"السلام عليكم". ألقى التحية شاب متحمس وهو يدخل إلى محل الخطاط. في كل ركن من المحل كانت هناك لوحات من الورق والقماش عليها عبارات ثورية، وكان الخطاط يرسم لوحة جديدة عندما دخل الشاب فالتفت اليه وقال: "أهلا بشباب الثورة، أي خدمة. عندنا كل حاجة، بخط اليد، بالكمبيوتر، على الورق ، أو على القماش أو على البلاستيك. كل المنشورات اللي في التحرير واليافطات والدعايات مطبوعة عندنا بعون الله وكله علشان مصر".

قال الشاب:" أنا عايز اطبع حاجة علشان المسيرة بتاعة بكره، بس عايزين فكرة جديدة". قال الخطاط:"ادخل في المكتب اللي جوا حاتلاقي الواد جوبز قاعد على الكمبيوتر خليه يختار لك حاجة من اللي بتطلع على النت، بس ده حايكلفك عشرة جنيه زيادة". اعترض الشاب:"ليه كده يا حاج؟ مش احنا بنعمل كل ده علشان مصر؟". قال الحاج الخطاط:"أيوه علشان مصر بس يعني نشتغل ببلاش؟ والواد جوبز قاعد يجمع الشعارات والهتافات بقاله كام شهر من كل حتة على النت كل ده ببلاش؟ انت عارف اصحابه مسمينه جوبز ليه؟" ثم نادى على جوبز ليأخذ من الشاب طلباته.

طلع جوبز من المكتب وقال للشاب وهو يصطحبه للداخل:"نورت يا كابتن. فعلا، انا اللي مجمع الجهاز ده بنفسي علشان كده العيال والحاج والناس كلها مسمياني جوبز على اسم الراجل اللي اخترع الكمبيوتر، انا اخترعت واحد زيه بالظبط". قال الشاب:"ايوه بس ده جهاز ويندوز مش ماك". ارتبك جوبز بشده وقفز الخطاط من مكانه واقتحم الغرفة فجأة وهو يصرخ :"بقولك ايه يا كابتن. انت تطبع اللي انت عايزه من غير ما تجيب سيرة كنتاكي ولا ماك، احنا مش عايزين مشاكل وحياة أبوك!"

قال الشاب موضحا:"لا أنا قصدي ان الجهاز ده.. واللا أقولك، خلاص مش مشكلة. بس يا جوبز، انا عايز شعار جديد للمسيرة اللي حانعملها بكره". فتح جوبز صفحة على الجهاز، وقال للشاب:"لكن احنا ما تعرفناش باسم سعادتك". قال له الشاب اسمه فقال جوبز:"ايوه علشان نديه للظابط!". قال الشاب صارخا: ايه؟ ظابط؟". قال جوبز:"قصدي الراجل اللي بيظبط الطلبات علشان لما تيجي تستلم طلباتك ما تتلخبطش مع باقي الزبائن". قال الشاب:" ايوه بس انا لسه ما طلبتش حاجة اصلا، افتح لي الصفحة دي اللي مكتوب عليها قفشات الأفلام أشوف فيها ايه"

فتح جوبز الصفحة وسأل الشاب:"انت بتحب مين من الممثلين؟" قال الشاب:"أي حاجة، شوف لنا عادل امام مثلا". فتح جوبز الصفحة وقال للشاب:" خد دي: ياأنا يا المشير في قلب التحرير". فكر الشاب قليلا ثم قال:"لا مش قوية". قال جوبز:"طيب ايه رأيك في دي: بلدي طنطا وأنا أحب احكم أونطة!". قال الشاب:"ايوه ماشي. دي حلوة، اطبعهالي ومعاها صورة المشير!" تظاهر جوبز بالارتباك ثانية وقفز الخطاط داخل المكتب مرة ثانية وقال:"يابني احنا مش عايزين مشاكل، احنا ممكن نطبع لك صورة عادل امام. لكن صورة المشير حاتكلفك كمان عشرة جنيه! انت كده بتعرضنا للخطر!"

قال الشاب بنفاذ صبر:"يعني كل المطبوعات واليافطات دي مش خطر واليافطة بتاعتي هي اللي حاتحبسك يعني؟ ماشي يا عم الحاج، خد ادي الفلوس كلها وحاعدي عليك بكره أخد الحاجة". قال الخطاط بتأثر مصطنع:" انت فاكر اننا بنعمل كده ليه؟ ماهو كله علشان مصر. انت عارف الشباب بيسيبوا عندي بياناتهم علشان لو حد حصل له حاجة زمايله يسألوا عنه هنا، أنت معاك صورة شخصية ليك؟". قال الشاب بتردد:"ايوه ليه؟" قال الخطاط:"سيبها مع بياناتك، ولو حصل لك حاجة حاننزلها لك في يافطة من بتوع الورد اللي فتح في الجناين، وريله يا جوبز واحدة منهم. دول بقى يا كابتن بنعملهم ببلاش لله وللوطن".

