أبو إسماعيل.. الامتحان الذي رسبنا فيه!!


وليد فكري


Apr 9 2012
آخر تحديث 17:39:21



أغلب مَن هاجموا أبو إسماعيل ينتمون إما للتيار الليبرالي أو اليساري




أولا.. أنا لستُ من مؤيّدي الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل كمرشح للرئاسة، ولست على اتفاق مع كثير مما يقول، ولي على الرجل تحفّظات كثيرة، ولكني أحترمه كشخصية ثورية محترمة، وكشخص يبدو جليا إخلاصه للقضية..

أقول هذا حتى لا يعتقد البعض أن ما يلي من المقال دافعه تحيّزي له أو تأييدي.

لا يُهمّني كثيرا -في موقفنا هذا من قضية جنسية والدة أبو إسماعيل رحمها الله- ما إذا كان الشيخ حازم صادقا أم كاذبا!! بقدر ما أهمني بشدة تفاعل الكثيرين مع الأمر؛ فبالنسبة للحملة العاتية التي هبت ضد الرجل، كان يمكن أن أتفهمها لو كانت قد انفجرت فيه بعد اكتمال أدلة واضحة قاطعة على كذبه -لو كان كاذبا- أما ما جرى؛ فهو أن مَن هاجموه كأنما هم "ما صدّقوا" أن يضعوا أيديهم على نقيصة للرجل ليسلخوه سلخا بهجومهم وسخريتهم القاسية، وهذا مع أول كلمة قيلت عن الجنسية الأمريكية لوالدته.. دون أن يعطوا أنفسهم فرصة للتفكير أو التحليل أو التأمّل في المعطيات التي على أساسها نحدّد موقف الشيخ حازم من البراءة أو الإدانة؛ فلنواجه أنفسنا بقوة وصرامة ونسأل: "كم منّا أعطوا أنفسهم الوقت الكافي لتحليل المعطيات قبل أن يُحدّدوا موقفهم من الاتهام الموجّه للشيخ حازم؟ كم منا توفّرت لديهم معطيات مُرضية لعقولهم لتساعدهم على اتخاذ القرار وتحديد الموقف؟".

مع الأسف.. نسبة ضئيلة جدا ممن أدانوا الشيخ حازم أبو إسماعيل أعطوا أنفسهم الفرصة للتفكير، أو حرصوا على عدم المسارعة للإدانة قبل توفّر الدليل.

شيء مؤلم ومشين ومقزز جدا.. أبسط قواعد العدل تقول إن "الأصل في الإنسان البراءة"، وإن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"؛ فلماذا تمّت إدانة الشيخ أبو إسماعيل بهذه السرعة من الجماهير المختلفة معه؟ والسؤال الأكثر إلحاحا "هل لو كان مكان أبو إسماعيل أي شخصية أخرى ليبرالية أو يسارية كان التفاعل ليكون بهذا الشكل المخزي؟".. أثق أن الإجابة بالنفي؛ فالنشطاء والثوريون دائمو التشكك في أي اتهامات توجّه لمن ينتمي لهم، ولديهم حصيلة كبيرة من التفسيرات والتبريرات والتحليلات المؤكّدة لبراءة هذه الشخصية أو تلك ممن تطالهم الشائعات والتهم، فلماذا لم يحدث المثل مع الشيخ أبو إسماعيل؟ هل نحن هنا أمام عدالة انتقائية من الثوار تُمنَح لمن ينتمي لتياراتهم ويُحرَم منها من ينتمي لتيار منافس أو مخالف؟ هل تحفّظات كثير منا على بعض أقوال الشيخ حازم مثل مسألة "البيبسي وإسرائيل" وجهله -من وجهة نظري- بكثير من بديهيات المعلومات السياسية والاقتصادية، أمر يُبرّر أن نعتبره مدانا على طول الخط؟

ألا يُفتَرَض في تقييم الأفعال والمواقف أن يتمّ بغضّ النظر عن أصحابها؟ عن نفسي أفعل هذا؛ فحين أرغب في تقييم موقف ما؛ فإني أفصله عن فاعله وأنظر له مجردا -كيلا أتأثّر بموقفي من صاحبه حبا أو كرها- ثم أحكم على الموقف بحيادية، وبعد ذلك أعيد نسبه لصاحبه، وأحكم عليه على أساس حكمي على الفعل.. هل هذا أمر عسير ذهنيا أو أخلاقيا؟

وعودة لأزمة أبو إسماعيل.. مع الأسف كل التبريرات التي قُدّمت لي ممن سارعوا لإدانة الرجل واهية، فإنْ كان المبرر أن "الأوراق الرسمية قالت إن والدته تحمل جواز سفر أمريكيا" فردي هو "أليست تلك الأوراق الرسمية صادرة عن حكومة ونظام أنت نفسك تخرج لتهتف ضده؟ فكيف فجأة اكتسب عندك هذه المصداقية في يوم وليلة؟".

