إنَّ الله تعالى يصطفي من خلقه من يشاء ويختار،
فقد اصطفى من البشر الأنبياء والرسل، واصطفى منهم أولي العزم، واصطفى من أولي العزم محمداً صلى الله عليه وسلم، واصطفى من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل؛ قال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}[الحج: 75]، واصطفى من الأمكنة المساجد، واصطفى من الأزمنة يوم الجمعة من بين سائر الأيام، وشهر رمضان من بين سائر الشهر؛ واصطفى من رمضان العشر الأواخر منه، واصطفى منها ليلة القدر: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ}[القصص: 68]، وحديثنا سيكون عن آية من آيات الفرقان، جاء فيها ذكر فضل شهر رمضان، وأنه شهر أنزل الله فيه القرآن، فيه البينات والهدى والتبيان، وشرع صيام رمضان وجعله ركناً من أركان الإسلام، فمن شهد ذلك الشهر فليصمه، ومن كان له عذر فله أن يفطر، ثم يقضي في أيام أخر، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة، وتيسيره عليها، فوجب على هذه الأمة أن تشكر الله على آلائه التي لا تعد ولا تحصى، وإلى هذه الآية مع شرحها، وذكر بعض فوائدها،

الآيـة:
قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة: 185].
شرح الآيـة:
قوله تعالى: {شهر رمضان}؛ الشهر هو مدة ما بين الهلالين؛ وسمي بذلك لاشتهاره؛ ولهذا اختلف العلماء هل الهلال ما هلّ في الأفق وإن لم يُرَ؛ أم الهلال ما رئي واشتهر؛ والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي، حتى يرى، ويتبين ويُشاهد، إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحوه؛ و{شهر} مضاف؛ و{رمضان} مضاف إليه، وهو مأخوذ من الرَّمْض؛ واختلف لماذا سمي برمضان؛ فقيل: لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها؛ وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء؛ فسمي شهر رمضان؛ وهذا أقرب؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام.

وقوله: {شهر رمضان} خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: هي- أي الأيام المعدودات- شهر رمضان.قوله: {الذي أنزل فيه القرآن} أي أنزله الله سبحانه وتعالى فيه؛ ومعروف أن النزول يكون من فوق؛ لأن القرآن كلام الله عز وجل؛ والله سبحانه وتعالى فوق السموات على العرش، وقوله: {أنزل فيه القرآن} أي ابتدئ فيه إنزاله؛ كقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ}[الدخان: 3]، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[القدر: 1]، أي ابتدأنا إنزاله،قوله: {هدًى للناس} أي كل الناس يهتدون به المؤمن، والكافر الهداية العلمية؛ أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين؛ كما في أول السورة؛ فهو للمتقين هداية علمية وعملية؛ وللناس عموماً فهو هداية علمية.
قوله: {وبينات} صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: وآيات بينات؛ كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}[العنكبوت: 49]؛ والمعنى: أن القرآن اشتمل على الآيات البينات، أي الواضحات؛ فهو جامع بين الهداية، والبراهين الدالة على صدق ما جاء فيه من الأخبار، وعلى عدل ما جاء فيه من الأحكام.
قوله: {والفرقان} اسم مصدر؛ والمراد أنه يفرق بين الحق والباطل؛ وبين الخير والشر؛ وبين النافع والضار؛ وبين حزب الله وحزب الشيطان؛ فرقان في كل شيء؛ ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة؛ وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور؛ فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة.
قوله: {فمن شهد منكم الشهر}؛ {شهد} أي حضره عاقلاً بالغاً مكلفاً؛ {فليصمه} أي فليصم نهاره.
قوله: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر}؛ هذه الجملة سبقت؛ ولكن لما ذكر سبحانه وتعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها قد يظن الظان أنه نسخ حتى فطر المريض والمسافر؛ فأعادها سبحانه وتعالى تأكيداً لبيان الرخصة، وأن الرخصة حتى بعد أن تعين الصيام باقية؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ وعليه فليست هذه الجملة من الآية تكراراً محضاً؛ بل تكرار لفائدة؛ لأنه تعالى لو قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ولم يقل: {ومن كان...} إلخ، لكان ناسخاً عاماً.
وقوله: {ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر، أي في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام.
قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} تعليل لقوله تعالى: {ومن كان مريضاً أو على سفر} إلخ؛ و{يريد} أي يحب لكم اليسر، وهذه الإرادة الشرعية؛ وليست الإرادة الكونية؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لو أراد بنا اليسر كوناً ما تعسرت الأمور على أحد أبداً؛ فتعين أن يكون المراد بالإرادة هنا الشرعية؛ ولهذا لا تجد -والحمد لله- في هذه الشريعة عسراً أبداً، قوله: {ولتكملوا العدة}؛ الواو عاطفة؛ واللام لام التعليل؛ لأنها مكسورة؛ ويكون العطف على قوله تعالى: {اليسر}؛ يعني يريد الله -سبحانه وتعالى- بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر؛ ويريد لتكملوا العدة؛ و"أراد" إذا تعدت باللام فإن اللام تكون زائدة من حيث المعنى؛ لكن لها فائدة؛ وذلك؛ لأن الفعل "أراد" يتعدى بنفسه؛ كقوله تعالى: {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}[النساء: 27]؛ وهنا: {لتكملوا العدة} يعني: وأن تكملوا العدة؛ أي: ويريد الله منا شرعاً أن نكمل العدة.