اخذ الخطاط النقود وبيانات الشاب وصورته وودعه بلطف ومحبة متمنيا له وللشباب ولمصر كل التوفيق. وما إن غادر الشارع حتى التفت إلى جوبز وقال له:" واد يا جوبز، خد بيانات الواد ده والصورة بتاعته من على المكتب بتاعي وروح بسرعة للباشا قول له ادي واحد جديد وقع في ايدنا النهاردة، وما ترجعش إلا لما تاخد منه عشرة جنيه، مش كل مرة نروح نديله بيانات الشباب وما ناخدش حاجة. احنا بنتشغل علشان مصر ولازم مصر تدينا زي ما بنديها"

ثم رفع هاتفه المحمول واتصل بالباشا ليبشره بالصيد الجديد ويذكره ألا ينسى هذه المرة أن يعطي عشرة جنيه للواد جوبز علشان غلبان ومزنوق في كارت شاشة وطمعان في كرم معاليكم وكرم مصر..
* * *
في غرفة مظلمة جلس الباشا ومعه بعض الجنود وأمامهم فتى متهم يرتعش خوفا، قال الباشا وهو يحقق مع الفتى:"انت متهم باتهامات خطيرة عقوبتها ممكن توصل للاعدام. تعاون معانا علشان نخفف عنك". قال الفتى:"انا معرفش حاجة، وعمري ما نزلت في مظاهرة اساسا. ياباشا فيه حاجة غلط". قال الباشا:"مش هي دي صورتك؟ وده اسم مدرستك وده رقم فصلك". قال الفتى:"ايوه، دي صورتي وده فصلي وكل حاجة. بس انا معرفش انتم بتتكلموا عن ايه. اصلا ابويا قالي ماروحش التحرير ولا ليه دعوة بالمظاهرات خالص". قال الباشا:"اذن نكتب في التحقيق انك كنت بتنزل رغم ان اهلك كانوا معارضين، طيب ومين كان بيجيب لكم الأكل وانت بره؟" قال الفتى:"انا معرفش، انا كنت باكل مع اصحابي". قال الباشا:"طيب ، نكتب ان فيه جهات صديقة بتمول وجباتك. تحب تقول حاجة تانية".

قال الفتى:"ايوه، عايز اكلم حد في التليفون، من اهلي أو اصحابي أو حتى محامي. انتم حاتحبسوني من غير محامي؟" قال الباشا وهو يغلق التحقيق:"انت عارف انا عندي كام الف واحد زيك؟ لو كل واحد حايتكلم في التليفون حانبقى في سنترال وعلى مايجي حد يشوفه ويطلب محامي حانقعد ولا سنتين على ما نخلص البشر دي كلها. انا حاديك خمس سنين سجن علشان انت شكلك ولد طيب، فيه ناس تانية خدوا عشرة وعشرين. احمد ربنا وتعالى امضى على المحضر قبل ما اغير رأيي". وقع الفتى على المحضر وهو متعجب من كل شيء وركب سيارة السجن العسكرية واختفى في نهاية الطريق..
* * *
عندما عاد جوبز للمحل وجد الخطاط يبحث عن شيء فوق المكتب المتناثرة عليه الأوراق والأدوات. قال جوبز:" بتدور على حاجة يا حاج؟". قال الخطاط: "ايوه، ابني اللي في المدرسة كان جايب لي صورته علشان اعمل له لوحة مدرسية للفصل بتاعه. مش عارف راحت فين وسط الورق. دور كده معايا يمكن تكون وقعت تحت"


قال جوبز بقلق:"هو انت كنت حاططها فين بالظبط يا حاج؟" أشار الخطاط للمكان الذي كانت فيه الصورة وبيانات الولد. تظاهر جوبز بالبحث قليلا ثم قال للحاج:"على فكرة انا عايز اقدم استقالتي ومش عايز باقي مرتب الشهر ده ولا حتى جهاز الكمبيوتر بتاعي، سلامو عليكم!" ومشى من المحل بخطوات سريعة بينما الحاج يهز رأسه في عدم فهم ويقول لنفسه:"الواد جوبز اتجنن واللا ايه؟". هم بالخروج من المحل لينادي على جوبز ليعود ويشرح له ما قاله. لكنه تذكر اللوحة المدرسية التي يجب ان ينجزها اليوم. اخذ هاتفه ليتصل بابنه ليرسل صورة ثانية بدل التي ضاعت.

ولكن بدلا من ان يرد عليه ابنه، رد عليه صوت مألوف قائلا إن الرقم خاطئ! أعاد الاتصال مرة اخرى وهو يحاول أن يتذكر صاحب الصوت المألوف ولما رد الطرف الثاني تذكره الخطاط وقال: "سعادة الباشا! انا كنت باكلم ابني بس الظاهر اني اتصلت بمعاليكم بالخطأ". قال الباشا:" لا خطأ ولا حاجة. ده تليفون ابنك فعلا، وابنك كان عندنا واخد خمس سنين. انا مش عارف أقولك ايه يا حاج. انت فعلا من المواطنين الشرفاء. علشان مصر بتبلغ حتى عن ابنك!"

قال الخطاط وهو مذهول:"ايوه، بس .." قاطعه الباشا:"انا مش فاضي دلوقتي، العشرة جنيه بعتهالك مع جوبز بتاعك. اقفل وما تتكلمش كتير لحسن ابعت اخليهم يجيبوك انت شخصيا، وانت عارف بقى كمية التهم اللي حاتتوجهلك علشان المحل بتاعك بيساعد في التحريض". اغلق الخطاط الهاتف مقهورا، ثم رماه على المكتب وخرج من المحل إلى الشارع وهو يصيح:"عملتها يا جوووووووووووبز، نهارك مش فايت يا بتاع قفشات الافلام. دا انا لو قفشتك دلوقت مش حاسيبك غير وانت متعلق مع الورد اللي فتح في الجناين. استنى يا جووووووبز. يا جوووووبز!"


المصدر:ابناء مصر