تعتبر سرية الخبط استمراراً لسياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - العسكرية لإضعاف قريش ومحاصرتها اقتصادياً على المدى الطويل، وكذلك مواصلة الدعوة إلى الله وإبلاغ الإسلام إلى الناس كافة .. ومن المعلوم عند أهل السِيَر أن الجيش إذا كان بقيادة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يُسَّمى سرية بل غزوة، وأما السرية فهي الجزء من الجيش تكون بقيادة غيره من أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ كما هو الحال في هذه السرية ..

بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة راكب قِبل الساحل ليرصدوا عيراً لقريش، ونظرا للضائقة الاقتصادية التي كان يمر بها المسلمون في ذلك الوقت، فقد كان تموين هذا الجيش ضعيفا، وعندما كانوا ببعض الطريق فنِيَ طعامهم، فأمر أبو عبيدة بأزواد (طعام) الجيش فجُمِع فكان قدر مزود تمر(وعاء كبير)، يقوتهم منه كل يوم قليلاً قليلاً، حتى أصبح نصيب الواحد منهم تمرة واحدة، وقد أدرك الصحابة صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون ضجر، بل إنهم ساهموا مع قائدهم في الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن، ثم فنيت فلجؤوا من شدة الجوع إلى أكل الخبط أي ما سقط من ورق الشجر بالخبط والنفض، وقد سميت هذه السرية بسرية الخبط أو سيف البحر ..

يقول جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أحد أفراد هذه السرية : ( بعثنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمَّر علينا أبا عبيدة ، نتلقى عيرا لقريش ، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة .. قال : فقلت : كيف كنتم تصنعون بها؟، قال : نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل ، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله . قال : وانطلقنا على ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر(حوتاً كبيراً)، قال : قال أبو عبيدة : ميتة !. ثم قال: لا ، بل نحن رسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا .. قال : فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سَمِّنا . قال : ولقد رأيتنا نغترف من وقب (ثقب) عينه بالقلال (الجرة الكبيرة) الدهن ، ونقتطع منه الفدر (القطعة من اللحم) كالثور ـ أو كقدر الثور ـ ، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها ، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها ، وتزودنا من لحمه وشائق . فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرنا ذلك له، فقال : هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟، قال : فأرسلنا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه ، فأكله ) رواه مسلم .

لقد ظهرت في هذه السرية حكمة أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ حيث جمع الأزواد، وسوى بين المجاهدين في التوزيع ليستطيع بذلك تجاوز الأزمة ، وذلك درس تعلمه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عملياً أكثر من مرة، وكذلك مواساة الجيش المسلم بعضهم بعضاً عند وقوع المجاعة، وأن الاجتماع على الطعام يسبب البركة فيه ..
وقد أورد بعض شارحي حديث هذه السرية وبعض أهل السيرة فوائد كثيرة مستفادة من خلال أحداثها ، من ذلك :

قال النووي : " .. الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها ، وينقادون لأمره ونهيه ، وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم أو من أفضلهم .. ويستحب للرفقة من الناس وان قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم وينقادوا له .. وقد قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك وأحسن فى العشرة ، وأن لا يختص بعضهم بأكل دون بعض .." .
وقال ابن حجر : " وفي الحديث من الفوائد مشروعية المواساة بين الجيش عند وقوع المجاعة، وأن الاجتماع على الطعام يستدعي البركة فيه " .


ومن الفوائد أيضا ـ كما قال ابن القيم : " جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة ، وكذلك عشب الأرض"..
وما أقدم عليه الصحابة في هذه السرية من أكل ورق الشجر دليل على صبرهم وقوتهم، وتمتعهم بفكر سليم هداهم إلى أكل ورق الشجر كي يبقوا على أنفسهم ولا يستسلموا للجوع فيُقضى عليهم ، مع عظيم توكلهم على الله ـ عز وجل ـ الذي جعل لهم مخرجا مما هم فيه، فأطعمهم رزقا من عنده من حيث لا يحتسبون ، وصدق الله : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }(الطلاق من الآية 2 : 3 ) .
ومن ثم فهذا الذي قذفه البحر للصحابة في هذه السرية يؤخذ منه أنه كرامة لأولياء الله، لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا في الجهاد، وكانوا في مخمصة وفي مجاعة ، فأخرج الله لهم هذا الحوت ، كرامة منه سبحانه، وأطعم ثلاثمائة رجل منهم ..

وتدل كذلك قصة هذه السرية ـ كما يقول ابن القيم في زاد المعاد ـ على : " .. جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله ـ عز وجل ـ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ }(المائدة: من الآية3)، وقد قال الله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ }(المائدة: من الآية96)، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة : " أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه " .
وقد توقف الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في أول الأمر عن أكلهم لعدم معرفتهم بالحكم الذي لم يرد فيه نص قاطع من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا في وقت متأخر، وذلك في الحديث الذي يرويه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما سُئِل عن البحر فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) رواه أبو داود .

ومن الفوائد كذلك كما ذكر النووي : " يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طمأنينة للمستفتي " ، وذلك من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟، قال : فأرسلنا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه، فأكله ) .

لقد دلت سرية الخبط أو سيف البحر على ما كان عليه الصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ من الزهد في الدنيا والتقلل منها ، والصبر على الجوع وخشونة العيش ، وعدم ترك الجهاد في حال الشدة ، وليس ذلك بمستغرب من جنودٍ غايتهم رضا الله ، ملأ الإيمان قلوبهم ، وتربوا على يد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم