بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد..
هذه الورقات عن الحاكمية لعموم المسلمين، من رأى خيرًا فيها، وأراد طباعتها أو نشرها فجزاه الله خيرًا.



1 - صفات المشرع:
إن التشريع أمر عظيم جدًا، بل في غاية الخطورة؛ لأنك ترسم مستقبل جيل بل أجيال عديدة، فالقانون بلا شك يؤثر على الناس إيجابًا وسلبًا.
لذلك فما الصفات التي يجب أن توجد في المشرع؟؟
لا بد أن يكون المشرع عالمًا بالماضي؛ حتى يتجنب مساوئه، ويتبع محاسنه، وعالمًا بالحاضر حتى يضع له القانون المناسب، وعالمًا بالمستقبل؛ حتى لا يأتي المستقبل مصادمًا لما تم العزم عليه، ويجب أن يكون هذا العلم شاملًا لا يشوبه نقص.
بل يجب أن يكون المشرع عالمًا تمام العلم بما في داخل كل نفس إنسانية تعيش في المجتمع، وما الذي يناسبها، وكيف يَزْجُر المجرم منهم عن اقتراف الجريمة؟! وكيف يُحَفِّز الصالح منهم إلى خدمة أمته؟
و لا بد أن تكون حسابات هذا المشرع مضمونة مائة بالمائة؛ فالخطأ في هذا، سيورط أمة بأسرها، وربما يَهوي بها في أسفل سافلين.
ويجب أن يكون هذا المشرع قادرًا على كل شيء، وبيده مفاتيح كل شيء؛ حتى نضمن قدرته على تحقيق طموحات الجماهير.
فمن يا ترى تنطبق عليه هذه الصفات؟

قال تعالى : " أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"[1] فصانع أي جهاز لا بد أن يضع له دليلًا يوضح كيفية تشغيله (كتالوج) فكيف يترك خالق هذا الكون ذلك؟
وقال تعالى : " أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ"[2] وأسرع الحاسبين بمعنى أنه لا يحتاج إلى تفكير وحساب كما يفعل البشر.
وقال تعالى : " وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ"[3]
وقال تعالى: " أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُون".[4]
قال الحسن البصري :
"من حكم بغير حكم الله، فحكمُ الجاهلية"
فهل سنختار الإسلام أم الجاهلية؟
2 - منزلة التحاكم إلى الشريعة من الإيمان:
يظن بعض الناس أن أمر تحكيم الشريعة يختص بحزب النور، أو حزب الحرية والعدالة، أو بالإخوان، والسلفيين، وهذا أمر في غاية البطلان.
ويظن آخرون أن تحكيم الشريعة شيء جيد، إن فعلناه فلنا أجر، وإن لم نفعله، فالأمر هين لا إشكال، وهذا كسابقه في البطلان.
ويظن فريق ثالث أن تحكيم الشريعة فريضة عادية من فرائض الإسلام من فعلها فهو مأجور، ومن تركها فهو آثم، وهذا التصور فيه قصور ونقص.
وذلك لأن تحكيم الشريعة ليس مجرد فريضة عادية بل هو شرط من شروط للإيمان:
قال تعالى: " فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً"[5] فانظر كيف أقسم الله تعالى على نفي الإيمان عمن لم يُحَكِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو راض لا يشعر بحرج –ضيق – من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً"[6] فالذي يترك التحاكم إلى القرآن الكريم، ويتحاكم إلى الطاغوت – وهو كل منهج يخالف منهج الله –من يفعل هذا فإيمانه مجرد زعم وليس حقيقة.
وقال تعالى : " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ"[7]
وقد عَدّ الله تعالى التحاكم إلى البشر عبادة لهم، فقال تعالى : " اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ"[8] فاليهود والنصارى لم يعبدوا الأحبار والرهبان بالركوع والسجود، بل عبدوهم بالتحاكم إليهم، فالعبادة في اللغة العربية هي الطاعة مع الخضوع[9].
وترك التحاكم إلى القرآن موجب لشكوى النبي صلى الله عليه وسلم منا يوم القيامة، قال تعالى : " وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً"[10]
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى موضحًا أنواع هجر القرآن الكريم:[11]
"وَالثَّالِث هجر تحكيمه والتحاكم إِلَيْهِ فِي أصُول الدّين وفروعه".

ولذلك أمرنا الله تعالى في آيات كثيرة، بالتحاكم إلى شريعته:
قال تعالى : " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ"[12]
وقال تعالى : " ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"[13]
وقال تعالى : " اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ"[14]
3 - أقوال العلماء السابقين:
لقد أسلم قوم من التتار وقالوا الشهادتين، ولكنهم رفضوا أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية، وقالوا لن نترك قانون جدنا " جنكيز خان"، وكان جنكيز خان قد كتب قانونًا وسماه " الياساق" وقد جمعه من اليهودية، والنصرانية، والإسلام، وآرائه الشخصية، فماذا كان موقف العلماء من هؤلاء الذين قالوا الشهادتين، ولكنهم تحاكموا إلى الياساق؟
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:[15]
" فَمَنْ تَرَكَ الشَّرْعَ الْمُحْكَمَ الْمُنَزَّلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ،وَتَحَاكَم َ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمَنْسُوخَةِ كَفَرَ، فَكَيْفَ بِمَنْ تَحَاكَمَ إِلَى " الْيَاسَاقِ " وَقَدَّمَهَا عَلَيْهِ؟ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ".
4 – رأي علماء الأزهر الشريف:
1 - قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله العالم الأزهري المعروف:[16]
" إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضحة وضوح الشمس، وهي كفر بواح، لا خفاء فيه و لا مداراة، و لا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام – كائنًا من كان – في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها".
2 – وسئل فضيلة الشيخ محمد الغزالي عن الحكم فيمن يدعو إلى الاستبدال بحكم الله شريعة وضعية تحل الحرام، وتحرم الحلال، فأجاب:[17]
" ليس هذا بمسلم يقينًا، يقول الله تعالى في هؤلاء: " " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً"[18]".
3 – وقال فضيلة الشيخ مناع القطان رحمه الله:[19] " إن حقيقة الإيمان هي التصديق القلبي الذي يظهر أثره في السلوك العملي ، ودعوى الإيمان باللسان مع التولي والإعراض عن تحكيم الشريعة دعوى كاذبة لدى المنافقين ".


