر‏,‏ فقد فوجئت باتصالتليفوني من الفريق سليمان عزت قائد القوات البحرية‏,‏ وخلال المكالمة طلب مني أننلتقي إما في الاسكندرية أو بالقاهرة‏,‏ فقلت له‏:‏ سأحضر إليك بالاسكندرية‏.‏ وفيمكتبه أخبرني انهم يبنون غواصة جيب‏,‏ ولكن ينقصهم جهاز حدده لي‏,‏ وطلب أن أبحث عنمهندس ألماني متخصص‏,‏ وقال لي إن الألمان يبنون مثل هذا النوع من الغواصات فيالمنطقة المطلة علي بحر البلطيق‏.‏ وكانت مصر قد انغمست بقوة‏,‏ منذ نهايةالخمسينيات وطوال النصف الأول من الستينيات‏,‏ في مجال الصناعات الحربية‏,‏ مستفيدةمن المصانع التي بناها رجل الصناعة المصري أحمد باشا عبود‏,‏ واتجه المسئولون عنهذا النشاط إلي ألمانيا للاستفادة من خبرة العلماء ورجال الصناعة الألمان‏.‏ فعليسبيل المثال استعانت مصر بقائد المظلات الألماني الشهير سكورزوني‏,‏ صاحب خطةالاستيلاء علي جزيرة كريت خلال الحرب العالمية الثانية بواسطة الطائرات الشراعية‏,‏وهو الرجل الذي تمكن مع رجاله من اختطاف الزعيم الايطالي موسوليني من القلعةالمعزولة الشديدة التحصين التي اعتقلوه بها‏.‏ وقد وضع الرجل خبرته الكبيرة أمامالرجال الذين تحملوا مسئولية إنشاء سلاح المظليين بمصر‏.‏وبعد عودتي لألمانيافي النصف الثاني من عام‏1963‏ بدأت أسعي لتلبية طلب الفريق سليمان عزت في العثورعلي خبير ألماني يمكنه أن يقود فريق العمل المصري لبناء غواصة الجيب‏.‏ هذا النوعصغير الحجم من الغواصات كان يتناسب وخطط القوات البحرية وأهدافها‏.‏ وكانت القواتالبحرية قد بدأت في إنشائها سرا‏,‏ منذ فترة ليست بالقصيرة دون أن تحقق النتائجالمرجوة‏.‏ومنذ أن توليت مهام الملحق الحربي في ألمانيا سعيت لتوثيق علاقاتيبالقادة والضباط الألمان خاصة هؤلاء الذين لم يخفوا كراهيتهم لليهود والدولةاليهودية‏.‏ ولحسن الحظ كان من بين هذا الفريق عدد كبير يشغل مقاعد في الصفوفالأولي‏.‏الحظ يلعب دورهوتذكرت أن النقيب إيرهارد‏,‏ صديقيعمل بالبحرية الألمانية‏.‏ عندما رأيته‏,‏ للمرة الأولي‏,‏ اكتشفت أنه فقد عينا منعينيه‏,‏ ومع ذلك ما زال يعمل بالقوات البحرية الألمانية‏,‏ ولم تؤثر إصابته عليعمله أو مستقبله‏’.‏ويوجه صادق دعوة عشاء لصديقه إيرهارد وزوجته‏,‏ مستثمرافرصة سانحة‏,‏ بعد أن أفرط الضابط في احتساء مشروبه المفضل‏’‏ شنابس‏’,‏ وما يقالفي النشوة قد سبق التفكير فيه‏,‏ كما يتردد في المثل‏.‏ أي أن إيرهارد كان علياستعداد مسبق للبوح بما عنده لأول عابر سبيل‏.‏ وقد استدرج صادق لسان إيرهارد‏,‏وعندما وصل‏’‏ إلي مرحلة السكر ظهر وجهه النازي‏,‏ وأفاض في الحديث عن أودلف هتلروالمرحلة النازية‏,‏ وأعلن عن ولائه للنازية‏,‏ مجد ألمانيا والألمان‏,‏ وتركتهيتحدث دون مقاطعة ورأيت‏,‏ وهو يواصل الشرب‏,‏ أن أمهد للحديث للوصول إلي الهدف‏,‏فطلبت منه أن يحدثني عن عالم الغوص والغواصات بصفته خبيرا في هذا المجال‏.