والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد
سلام الله عليكم أحبتي ورحمته وبركاته

قال تعالى
[ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ] [ص:29]

| تدبـــــــــرات |

[1]

مجموعة مسطَّرة من العبر والفوائد المستشفة من آيات كتاب الله تبارك وتعالى هي عصارة تدبرات شخصية..
فإن أصبت فمن الله وحده ، وإن لم أصب فأسأل الله تعالى أن يتجاوز عني بفضله وكرمه وسعة رحمته وعفوه..
والله أسأل ألا يحرمني وإياكم من شرف وأجر المحاولة.. وأن يفتح علي وعليكم فتوح العارفين وبما يرضيه..
نفعني الله وإياكم


فلنتدبـــــــر ونتأمل ونحاول فهم ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية

{ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ }
[الأنعام :76]

يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام

[ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا
قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ]
وقفتنا اليوم مع هذه الآيات التي قيلت عن لسان سيدنا إبراهيم خليل الله ( لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ) فمن العبر والدروس التي نستخلصها من هذه الآية الكريمة والتي نتعلمها من إبراهيم الخليل عليه السلام في أشرف وأعظم وأجل موضوع وهو
:

التوحيــــــد

1) أن من خصائص ومميزات الإله الحق الذي يستحق الحب والعبادة أن لا يكون من الآفلين فإن رباً يأفل ويغرب لناقص،
إذن من
سيتولى تدبير الكون وقت غيابه ؟!
لمن سيلجأ العباد الضعفاء ؟! بمن سيستغيثون ويلوذون إن اشتدت بهم الكروب وهو في عداد الغائبين الآفلين..؟!
فالرب والإله الحق اذن هو الحي القيوم ذو الكمال والجلال الذي لا يموت ولا يغيب، ولا تأخذه سنة ولا نوم ولا يعزب عنه من مثقال
ذرة في السماوات والأرض ، الذي لا يضل ولا ينسى .. هو الله جل جلاله سبحانه الواحد القهار!

2) كان من المتوقع أن يقول سيدنا إبراهيم عليه السلام ( لا أعبد الآفلين ) لكنه قال ( لا أحب.. ) وهي عبارة دقيقة تفيد بأن العبادة مبنيةعلى الحب ومنه تستمد
قوتها أي قوة العبادة ، وعبادة من دون حب ليست عبادة، فكأنه قال ( أنا لا أحب أصلا من صفة ربي الغروب والأفول فكيف أعبده وأتخذه ربا وإلها وأصرف إليه صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي..) فلا عبادة بدون محبة تسري في العروق وينبض بها القلب..

3) أن أول شيء وأسمى عمل ينبغي للعبد أن يقدمه لربه وإلهه هو الحب الخااالص، فهو إن أحب الإله خضع له وأطاعه ولا شك، وبالتالي
بادر وسارع في القيام بأوامره واجتناب نواهيه ، ولعمري إن تلك هي العبادة بعينها
فقدعرفها ابن القيم - رحمه الله - بأنها: " كمال المحبة مع كمال الذل "
وعرفها الشيخ ابن سعدي - رحمه الله - بعدة تعريفات منها قوله:
" العبادة روحُها وحقيقتُها تحقيقُ الحبِّ والخضوع لله؛ فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما - فليست عبادة؛ فإن حقيقتها الذل والانكسار لله، ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها ".

الله أكبر

وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلم يُحشر مع من أحب ، فعن أنس رضي الله عنه - أن رجلاً أتى النبي فقال : متى الساعة يا رسول
الله ؟ قال : ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله. قال : [ أنت مع من أحببت ] رواه البخاري

فهنيئا لمن رزق حب الله تعالى واتخذه زاداً لمعاده وقدَّم محبته وخشيته على كل شيء فإنه مع الله، وقد حصل له القرب الكامل منه،
وهو قرب المحبين، وكان الله معه. فــ ( إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)
وأعلى أنواع الإحسان محبة الرحيم الكريم الرحمن،
محبة مقرونة بمعرفته سبحانه وتعالى.

نسأل المولى أن يملأ قلوبنا جميعاً بحبه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم

يتبع