4- وسئل فضيلة الشيخ الدكتور محمود مزروعة عن الحكم فيمن يدعو إلى تعطيل تطبيق الشريعة فأجاب:[20] " الذي يدعو إلى تعطيل أو عدم تطبيق الشريعة الإسلامية ، هذا خارج عن الملة ؛ لأنه عطل دين الله تعالى ".
5 – ما معنى تطبيق الشريعة؟
أ- تطبيق الشريعة بكل سهولة ويسر، هو أن تلتزم جميع مؤسسات الدولة بأحكام الإسلام، فلا تَسُن قانونًا يخالف القرآن والسنة وما أجمع – اتفق - عليه العلماء، أما مسائل الاختلاف فإنها ترجع إلى اجتهاد العلماء، فمسائل الإجماع حجة يلزمنا اتباعها، ومسائل الاجتهاد رحمة يسعنا الاختلاف فيها.
ب - أما الأمور التي لم تأت في القرآن والسنة، لكنها لا تخالفهما، فهي ترجع إلى اجتهاد مؤسسات الدولة، وذلك كقوانين المرور، ونظام المعاشات....إلخ فهذه القوانين إن كانت تحقق مصلحة الأفراد، و لا تحتوي بداخلها على ما يخالف الشريعة، فهي قوانين محترمة لا تخالف الإسلام، ومن تطبيق الشريعة العمل على تطوير مؤسسات الدولة في الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والإعلام والرياضة ...إلخ بما لا يخالف منهج الله عز وجل.
ج - وشريعة الله تعالى تناسب كل زمان ومكان، بل الزمان والمكان لا يصلحان إلا بها، فالله تعالى هو الخالق وهو العالم بما سيكون؛ لذلك وضع شريعة تكون صلاحًا لكل جيل حتى قيام الساعة.
د - وليس معنى تطبيق الشريعة أن يكون الحاكم معصومًا يتكلم باسم الإله كما يزعمون! بل إن أعظم الناس بعد الأنبياء وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، أمَر الناس أن يَعْصوه، إذا خالف أمر الله تعالى، فالإلزام للقرآن الكريم والسنة المطهرة، أما الحاكم فهو بشر يصيب ويخطىء، إن أصاب أطعناه، وإن أخطأ قَوَّمْناه.
قال الإمام ابن تيمية:[21]
" لفظ الشريعة يتكلم به كثير من الناس، و لا يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، و لا يخرج عنه إلا كافر، وبين الشرع الذي هو حكم الحاكم، فالحاكم تارة يصيب، وتارة يخطىء، هذا إذا كان عالمًا عادلًا".
ه – والمؤمن لا يخاف من الغرب أو الشرق، بل الذي يقول إن القُوى الخارجية لن تسمح لنا بتطبيق الشريعة، نرد عليه بقوله تعالى : " أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"[22]، أيضًا فإنها لن تسمح لنا بالاكتفاء الذاتي، وتطوير الصناعة، وتقوية الجيش...إلخ فهل ندمر بلدنا حتى نرضيهم؟ أيضًا فالدولة القوية تستطيع فرض سياستها أمام أي أحد كائنًا من كان، وإلا فإلى متى سنظل ذيولًا للشرق والغرب؟
و – تطبيق الشريعة ليس متعلقًا فقط بالأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، فهذه الأحزاب قد تصيب وقد تخطىء، أما شريعة الله عز وجل فمعصومة، فالأفراد ليسوا حجة على الشريعة، بل الشريعة هي الحجة على كل الناس.
6 - وأخيرًا:
أ – تطبيق الشريعة بركة وخير ونماء، قال تعالى : " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ"[23]
ب – عدم تحكيم الشريعة سبب للفتن الداخلية، والصراعات والنزاعات بين ابناء الوطن الواحد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ"[24] ومعنى ألقى الله بأسهم بينهم أي عاقبهم بالصراعات والنزاعات فيما بينهم، وهذا ما نراه الآن من صراعات ونزاعات، وصدق من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
ج – يجب على كل مسلم ومسلمة السعي في سبيل تحكيم الشريعة، وأن تصبح قضية الشريعة قضية جماهيرية، فكما هتف الشعب بصوت واحد قائلًا : " الشعب يريد إسقاط النظام"، فعليه أن يهتف بالصوت نفسه قائلًا : " الشعب يريد تحكيم شرع الله"، وعلى المسلم أن يتبرأ من كل قانون يخالف شرع الله عز وجل، وأن يُنْكره بيده إن كان من المسئولين، أو بلسانه، أو على الأقل بقلبه إن لم يستطع إلا ذلك، لما رواه مسلم[25] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».