وإن كان المبرر "الخارجية الأمريكية صرّحت باكتساب والدته -رحمها الله- الجنسية؛ "فالإجابة" أليست هذه هي أمريكا التي نتهمها ليل نهار بتزوير الحقائق؟".

والبعض يقول لي: "ولماذا لا يقدّم أدلة براءته"، وهو سؤال مستفز؛ لأن المفترض أن البيّنة على من ادّعى.

وأنا هنا لا أدافع عن الشيخ حازم ولا أنفي عنه التهمة؛ فعن نفسي لي قناعاتي الخاصة التي أرجو أن يسمح لي القارئ أن أحتفظ بها لنفسي، ولكني أُبدي اعتراضي على أسلوب التفكير والتعامل غير العقلاني ولا العادل مع مواطن مصري من ثوار المفترض أنهم خرجوا وحملوا أرواحهم على أكفهم؛ طلبا للحق والعدل والإنصاف.

والسؤال هو: لماذا "انفجر" رد الفعل هذا في وجه الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل؟

مع الأسف.. فإن أتباعه ومريديه يُقدّمون مبررا أراه في غير محله، وهو أن مَن يهاجمونه "حاقدون عليه لشعبيته وخائفون من تفوّق كرمز لزعامة إسلامية لمصر".

وهو إن كان يصلح كتفسير لحال البعض؛ فإنه لا يمكن تعميمه على الجميع.. الإجابة -مع الأسف- أن نسبة كبيرة ممن هاجموا الشيخ حازم ينتمون إما للتيار الليبرالي أو للتيار اليساري، وهما تياران يشعر كثير من المنتمين لهما أن لديهم "ثأر بائت" عند التيار الديني، بعد حملات التشويه التي تعرّض لها الليبراليون واليساريون منذ استفتاء مارس 2011 ومرورا بالمليونيات المختلفة، فضلا عن برامج القنوات الدينية وخُطب بعض الشيوخ المشهورين؛ فثمة إحساس بغضب مكتوم ينتظر صاحب أول سقطة لينفجر فيه.

ولا أقول إن هذا هو موقف كل أهل التيارين المذكورين، ولكن نسبة ضخمة جدا منهم مع الأسف الشديد.

ولكن حتى هذا ليس بالمبرر المقبول أخلاقيا لما جرى من هرولة إلى تصديق التهمة على الرجل قبل تُوفّر كل الأدلة والقرائن والمعطيات، وإن كان كثير منها قد توفّر الآن؛ فإن "الحملة" الشرسة عليه لم تنتظر أي أدلة، بل فورا انطلقت من عقالها مع أول حديث عن موضوع الجنسية هذا.

هل هذا هو المُنتظر منا؟ هل هذا الأمر خطأ عادي يمكننا أن نتعايش معه ونتجاوزه؟ بالطبع لا.. فنحن أمام نقيصة أخلاقية وعقلية فادحة يمكنها أن تدمّر مستقبلا كل ما نرمي إليه هو بناؤه، وحتى وجود غصّات مكتومة أو ضغائن بائتة ضد بعض -أو حتى كل- التيار الديني ليست مما يبرّر أن نقع في خطيئة الظلم ونقيصة الاندفاع الأعمى، وإلا فما الفرق بيننا وبين من عمموا علينا الأحكام بمعاداة الدين والسعي لهدم الشريعة والرغبة في إشاعة الفاحشة؟ ألا يقول الله تعالى لنا: {ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} أليس المُنتظر منا أن نعامل الناس بما نحن أهله قبل أن نعاملهم بما هم أهله؟

شيء مخجل جدا، كل ما جرى، وأشعر بغصة وضيق شديدين حين أتخيّل لو كان هذا الموقف وقع لدكتور البرادعي أو للأستاذ حمدين صباحي مثلا، بل ربما لو حدث لأحد مرشحي الفلول ما كان ليوجد مثل هذا الحماس الذي وُجِدَ في السرعة المذهلة لتصديق التهمة على أبو إسماعيل.

وأرجو ألا يشعر رفاقي الليبراليون واليساريون أني أقسو عليهم، فأنا كمصري حريص على مصلحة وطنه، وليبرالي مقتنع بمبادئ تياره، أرفض أن نقع في مثل تلك السقطات المشينة.

وأُكرّر.. أنا لا يهمني إن كان الشيخ حازم صادقا أم كاذبا في تلك القضية بقدر ما يُهمّني أن نكون نحن صادقين مع أنفسنا وعقلانيين في حكمنا على الناس، وإلا فويلٌ لتلك الثورة وهذا الوطن منا!!