‏ فإذابالقائد الألماني ينتفض غاضبا ويخاطبني بأسلوب حاد قائلا‏:’‏ جنرال صادق يجب أنتعلم أنني عارضت‏,‏ حتي النهاية‏,‏ تزويد إسرائيل بغواصات أودبابات أو أي أسلحةألمانية‏,‏ وطرحت حججي أمام القيادة الألمانية‏,‏ وكان أن نجحت في عدم تزويدإسرائيل بالغواصات‏.‏ أما بالنسبة للدبابات والمدافع والسيارات فلم أوفق‏’.‏ وقالإن القوات البحرية ستقوم بتسليم إسرائيل زوارق بحرية سريعة‏,‏ أما عن تسليم باقيالأسلحة الخاصة بالقوات البرية فهو لا يعلم عنها شيئا‏,‏ فمعلوماته مقصورة عليالقوات البحرية‏.‏ وقال إنه أبلغ قياداته أن هذه الصفقة العسكرية لإسرائيل صفقةخاسرة وأنه إذا تم تنفيذها وعلم العرب بها فسنخسر العرب جميعا‏.‏وحتي هذهاللحظة لم أكن أعلم شيئا عن تلك الصفقة‏,‏ وكانت الفرصة متاحة لاستثمارها لمعرفةحقيقة هذه الصفقة التي تحدث عنها‏.‏ ولأن القائد الألماني تصور أنني علي علم سابقبالصفقة أو ببعض تفاصيلها‏,‏ نتيجة للسؤال الذي طرحته عليه كمدخل للحديث فلم يجد مايمنعه من مواصلة الحديث معي عن التفاصيل‏,‏ وعن أسرار العلاقة بين ألمانياوإسرائيل‏,‏ والضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة لتزويد إسرائيل بهذه الصفقة‏.‏وكذلك الضغوط التي تمارسها إسرائيل لابتزاز ألمانيا عسكريا‏,‏ كما تبتزها مالياواقتصاديا‏,‏ بحجه التكفير عن الهولوكوست‏!‏ ولم ينس القائد الألماني أن يخبرني أنهذه الغواصات يتم بناؤها في هانوفر‏.‏ وحافظت علي نفس الخط‏,‏ وأخبرته أن مصر عليعلم تام بالصفقة‏,‏ فأعترف إيرهارد أن ذلك خطأ فادح‏,‏ وقعت فيه الحكومةالألمانية‏.‏وبعد انصراف الضابط الألماني‏,‏ بدأت أرتب أفكاري والأسلوب الأمثلالذي يجب أن أسلكه في ضوء المعلومات المهمة التي سقطت في يدي الليلة‏.‏ ومبكرا طلبتمدير المخابرات الألمانية لتحديد موعد عاجل‏,‏ لمعلومات هامة وصلتني في رسالة عاجلةمن القاهرة‏.‏ فأخبرني بأن لديه موعدا في التاسعة والنصف صباحا‏,‏ فقلت له‏,‏ إننيأريد موعدا قبل ذلك‏.‏ وتحدد الموعد فعلا قبل التاسعة والنصف‏.‏واستقبلني الرجلفي مكتبه‏,‏ فأخبرته أنني تسلمت رسالة من القاهرة تستفسر عن صفقة الأسلحة الألمانيةالإسرائيلية التي تضم دبابات ومدافع وسيارات وغواصات وزوارق‏.‏ وصعق مدير المخابراتالألماني من هذه المعلومات‏,‏ وطلب مني محاولة تهدئة الموقف‏,‏ وحاول شرح أبعادوحقائق هذه القضية الطويلة والمعقدة‏.‏وفي خطوة تالية طلبت موعدا مع وزيرالدفاع الألماني‏.‏ وقلت له‏,‏ إن الرئيس عبد الناصر مستاء للغاية من الموقفالألماني‏,‏ وهو يريد توضيحا‏.‏ بعد أن نقلت له المعلومات التي سبق أن قلتها لمديرالمخابرات مضافا إليها المعلومات التي وردت في رد مدير المخابرات ونحن نتحدثمعا‏.‏وأخبرت المسئول أن مصر ستتخذ موقفا تجاه ألمانيا‏,‏ وسيكون ذلك الموقفنتيجة للمعلومات الخاصة بهذه الصفقة وموقف ألمانيا منها‏.‏ وفي مساء نفس اليوم أرسلإلي لودفيج إيرهارد مستشار ألمانيا زوج أخته‏,‏ في محاولة لمساومتي علي تهدئةالموقف ومنع مصر من اتخاذ موقف متشدد‏.‏ ووصل الأمر إلي أن عرض الرجل دفع‏70‏ مليونمارك لمصر‏,‏ مقابل ألا يعلن عبد الناصر قطع العلاقات مع ألمانيا الغربية‏.‏ ومنمكتبي الذي توجهت إليه فورا أرسلت صورة من التقرير الذي كتبته إلي كل من الرئيس عبدالناصر والمشير عامر ووزير الخارجية‏.‏ ولأن التقرير تضمن معلومات دقيقة عن أولصفقة سلاح ألمانية لإسرائيل‏.‏ فقد استخدمت مصر هذه المعلومات للهجوم علي ألمانياودورها في مساندة إسرائيل عسكريا‏.‏ وعلي ضوء هذه الحملة الإعلامية والسياسية واسعةالنطاق تم تجميد الصفقة‏.‏صيد ثمين‏:‏والمهمة الثانية التي أنجزها صادق فيألمانيا كانت‏,‏ علي حد تعبيره‏’‏ الابن الشرعي لعملية إلقاء القبض علي قائد نازيكبير حيث أودعته السلطات الألمانية السجن رهن المحاكمة‏,‏ ومن خلال المحنة التي كانيعيشها‏,‏ قرر أن يرسل صديقته لي‏,‏ لتعقد معي صفقة‏,‏ ففي مقابل تهريبه منالسجن‏,‏ سأحصل علي حقائب من الوثائق عن اليهود والصهيونية وإسرائيل‏.‏ودرستالأمر من كل أبعاده‏,‏ بعد أن تيقنت من صدق الرجل وأن الأمر ليس كمينا للملحقالحربي المصري‏.‏ ورأيت أن الصفقة متكافئة‏,‏ قررت تعيين صديقة القائد سكرتيرهبمكتب الملحق الحربي المصري‏,‏ لسهولة الاتصال ونقل المعلوماتوالتعليمات‏.‏ووضعت خطة لتهريب القائد وحارسه معا‏,‏ بعد أن وافق الحارس عليالهرب وتهريب القائد‏,‏ وفي مزرعة استأجرتها من أجل خطة التهريب كانت تنتظرهماطائرة صغيرة‏’‏ بروبيلر‏’,‏ لتنقلهما إلي مزرعة خيول بالقرب من الحدود السويسرية‏.‏وفي المزرعة كان في انتظار الجميع جوازات سفر جديدة وبطاقات سفر إلي القاهرة‏,‏وهناك كانت في انتظارهما مجموعة خاصة من المخابرات العامة‏.‏ وبعد سفرهما نظمت سفرأطفالهما والمربية الخاصة‏,‏ ليقيم الجميع معا بالقاهرة‏.‏ وسلم الرجل الوثائقللقاهرة‏,‏ وكانت قيمتها عالية‏.‏وللقصة في مصر بقية‏’‏ فالقائد الألماني بعدأن استقرت أوضاعه بالقاهرة‏,‏ اكتشف الجميع أنه زئر نساء‏,‏ وأنه كان علي علاقة بكلمن صديقته والمربية‏,‏ واكتشفت صديقته ما يجري فما كان منها إلا أن أخبرت صحفياألمانيا‏,‏ يقيم بالقاهرة ويعمل بها‏,‏ عن وجود القائد النازي الهارب بالقاهرة‏.‏وخططت مع الصحفي لتصويره بما يؤكد صدق قصته الصحفية‏,‏ وفعلا تمكن الصحفي من التقاطصورة له بفندق مينا هاوس‏.