يقول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3).
سورةٌ صغيرة، حوت معانيَ عظيمة، ورسمت ملامحَ واضحة ورئيسة للمجتمع المسلم الناجح، والجماعة المؤمنة التي تسموا بأفرادها وتحقّق الخير للمجتمع الذي طغى عليه الاهتمامُ بالدنيا على حساب الآخرة، بعد أن فقد بوصلة الغاية، ونهج الطريق المستقيم.
سورة قال عنها الإمام الشافعي رحمه الله: (لو تدبَّر الناس هذه السورة لوَسِعَتهم)، أو لكفتهم.
وما كان لواحد مثل الشَّافعي رحمه الله أن يقول ذلك، لولا تلك المعاني الغزيرة، والقضايا المهمَّة التي تناولتها.
في بداية السورة، يقسم الله بالعصر، وهو يدلُّ على الزَّمن والدهر، والذي تتوالى فيه الدهور، وتتغيّر فيه الظروف، وتكثر فيه الحوادث.
ففيه يكبر الصَّغير، ويشيب الكبير، وتتبدل الدول، وتتداول السنون والأعوام.
وفي لفتة لطيفة، يرى بعضُ المفسرين، أنَّ كلمة العصر مقصودة لذاتها، ففيها يعود الناس لبيوتهم من أعمالهم، ليلتقوا بأهليهم وأقربائهم، وفيها تدنو الشمس إلى المغيب، لتعلن انتهاء اليوم، وفيها إشارة إلى انتهاء حياة الإنسان، مهما امتد عمره، وكثرت حوادثه، وارتفعت منزلته.
لكن هذه السورة الكريمة، تضع قاعدة في غاية الأهمية، يجدر بالجميع الانتباه إليها، وهي قضية الخسارة، والتي ترتبط بكلِّ من يبتعد عن نهج الله وشرعه والإيمان به. فالإنسان كلمة عامة، تشمل جميع البشر، فهم جميعهم في خسارة، لأنَّ تجارتهم وأعمالهم ومساعيهم، كلّها تصب في مصلحتهم الدنيوية، دون اعتبار للآخرة، فيقدِّمون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية.
لكن الله سبحانه وتعالى، يبيِّن أنَّ هناك مجموعة من الأمَّة، بعيدة عن الخسارة، بل تسعى للفوز برضا الله، ونيل مغفرته، ودخول جنته.
وهذه الفئة، ما كانت لولا وجود صفات مميّزة، جعلتها خارج دائرة الخسران، وبعيدة عن الضَّلال والتيه.
الإيمان الصَّادق شعار لنهضة الأمم ورفعة شأنها، وعلو مكانتها، فهو يحرِّر العباد من سلطان العبودية للبشر والأشياء والأفكار المعتمة. وهذا يعني زوال التردّد والخوف، والحيرة والاضطراب، بل يؤدي إلى زوال الاستكبار والاستعلاء.
وقد ذكرت السورة أربع صفات رئيسة لهذه الفئة، وهي:
1- الإيمان:
حيث قال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا}، والإيمانُ ليس كلمةً أو شعاراً يُرفع، بل هو اتصال القلب بالله، بحيث يؤمن به وبالأركان الخمسة الأخرى، ويقرّ بها، فتمنحه قوَّةً وانطلاقاً، ومتاعاً بالوجود، وعزيمة وثبات، فتصبح محطات حياته تؤدّي إلى غرض واحد، إلى السعي لرضا الله والفوز بجنَّته، ممَّا يجعل صاحبه يعيش في سعادة رفيعة، وفرح وأنس بالحياة.
والإيمان الصَّادق شعار لنهضة الأمم ورفعة شأنها، وعلو مكانتها، فهو يحرِّر العباد من سلطان العبودية للبشر والأشياء والأفكار المعتمة. وهذا يعني زوال التردّد والخوف، والحيرة والاضطراب، بل يؤدي إلى زوال الاستكبار والاستعلاء.
