قال وهو يكفف دمعه


وحرض المؤمنين



حزم متاعه ولملم أغراضه استعداداً للرحيل...

مضت السيارة تغذ به السير نحو المطار، يتلفت في الطريق، يعانق بعينه معالم البلدة الصغيرة، يالله، أحقا سيترك ملاعب الصبا؟

ما أصعب ذلك على النفس...

يتأمل الطريق والناس والحواري والأزقة... هل هذه المرة الأخيرة التي سيشاهدهم فيها؟

ما أصعب ذلك على النفس...

ولي وطنٌ آليت ألّا أبيعه وألّا أرى غيري له الدهر مالكا
وحبّبَ أوطان الرجال إليهمُ مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمُ عهود الصبا فيها فحنّوا لذلكا

سرح بذهنه إلى الماضي القريب، حين اجتمع مع ثلاثة من أشقاء الروح في الروضة المباركة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قرأوا في كتاب الإمام ابن النحاس، فتشوقت القلوب، وذرفت العيون شوقاً إلى الحور، ثم حزموا أمرهم وتعاقدوا عقداً لا إقالة فيه ولا استقالة، عاهدوا الله منذ ذلك اليوم أن يبيعوا النفس رخيصة في سبيل إعلاء كلمة الله...

عاد إلى عالم الواقع والسيارة تقف أمام باب المطار، نزل من السيارة وأنزل حقائبه، عانق أخاه عناقاً حاراً... لم يستطع أخوه الأصغر تمالك نفسه، فأجهش بالبكاء وعلا صوته كأنه ثكلى تنوح، ربت على كتف أخيه وهو يقول: (إبراهيم... ما بالك يا إبراهيم؟ الناس ينظرون إلينا... أقصر أقصر يا أخي)، تمالك إبراهيم نفسه أخيراً وشيّع أخاه بناظريه وهو يقول في نفسه: (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه)...

غلبته دمعته، حاول أن يردها جهده، غير أنها تهاوت على خده ساخنة محرقة، والطائرة تحلق في السماء...

يتأمل وجوه الركاب، هذا ذاهب للسياحة في بلد أوربي، وهذا – أعانه الله – مشلول ذاهب للعلاج، وثالث ورابع، وبينما هو في تأملاته، التقطت أذناه الحوار التالي:

(لكن يا أبا أحمد لابد من تزويج أحمد هذا الصيف، ماذا تنتظر؟).


الآخر: ("الفيلا" الجديدة التي أقوم ببنائها حالياً تبقى لنا شهران على استكمالها، وفي نفس الوقت الولد ما زال يدرس في الجامعة)...

عاد إلى نفسه وتذكر أمه الحنون وهي تبكي وتقول: (محمد، محمد أريد أن أرى أولادك قبل موتي، محمد ما رأيك في ابنة فلان؟ لا لا، هذه قصيرة، وتلك طويلة)، رحمة الله عليك يا أمي، كم كنت أتمنى أن أحقق رغبتك ولكن يد المنون اخترمتك سريعاً...

انظر إليه عندما قابل إخوته في الثغر...

تراه متهللاً طلق القسمات، سبحان الله ما الذي يصنع البسمة على شفاه هؤلاء الفتية؟

انظر إليهم...

أنظر إلى أجسادهم المكدودة التي أنهكها السهر على ثغور المسلمين...

انظر إلى الغبرة التي علت تلك الوجوه جراء القصف المتواصل...

وجوه لوحتها الشمس، وخدّها الدمع أخاديد، وجوه ارتسمت عليها ملامح تحكي أهوال المعارك، وجوه قاسية صارمة ولكنها مشرقة مضيئة...

عباد ليلٍ إذا جن الظلام بهم كم عابدٍ دمعُهُ في الخد أجراه
وأُسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبّوا إلى الموت يستجدون لقياه

لهف نفسي عليهم... من لي بهم... كأني بالواحد منهم وقد تطاير الرصاص من حوله يصمّ الآذان، وتناثرت من حوله أشلاء الأحبة أشقاء الروح، وهو يرتجز ويقول:

آذنت شمس حياتي بمغيبِ ودنا المنهلُ يا نفس فطيبي

وشريط الذكريات يمر سريعاً متلاحقاً في ذهنه... الطفولة... الوالدين... الإخوة... الأحباب والأصحاب...

باع ذلك كله، ألا هل سألته؛ لِمَ؟!

سيجيبك وعلى طرف شفتيه ابتسامةٌ مضيئة: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}.

هنيئاً...

هل عرفت لِمَ يبتسم؟!... لقد ربح البيع...