كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب من أنصارٍ ومهاجرين بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصوله إليهم فرحةً عظيمة، حتى صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان في الطرق ينادون : يا محمد يا رسول الله, يا رسول الله .
يقول البراء بن عازب – رضي الله عنه ـ : " ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " .. وكان دخول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمدينة كما قال الحافظ ابن حجر : في يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول من السنة الرابعة عشرة من النبوة ـ وهي السنة الأولى من الهجرة ـ، ونزل بقباء .

وقد ذكر عروة بن الزبير : ( .. أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين(عائدين) من الشام، فكسا الزبير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ و أبا بكر ثيابَ بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أُطُم (بناء مرتفع) من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه مبيضين (عليهم ثياب بيض) يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معاشر العرب هذا جدكم (حظكم وصاحب دولتكم)
الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ..
فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار - ممن لم ير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - يحيي أبا بكر ، حتى أصابت الشمس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند ذلك ..
فلبث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أُسِّس على التقوى، وصلى فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم ركب راحلته
) رواه البخاري .

قال ابن القيم في زاد المعاد : " وسُمِعَتِ الرَّجَّةُ والتَّكْبِيرُ في بني عمرو بن عوف ، وكبَّر المسلمون فرحاً بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوْه وحيَّوْه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسَّكينة تغشاه، والوحي ينزِل عليه { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ }(التحريم: من الآية4)، فسار حتى نزل بقُباء في بني عمرو بن عوف ، فنزل على كُلْثُومِ بْنِ الهِدْمِ ، وقيل: بل على سَعْدِ بن خَيْثَمَةَ ، والأول أثبت، فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرةَ ليلةً وأسَّس مسجِدَ قُباء، وهو أوَّلُ مسجد، أُسِّسَ بعد النبوة ".

لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي أعطاهم الله إياه، وبالشرف الذي اختصهم به، فقد صارت بلدتهم موطنا لإقامة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام، ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ..

وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك لسكانها في الفرحة ظاهرا، والمتألم الحاقد باطنا، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم، فلا عجب فيها، وهو الذي أنقذهم من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وأما موقف اليهود فلا غرابة فيه، وهم الذين عُرِفوا بالغيظ والحقد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي جاء يسلبهم زعامتهم، ويحول بينهم وبين آمالهم، ذلك دأبهم، وتلك طبيعتهم من قديم الزمان إلى يومنا هذا ..

لقد كان بناء مسجد قباء أول عمل قام به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند وصوله للمدينة، وهو أول مسجد أُسَّس في الإسلام، وفي ذلك إشارة إلى أهمية دور المسجد في الإسلام، وأنه لا قيام للدولة الإسلامية بغير المسجد، فهو مكان التقاء المسلمين وتقوية الأواصر بينهم، ويُعدّ مدرسة لتعليم المسلمين كل أمور حياتهم .. والمسجد يقوي وينمي الروابط والأواصر بين المسلمين، ويذيب الفوارق بينهم، و يتعاون فيه المسلمون على البرّ والتقوى دون النظر إلى الفوارق الطبقية التي بينهم، بل كان المسجد أيضا مكانا لإعلان أفراح المسلمين، ومكانا لتربية الأطفال، ومأوى للفقراء وعابري السبيل، وقبل ذلك فهو مكان يعبد فيه المسلمون ربهم، ويحافظون على إيمانهم، ويقوون علاقتهم بربهم ..

وفي مسجد قباء نزل قول الله تعالى: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }(التوبة: من الآية108)، وفيه: دليلٌ على فضيلة مسجد قباء، وفضل أهله لصلاح نيتهم ـ رضي الله عنهم ـ .

وهذا المسجد بقيَ له الفضل في الإسلام إلى أنْ تقوم الساعة، ولذا استُحِب لزائر المدينة أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة ) رواه ابن ماجه . وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزورُ مسجد قُباء راكبًا وماشيًا ..

فمن أكرمه الله بزيارة المدينة المنورة فلا يحرم نفسه من زيارة هذا المسجد المبارك، للحصول على الأجر والثواب، أما أن يأتيه استقلالاً ويشد رحاله لزيارته من بلده فليس بالأمر المشروع، بل هو من الممنوع لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومسجد الأقصى ) رواه البخاري، ومسجد قباء ليس من بينها ..