2- العمل الصَّالح:
ويتمثل في قوله تعالى: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، وهو ثمرة من ثمار الإيمان، لأنَّه لا إيمان دون عمل، ولا عمل صالح دون إيمان، وكما يقول سيّد قطب رحمه الله في كتابه ((في ظلال القرآن)): (فالإيمان حقيقة إيجابية متحرّكة.
ما إن تستقر في الضَّمير حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في الخارج في صورة عمل صالح.. هذا هو الإيمان الإسلامي.. لا يمكن أن يظل خامداً لا يتحرك، كامناً لا يتبدى في صورة حية خارج ذات المؤمن..
فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية فهو مزيف أو ميت. شأنه شأن الزهرة لا تمسك أريجها. فهو ينبعث منها انبعاثاً طبيعياً. وإلا فهو غير موجود!) .
3- التواصي بالحق:
وهذا في قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}. والتواصي كلمة تدل على التضامن، وترشد إلى أنَّ الأمَّة لابد أن تكون واعية، يقظة، إيجابية، تهدف للحافظ على أفرادها، والنهوض بهم، فهي أمة خير، قوتها بقوة أفرادها.
والتواصي بالحق ضروري، لأنَّ النهوض بالأفراد، والقيام بالطاعات، أمر عسير على النفوس، فهناك عراقيل تثبِّط المرء عن القيام به، كهوى النفس، وحبّ الدنيا، وظلم الظالمين وجورهم، وغير ذلك من الأمور.
والحق لا يمكن أن يقوم على كاهل فرد واحد، لكنَّه يحتاج إلى جماعة مؤمنة، تجمع جهود الأفراد، لتصهرها في بوتقة واحدة، هي بوتقة الججماعة المؤمنة الربانية.
4- التواصي بالصَّبر:
في قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر}. وهي تابعة لما سبقها، لأنَّ الحق لا يدوم ولا يستمر، دون الصبر والثبات على أدائه، وتحمّل العقبات في سبيل الحفاظ عليه.
لا يمكن للحق أن يظهر لولا الصّبر على ما يفرضه من ضريبة وتكاليف، ومن عناء ومكابدة. وذلك لأنَّ الحقَّ لا بدَّ وأن يتعرَّض له من يوقفه، ويسعى بشتى السبل لحجب نوره، وإحلال الظلام مكانه، ولهذا فالمؤمن بحاجة إلى من يثبته على جهاد النفس والهوى، والوقوف أمام أعداء الحق وإفشال مخططاتهم وأساليبهم. بل التواصي بالصبر، يخفف على المؤمن طول الطريق، وبعد النهاية، وأذى العناء، وغير ذلك.
إنَّ من اللطائف القرآنية الجميلة، أنَّ التواصي بالحق والصبر يدخلان تحت مسمَّى الأعمال الصَّالحة، لكن أفردهما الله بالذكر لبيان أهميتهما في تحقيق الصفتين الأساسيتين للناجحين والفائزين، ألا وهما: الإيمان، والعمل الصالح.
إنَّ الله تعالى، قد أكَّد في هذه السورة، على أهمية الجانب الاجتماعي والعمل الجماعي في تحقيق الفوز والبعد عن الخسارة، فالمؤمن قويٌّ بإخوانه، والجماعة قوية بأفرادها المؤمنين المخلصين.
وفي الوقت نفسه، فمن ملامح المجتمع المسلم، والجماعة المؤمنة، أنَّ الخير لابدَّ وأن يكون دائماً مستمراً فيها، فلا يكون حادثاً أو عفوياً، فيذهب نوره ويتلاشى مباشرة.

ولعظم المعاني التي تحملها هذه السورة، فقد كان صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يفترقوا حتى يقرؤوها، وكأنَّهم يجدِّدون العهد، ويؤكِّدون على الهدف الذي وجدوا من أجله؛ ألا وهو البعد عن الخسارة والضَّلال والتّيه، والفوز برضا الله تعالى، ونيل جنَّته.