بسم الله الرحمن الرحيم

أسرار ما بعد الموت

قد يرغب بعض الناس في معرفة ما يخاف منه ويجهله , فهو يخاف الموت ويجهل ما بعده , أي يخاف المجهول ولكنه يسأل نفسه ماذا بعد الموت ؟ وهل تنتهي ألام الدنيا وعذابها أم تبدأ ؟ وهل نتخلص من هذا العذاب الذي يراه البعض في حياته اليومية أم لا ؟ ولا علم لنا إلا ما أراد الله لنا أن نعلم , ويمكن أن يكون هذا رفقا بنا فكلما زاد علم الإنسان زاد شقاؤه , وهل الموت هو نهاية وجود الإنسان أم أننا سنقوم من الموت لمواجهة الدينونة والمكافآت الأبدية ؟ .

وقد ينفي الماديون أن هناك حياة بعد الموت , بينما نؤمن نحن بوجودها وإذا لم تكن هناك حياة بعد الموت أو مكافأة لأصبحت الحياة بلا معني ولا هدف فالبعث بعد الموت حق لا مجال للتشكيك فيه والحساب أيضا لا شك فيه , كما قال الله تعالي في كتابه الكريم {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} (281) سورة البقرة

وكان المصريون القدماء يهتمون بالحياة بعد الموت إيمانا منهم بالبعث , ويقيمون المقابر ويزينونها ويجهزونها بالصور و النقوشات الجميلة و الأثاث والذهب كي يحتفظون بها لأنفسهم عندما يستيقظون من الموت ونرى أنها حضارة قد أخذت أوج مجدها ثم تركت لنا أثارها , لحكمة من الله يعلمها وحده لقوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (141) سورة البقرة

وحين يتوفى الله الأنفس يقال لها عند المفارقة أخرجي أيتها النفس المطمئنة الطيبة أو العكس وذلك في قوله تعالى , ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (30 ) سورة الفجر ونجد هنا أن الروح والبدن ترتبطان ببعضهما وتتأثر أحدهم بالأخر ولهذا يقال لها عند المفارقة أخرجي أيتها النفس الطيبة, فالأرواح لا تمسك ولا تؤخذ من يد إلي يد , ونري ذلك في قوله تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (42) سورة الزمر

فوصفها بالتوفي والإمساك و الإرسال كما وصفها بالدخول والخروج والرجوع والتسوية وأنها تصعد إلى السماء ويصلى عليها كل ملك لله بين السماء و الأرض و أنها تُفتح لها أبواب السماء فتصعد من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة فتقف بين يديه سبحانه ويأمر بكتابة أسمه في ديوان أهل عليين هذا إذا كانت من روح عباده الصالحين , ثم ترد إلى الأرض عكس روح الكافر , وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ( أن بصر الميت يتبع نفسه إذا قبضت )أخرجه مسلم , وأن الملك يقبضها فتأخذها الملائكة من يده فيوجد لها رائحة كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض, وإن كانت خبيثة فتوجد لها رائحة كأنتن رائحة جيفة وجدت على وجه الأرض

وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن أرواح قوم فرعون أنها تعرض علي النار غدوا وعشيا قبل يوم القيامة , وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وهذه حياة أرواحهم وقد رزقها دارا , و إن أرواحهم في جوف طير خضر كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم , وأن لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل المعلقة فأطلع إليهم ربهم فقال : هل تشتهون شيئا ,قالوا أي شئ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا , فعل بهم ربهم ذلك ثلاث مرات فقالوا ( نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى) .

ومصداق ذلك قوله تعالى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (169) سورة آل عمران و قد قال الرسول الكريم بأن الروح تعود إلى الميت في قبره وقت سؤاله وأنه يسمع خفق النعال لأصحابه إذا ولوا عنه مدبرين فيأتيه ملكان (شديدا الإنتهار ) ويجلسانه فيقولان له وما عملك فيقول قرأت القرآن فأمنت به وصدقت فينتهره فيقول , من ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ وهي أخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله عز وجل {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء} (27) سورة إبراهيم فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ( صلى الله عليه وسلم) فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة و افتحوا له بابا إلى الجنة ,قال : فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره , قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول : ( أبشر بالذي يسرك أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم )قال من أنت ؟ قال له أنا عملك الصالح( فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصيته فجزاك الله خيرا) ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال : رب عجل قيام الساعة فيقال له : أسكن .

أما العبد الكافر بالله ينزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسوح (من النار) فيجلسون منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلي سخط من الله وغضبه قال فتفرق في جسده فينتزعها فتقطع معها العروق والعصب فيلعنه كل ملك بين السماء و الأرض وتغلق أبواب السماء وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم .

وتقول الملائكة ما هذه الروح الخبيثة فيقولون هي روح فلان بن فلان بأقبح الأسماء التي كان ينادى بها في الدنيا , حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فلا يفتح له ولا يدخل الجنة ثم يقول الله تعالى في حديثه القدسي : (أعيدوا عبدي إلي الأرض فإني قد وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ,ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه من السماء طرحا( حتى تقع في جسده ) كما في الحديث القدسي (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) فتعاد روحه في جسده و يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه , ولنعلم أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب وأن ذلك يحدث لروحه وبدنه معا.

وقد ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام حديثا عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال :( إنهم ليعذبان وما يعذبان في كبير , أما أحدهما فكان لا يستتر من البول وأما الأخر فكان يمشي بالنميمة , وقد أقتضى عدل الله أن كل نفس لابد لها أن تذوق الموت كما قال الله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (35) سورة الأنبياء,وقد أقتضى عدله أيضا أن تحاسب كل نفس وأن تنعم أبدان أوليائه وأرواحهم وتعذب أبدان أعدائه وأرواحهم هذا موجب عدل من الله وحكمته وكماله المقدس ,

ولما كانت دار الدنيا دار تكليف وامتحان لا دار جزاء لم يظهر فيها ذلك , و أما البرزخ فأول دار الجزاء فظهر فيها من ذلك ما يليق بتلك الدار وتقتضي الحكمة إظهاره ,فإذا كان يوم القيامة الكبرى يوفى أهل الطاعة وأهل المعصية ما يستحقونه من نعيم الأبدان والأرواح وعذابها , كما قال الله تعالى ({وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} (93) سورة الأنعام وهذا دليل على أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن .
والله الموفق لما يحبه ويرضى ولله الحمد ,كما ينبغي لجلال وجهك الكريم

الكاتبة / أ / وفاء احمد التلاوي