‏وذاع الخبر وفوجئت سلطات الأمن الألمانية بوجودالقائد الهارب في القاهرة‏,‏ وكانت الشكوك قد اتجهت إلي الاتحاد السوفيتي ودولأوروبا الشرقية‏.‏وحضر إلي القاهرة أكثر من‏70‏ صحفيا ومصورا ألمانيا وبصحبتهمعدد من المسئولين بالمخابرات الألمانية‏,‏ وروت لهم السكرتيرة كل ما عرفته‏,‏ وكانما تعرفه قليلا جدا‏,‏ ولكن أهم ما اكتشفته السلطات الألمانية أنني طرف في هذهالقضية‏.‏ وفي مقابل اعترافها‏,‏ حصلت من السلطات الألمانية علي قرار يعفيها من كلالمسئولية‏,‏ كما سبق أن تعهدوا لها‏.‏ وبعدها سعي الصحفيون ورائي دون جدوي‏.‏وانتهت القصة بأن وافق القائد الألماني علي تسليم نفسه لألمانيا الغربية لاستكمالفترة سجنه‏,‏ ولم تعترض القاهرة علي قرار القائد الألماني‏’.‏لم الشملوفيموضوع آخر‏,‏ حاول صادق‏,‏ قبل سفره إلي ألمانيا‏,‏ جمع المعلومات المتاحة وقراءةالتقارير السياسية والأمنية الخاصة بالجالية المصرية‏,‏ ومن بين ما سمع‏’‏ وفقالروايته اتهام الطلبة المصريين الموجودين بألمانيا‏,‏ بالانتماء للإخوانالمسلمين‏,‏ أو‏,‏ علي الأقل‏,‏ العمل علي نصرة قضية الإخوان‏,‏ نتيجة نشاط سعيدرمضان ورجاله الموجودين بألمانيا‏,‏ بل رأيت أن هذا الاتهام قد تحول إلي اقتناع لديالمسئولين‏.‏ وأدي هذا الاقتناع إلي التوقف عن بحث واستقصاء الموقف‏,‏ أو محاولةمعرفة الأسباب التي أدت إلي ذلك‏,‏ هذا فيما إذا كان هذا الاتهام يمثل الحقيقة‏.‏ورفضت هذا الاتهام وهذه الصورة‏.‏ وبعد أن وصلت ألمانيا‏,‏ وحتي قبل أن أستقر‏,‏بدأت أتصل بهم وأدعوهم وأحاورهم وأناقشهم وأجيب علي أسئلتهم‏.‏ كانوا في حاجةللرعاية‏,‏ فالبعثة التعليمية والمكتب الثقافي والسفارة‏,‏ ككل‏,‏ تنأي عنهم ولايقوم أي من هؤلاء المسئولين بدوره تجاههم‏.‏ وكان الطلبة‏,‏ من جانبهم‏,‏ ساخطينمتبرمين من هذا الموقف السلبي للمسئولين المصريين‏.‏ بل كانت لديهم شكوك عميقة فيأن معظم الموجودين تابعون لأجهزة الأمن ومن كتبة التقارير‏.‏ وحاولت تصحيح هذهالأوضاع بقدر ما أستطيع‏,‏ وتدخلت وضغطت واتصلت بالقاهرة من أجل هذا الهدف‏.‏ وكانتالغالبية منهم قد ابتعدت كثيرا عن الوطن‏,‏ وافتقدوا بذلك أسرهم التي غابوا عنهاطويلا‏.‏ وكان معظمهم يرفض العودة للقاهرة خشية عدم الخروج منها مرة أخري‏,‏ لأيسبب من الأسباب‏.‏ ومن لم يسافر للقاهرة استفاد من درس البعض الذي سافر للزيارة ولميتمكنوا من الخروج‏.‏وساهم البعد عن الوطن في الانقطاع عن الأخبار‏,‏ وكان مصدرمعلوماتهم أجهزة ووسائل الإعلام الأجنبية‏,‏ بكل ما هو معروف عن موقفها السلبي منمصر ومن جمال عبد الناصر‏.