نيل آرمسترونغ وقتها... والآن

تخير الأميركي نيل آرمسترونغ، أول إنسان يطأ سطح القمر، العيش في عزلة إعلامية لأكثر من أربعة عقود منذ الحدث التاريخي. لكنه عندما قرر الكلام، اختار جهة لا علاقة لها سواء بالصحافة أو التكنولوجيا الحديثة، فألقى بتفاصيل ظلت مخفيّة طوال تلك الفترة.
بعدما جابت شهرته الآفاق لكونه أول إنسان تطأ قدمه سطح القمر في 20 يوليو / تموز 1969، اشتهر نيل آرمسترونغ أيضا بعزوفه الشديد عن اللقاءات الإعلامية... حتى الآن.والفضل في هذا السبق المشهود الذي كسر فيه رائد الفضاء الأميركي حاجز الصمت يعود، دون سائر الناس، الى اليكس مالي، المدير التنفيذي في «رابطة المحاسيبين الاستراليين».فقد تمكّن من إقناع آرمسترونغ بالحديث لمدة ساعة عن قصة المركبة الفضائية «أبوللو 11» ورحلتها الرائدة الى القمر. وفي معرض فوزه بهذا السبق الإعلامي الهائل يقول مالي لصحيفة «غارديان» البريطانية: «أعلم عن آرمسترونغ ما لا يعلمه معظم الناس وهو أن أباه كان محاسبا»!





وفي اللقاء الأول من نوعه، الذي بثه موقع رابطة المحاسبين على الإنترنت، كشف آرمسترونغ شعوره بخوف اعتراه من أن فرص هبوطه بسلام مع رفيقيه على سطح القمر لا تتعدى 50 في المائة. وأعرب أيضا عن أسفه لأن حماسة الحكومة الأميركية إزاء «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا) ومهامها الفضائية في هذا القرن الحادي والعشرين تقلصت كثيرا بالمقارنة مع ما كان الحال عليه في ستينات القرن الماضي. ووصف هذا الأمر بأنه «محزن» لأنه يجعل مهمة المضي على هذا الطريق صعبة بالنسبة للجيل اليافع وأيضا للأجيال المقبلة.وعاد رائد الفضاء الشهير بالسنين الى طفولته فقال إن الطيران هو الذي استهواه واستولى على مخيلته أكثر من أي شيء آخر في تلك الفترة. واعتبر أن هذا هو الأساس الذي انطلق منه ليصبح طيّارا مقاتلا في الحرب الكورية أولاً، ثم طيار اختبار بعدما أصدر الرئيس جون كنيدي تحديه الى العلماء الأميركيين بالهبوط على سطح القمر.وكان كنيدي قد قال وقتها إنه يركن الى التحديات من هذا النوع «نحديدا بسبب صعوبتها وقربها الى الاستحالة... هذه هي التحديات التي سنتظّم طاقاتنا ومهاراتنا بحيث نقرر أن السبيل الفضلى أمامها لا تمر عبر رفضها أو تأجيلها وإنما بقبولها واجتيازها وتحقيق النصر في مختلف آفاقها».وكان أقصى نجاح سجلته الولايات المتحدة وقتها هو إرسال الرائد ألان شيبارد 160 كيلومترا ولفترة 20 دقيقة فوق سطح الأرض. وقال آرمسترونغ: «كان ما يطلبه الرئيس كنيدي وقتها يقع في خانة ما لا يصدقه العقل. فوصول شخص الى 160 كيلومترا فوق سطح الأرض شيء والوصول الى القمر نفسه، من الناحية التقنية - الفعلية، شيء آخر تماما».ويضيف قوله: «مهمة الهبوط على سطح القمر كانت تعني مواجهة المجهول الذي لم يخضع لأي تجربة أرضية. ولهذا فقد كان واردا أن يجبرنا هذا المجهول على التخلي تماما عن هدفنا والعودة بمركبتنا الى الأرض. وعلى هذا الأساس فقد كانت حساباتي هي أن فرص هبوطنا على سطح القمر نفسه 50 في المائة وأن الأرجح بنسبة 90 في المائة أننا سنعود الأرض بدون إنجاز المهمة».




ويقول آرمسترونغ إن النزول الى سطح القمر نفسه كان تحديا آخر. فقد اختار الكمبيوتر على متن «ابوللو 11» له - ولرفيقه باز اولدرين - النزول بالعربة القمرية The Eagle (النسر) على سفح تلة شديدة الانحدار وتعج عن آخرها بالنتوءات الصخرية. فقرر آرمسترونغ تواً أن يتولى قيادتها يدويا وطار بها مثل هليكوبتر باتجاه الغرب الى سطح مستو وخال من الصخور الناتئة ثم هبط بها قبل أن ينفد خزان وقودها بعشرين ثانية فقط.
وما أن نزل من المركبة حتى نطق بعبارته الشهيرة: «خطوة صغيرة لرجل واحد... قفزة هائلة للجنس البشري». وقال إن هذا الحال السوريالي - المتمثل في وقوفه فعلا على سطح القمر - كان مدعاة للوقوف والتأمل الى ما لا نهاية، لكن الوقت لم يكن متاحا لهذا.
وقال آرمسترونغ إنه شهد، خلال السنوات الطويلة منذ إكمال مهمة الهبوط على القمر، طموحات «ناسا» وهي تضمحل رويدا رويدا «بسبب قرارات إدارية محض». ومضى يقول: «للأسف فلدينا في الولايات المتحدة مباراة في الشطكوك (كرة الريشة) بين البيت الأبيض من جهة والكونغرس من الجهة الأخرى، والريشة هي ناسا... كل منهما يقذف بها للآخر».

المصدر:ايلاف