قوله: {ولتكبروا الله} أي: ولتقولوا: الله أكبر؛ والتكبير يتضمن: الكِبَرَ بالعظمة، والكبرياءِ، والأمورِ المعنوية؛ والكِبَر في الأمور الذاتية؛ والله أكبر من كل شيء. قوله: {على ما هداكم} أي تكبروه لهدايتكم؛ وعبر بـ{على} دون اللام إشارة- والله أعلم- إلى أن التكبير يكون في آخر الشهر؛ لأن أعلى كل شيء آخره؛ و{ما} هنا مصدرية تسبك هي، وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: على هدايتكم؛ وهذه الهداية تشمل: هداية العلم؛ وهداية العمل؛ وهي التي يعبر عنها أحياناً بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق؛ فالإنسان إذا صام رمضان وأكمله، فقد منّ الله عليه بهدايتين: هداية العلم، وهداية العمل. قوله: {ولعلكم تشكرون} أي تقومون بشكر الله عز وجل؛ فتشكرونه على أمور أربعة؛ إرادة الله بنا اليسر؛ عدم إرادته العسر؛ إكمال العدة؛ التكبير على ما هدانا؛ هذه الأمور كلها نِعَم تحتاج منا أن نشكر الله عز وجل عليها؛ ولهذا قال تعالى: {ولعلكم تشكرون}؛ و"الشكر" هو القيام بطاعة المنعم بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
بعض فوائد الآية:
1. بيان الأيام المعدودات التي أبهمها الله عز وجل في الآيات السابقة؛ بأنها شهر رمضان.
2. فضيلة هذا الشهر، حيث إن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده صومه.
3. أن الله تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر، والمراد بنزوله، أي ابتداء إنزاله؛ لأن الله تبارك وتعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله؛ وقد أنزله جل وعلا مفرقاً؛ فيلزم من ذلك أن لا يكون القرآن كله نزل في هذا الشهر.
4. أن القرآن الكريم متضمن لآيات بينات واضحة لا تخفى على أحد إلا على من طمس الله قلبه قال الله عز وجل: {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}[يونس: 101].
5. أن القرآن الكريم فرقان يفرق بين الحق والباطل؛ وبين النافع والضار؛ وبين أولياء الله وأعداء الله؛ وغير ذلك من الفرقان فيما تقتضي حكمته التفريق فيه.
6. وجوب الصوم متى ثبت دخول شهر رمضان؛ وشهر رمضان يثبت دخوله إما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، أو برؤية هلاله.
7. التعبير بـ {شهر رمضان}؛ قال أهل العلم: [وهذا أولى]؛ ويجوز التعبير بـ "رمضان" بإسقاط "شهر"؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً... ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة))، فلا عبرة بقول من كره ذلك.
8. تيسير الله تبارك وتعالى على عباده، حيث رخص للمريض الذي يشق عليه الصوم، وللمسافر مطلقاً أن يفطرا، ويقضيا أياماً أخر.
9. أن شريعة الله سبحانه وتعالى مبنية على اليسر والسهولة؛ لأن ذلك مراد الله عز وجل في قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر}؛ وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه))؛ وكان صلى الله عليه وسلم يبعث البعوث، ويقول: ((يسروا ولا تعسروا؛ وبشروا ولا تنفروا))؛ ((فإنما بعثتم ميسرين؛ ولم تبعثوا معسرين)).وانتفاء الحرج والمشقة والعسر في الشريعة؛ لقوله: {ولا يريد بكم العسر}.
10. الأمر بإكمال العدة؛ أي بالإتيان بعدة أيام الصيام كاملاً.
11. مشروعية التكبير عند إكمال العدة؛ لقوله: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم}؛ والمشروع في التكبير أن يقول الإنسان: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد"؛ وإن شاء أوتر فقال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد"؛ وإن شاء أوتر باعتبار الجميع فقال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد"؛ فالأمر في هذا واسع- ولله الحمد-.
12. أن الله يشرع الشرائع لحكمة، وغاية حميدة؛ لقوله: {لعلكم تشكرون} وقال في نهاية الآية الآمرة بالصيام: {لعلكم تتقون}.
13. أنَّ من عصى الله عز وجل فإنه لم يقم بالشكر، ثم قد يكون الإخلال كبيراً؛ وقد يكون الإخلال صغيراً، بحسب المعصية التي قام بها العبد. وفوائد هذه الآيات كثيرة جداً. والله أعلى وأعلم.