‏ ولم أخف عنهم الحقيقة‏,‏ أجبت عن أسئلتهم‏,‏ وأرضيتفضولهم وشوقهم للمعلومات وبحثهم عن حقيقة ما يجري في الوطن‏.‏ وحاولت أن أزيلالشبهات التي رأوا أنها تحيط بمستقبلهم‏.‏ وبالاتصال المباشر والحوار تولدت علاقةصداقة واحترام بيننا‏.‏ ولم أحاول‏,‏ من قريب أو بعيد‏,‏ أن أشير إلي الصورةالمرسومة لهم أو الاتهامات الموجهة إليهم‏.‏أما نفوذ سعيد رمضان بين الطلبة فلميكن خافيا‏,‏ كان يعمل هو ورجاله بهمة ونشاط‏,‏ مستغلا بعض سلبيات النظام وعدم وضوحالصورة لدي الطلبة‏,‏ وبدأت أجمع معلومات عن سعيد رمضان القائد الإخواني وأعوانهالذين يعتمد عليهم‏.‏ ولفت نظري أن الرجل يعيش في جناح بفندق كبير ومشهور‏.‏واستطعت أن أصل إلي زوجة أحد مساعدي سعيد رمضان وأن أكسب ثقتها‏,‏ فبدأت تحكي ليالكثير مما تعرفه عن العلاقات النسائية لزوجها وللقائد الإخواني‏,‏ وبعد أن اطمأنتووثقت بي‏,‏ سألتها عما إذا كانت مستعدة لعقد مؤتمر صحفي تعلن فيه ما تعرفه‏,‏فوافقت‏.‏ وحضر الصحفيون وبعض المصريين الموجودين بألمانيا‏,‏ وبدأت الزوجة تحكي‏,‏كيف طردها زوجها في الساعة الثانية صباحا‏,‏ بسبب اعتراضها علي وجود امرأة أخري معهبمنزل الزوجية‏.‏ وتحدثت عن سعيد رمضان وزوجها وعن حياة الرفاهية التي ينعمونبها‏,‏ وقالت إنها لاتعرف من أين يأتون بكل هذه الأموال أو كيف؟

‏.‏مظاهرة تأييد لمصرويروي محمد أحمد صادق واقعةمهمة حدثت خلال فترة وجوده بألمانيا‏,‏ فقد‏’‏ أصدرت الحكومة المصرية قانونا يؤثرعلي أوضاع الطلبة ومستقبلهم هناك‏.‏ وجرت عملية تحريض واسعة النطاق قادها اتحادالطلبة والمسئولون الطلابيون بالولايات الألمانية المختلفة‏.‏ وأرسلت عددا منالرسائل والبرقيات لكل مستويات المسئولين أطالب بإلغاء القانون‏,‏ وأحذرهم من إعدادالطلبة لمظاهرة حاشدة معادية لمصر والحكومة والرئيس عبد الناصر‏.‏ وأصم المسئولونجميعا آذانهم‏,‏ بل لم يهتم أي منهم بالرد علي رسائلي وبرقياتي‏.‏ وقبل موعدالإضراب بساعات‏,‏ تساءلت‏:‏ لماذا لا أكتب لعبد الناصر مباشرة‏.‏ فأرسلت له برقيةكالتالي‏:‏ من اللواء محمد صادق‏,‏ الملحق الحربي المصري في ألمانيا‏,‏ إلي الرئيسعبد الناصر‏’‏ سيبدأ الطلبة المصريون في ألمانيا صباح باكر إضرابا ضد مصر وضدكمبسبب القانون الذي أصدره مجلس الوزراء‏.‏ أقترح إعادة النظر في مضمونه‏’.‏ وبعدساعات تسلمت برقية من جمال عبد الناصر يخبرني فيها بأنه يبعث بتحياته إلي أبنائهالطلبة في ألمانيا الغربية و يعتز بهم‏,‏ ويحمل لهم أطيب المشاعر‏,‏ ويطلب منيإبلاغهم بأنه أصدر أمرا بإلغاء القانون فورا‏.‏ واتصلت باتحاد الطلبة في بونوسلمتهم نسخة من برقية عبد الناصر‏,‏ ولم ينم الطلبة وقضوا الليل يتصلون بزملائهمفي الولايات الألمانية‏,‏ لإعلامهم بمضمون رسالة عبد الناصر‏.‏ وفي الصباح تحركتالمظاهرات الطلابية لا كما كان مخططا لها‏,‏ ولكن تأييدا لمصر وعبدالناصر‏’.‏ويعود صادق من ألمانيا عام‏1965,‏ بـ‏’‏ غواصة الجيب التي تتسع لفردواحد كهدية من الأصدقاء الألمان الذين تعاونوا معي طوال سنوات عملي كملحق حربي‏.‏وكان الفريق أول بحري سليمان عزت قائد القوات البحرية قد أبدي اهتماما فائقابالحصول علي معلومات عن هذه الغواصة للبدء في انتاجها في مصر وقد عدت بهذه الغواصةفي رحلة العودة وسلمتها للقوات البحرية‏’.‏الرجل ومذكراته‏:‏ولد محمد أحمدصادق بمحافظة الشرقية عام‏1917‏ وتوفي في‏25‏ مارس‏1991,‏ وبين مولده ووفاته كانتحياة واختبارات ومواقف‏.‏ عندما أخبره الرئيس السادات أنه قرر تعيينه وزيرا للحربيةوقائدا عاما للقوات المسلحة قال له‏:’‏ سيادة الرئيس هناك ما هو أهم‏,‏ فالواجبوالضرورة يحتمان علي تأمين مصر‏,‏ الآن‏,‏ ضد الأخطار المحتملة‏’.‏ كان ذلك ليلة‏3‏ـ‏14‏ مايو‏.1971‏ حيث تمكن السادات من تصفية ما عرف بمراكز القوي‏.‏ وكان صادق قدتمكن‏,‏ في تلك الليلة‏,‏ من إحباط الانقلاب العسكري الذي همت به مجموعة تصورت أنهاالوريث الشرعي لعبد الناصر‏,‏ فألقي القبض علي أفرادها وأفلح في تأمين القيادةالعامة والأفرع الرئيسية للقوات المسلحة‏.‏ صادق وقد اختار‏,‏ بوعيه وإرادته وحسهالوطني‏,‏ أن ينحاز للشرعية‏,‏ لمصر لا للسادات‏,‏ هو نفسه الرجل الذي كان منغمسافي العمل السري قبل ثورة يوليو‏1952,‏ منذ تخرجه في الكلية الحربية في عام‏1939,‏برفقة عبد الحكيم عامر‏,‏ كمال الدين حسين‏,‏ صلاح سالم‏,‏ صلاح نصر وآخرين‏.‏وعندما نجحت الثورة كان عليه أن يختار بين المنصب المدني أو الاستمرار في الحياةالعسكرية‏,‏ واختار صادق أن يستمر‏,‏ حيث كانت أقداره في انتظاره‏..‏ رئيس أركانالقوات الموجودة بسيناء خلال عدوان‏1956,‏ ملحقا حربيا في ألمانيا الغربية‏,‏ كبيرالمعلمين بالكلية الحربية‏,‏ ثم مديرا للمخابرات الحربية‏.‏ وبعد شهور من تعيينهتقع نكسة يونيو‏1967‏ ويكون شاهدا هناك‏,‏ يشكل المجموعة‏’39‏ قتال‏’‏ لتعمل خلفخطوط العدو‏,‏ أثناء معارك الاستنزاف‏,‏ إلي أن يتوقف إطلاق النار في أغسطس‏.1970‏وبرحيل عبد الناصر يندلع الصراع علي قمة السلطة‏,‏ ومن موقعه كرئيس لأركان القواتالمسلحة يتحمل تبعة الاختيار‏.‏ ثم كوزير للحربية وقائد عام للقوات المسلحة يشاركفي التخطيط لمعركة أكتوبر‏.‏ ومن جديد يحتفظ بموقعه في وزارة د‏.‏ محمود فوزيالثانية‏(‏ سبتمبر‏1971).‏ وزير الحربية والإنتاج الحربي إلي أن تمت إقالته في‏26‏أكتوبر‏1972.‏ هذا هو الرجل‏,‏ وهذه شهادته ننشر جانبا منها في هذه الحلقة والحلقاتالتالية‏,‏ لمصر وللأجيال القادمة‏,‏ للذاكرةوللتاريخ‏.‏