من المعجزات العلمية التي انتشرت بكثرة في الكتابات الإسلامية العربية و الأجنبية حتي ظنها البعض من المُسلمات التي لا تحتاج إلي دليل أو مرجع علمي, استخدام المرأة الحامل للرطب قبل الولادة لتساعد علي انقباض الرحم و تسهيل الولادة, بحجة أن الرطب تحتوى علي مادة تشبه هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) الذي يتم إفرازه بشكل طبيعي من الغدة النخامية للمرأة و خصوصا قبل الولادة ليساعد علي انقباض الرحم, و يساعد علي وقف نزيف ما بعد الولادة, كما يساعد علي إدرار اللبن.
و هذه الكتابات الإسلامية عن الإعجاز العلمي في تسهيل الرطب للولادة تستند إلي قول الله تعالي : " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً " مريم25.
و لا يمكن لأي أحد أن ينكر أن في الرُطب الخير الكثير للإنسان من الناحية الغذائية و الطبية, و قد أشارت إلي ذلك العديد من النصوص الإسلامية, كما أشارت إلي ذلك الكثير من الأبحاث العلمية الحديثة التي أظهرت الإعجاز العلمي في ذكر أهمية الرطب كغذاء و دواء في نصوص الإسلام.
و بالقريب وصلتني رسالة من أخت مسلمة تقول بأنها تناولت الرطب قبل الولادة علي مدار ثلاث ولادات متتالية, و لكنها لم تجد سهولة في الولادة كما أفادت بذلك أغلب الكتابات الإسلامية.
حتي هنا لا إشكال علي الإطلاق, فإذا كانت الرطب تحتوي علي مادة تسهل الولادة, فليس بالضروري أن كل من تناولت الرطب قبل الولادة تجد تأثير هذه المادة, و هذا أمر شائع و معلوم في علم الأدوية, فنسبة الاستجابة لأي دواء ليست بالضرورة 100 % , فقد لا يستجيب البعض لأسباب عديدة ليس هذا مجال الحديث عنها.
و لكن هذه الأخت المسلمة لفتت انتباهي إلي أنها عادت إلي التفاسير لتنظر في معني قول الله تعالي " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً " مريم25, فوجدت أن السيدة مريم عليها السلام أكلت الرطب بعد الولادة وليس قبلها, و معني ذلك أن الأخت المسلمة تدعي أن الرُطب مفيدة للنفساء فقط, و أنه لا يوجد نص إسلامي ينصح بتناول الرطب علي وجه الخصوص قبل الولادة, و أن الذين اعتمدوا علي قول الله تعالي " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً " 25 مريم, في وصف الرطب قبل الولادة قد أخطأوا الفهم .
هذه الملاحظة دفعتني إلي دراسة المسألة بشكل علمي لأتبين هل هناك بالفعل إعجاز علمي في تناول الرطب قبل ولادة الحامل أم لا؟ و هل الآية أمرت مريم عليها السلام بتناول الرطب قبل الولادة أم بعد الولادة.
فكانت البداية من التفاسير حيث وجدت أن أغلبها قد سكت عن تحديد زمن تناول السيدة مريم للرطب (هل هو قبل الولادة أم بعدها), و لم أجد علي حد علمي القاصر من تناول هذه المسألة إلا القرطبي في تفسيره حيث قال (كانت مريم يأتيها رزقها من غير تكسب " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً "(آل عمران37), فلما ولدت أمرت بهز الجذع. فلما كان قلبها فارغا فرغ الله جارحتها عن النصب فلما ولدت عيسى وتعلق قلبها بحبه واشتغل سرها بحديثه وأمره وكلها إلى كسبها وردها إلى العادة بالتعلق بالأسباب في عباده), فأثبت القرطبي أن مريم ما هزت الجذع و ما أكلت الرطب إلا بعد الولادة.
ثم أورد القرطبي ما يؤكد هذا المعني حيث قال نقلا عن الربيع بن خيثم (ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ولو علم الله شيئا هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم, ولذلك قالوا : التمر عادة للنفساء من ذلك الوقت وكذلك التحنيك وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب).
فأثبت القرطبي أن مريم تناولت الرطب في النفاس و ليس قبل الولادة, أما قول الربيع بن خيثم (وقيل : إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب), فلم يشر من القائل و هل هو بنص من الوحي أم لا, فربما صحت هذه العبارة و ربما لا, فهذه العبارة تحتاج إلي دليل من الشرع و دليل من علوم الطب التجريبية. و لا مانع أبدا في الطب من تجريب دواء ثبتت فاعليته في علاج مرض معين, في علاج أمراض أخري إذا أثبتت التجارب فاعليته في هذه الأمراض, فاذا كانت للرطب فوائد في النفساء فلا مانع أبدا من أن تكون له فوائد قبل الولادة أيضا, و لكن اظهار هذه الفوائد يحتاج الي أبحاث طبية و خصوصا أننا لا نجد الدليل الشرعي علي ذلك.
أيضا هناك بعض الأحاديث التي ذكرها ابن حجر في فتح الباري, في باب الرطب و التمر تعليقا علي قول الله تعالي " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ", فقال ابن حجر (روى عبد بن حميد من طريق شقيق بن سلمة قال " لو علم الله أن شيئا للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به " ومن طريق عمرو بن ميمون قال " ليس للنفساء خير من الرطب أو التمر " ومن طريق الربيع بن خثيم قال " ليس للنفساء مثل الرطب ، ولا للمريض مثل العسل " ) ثم قال أسانيدها صحيحة.
فأكدت هذه الأحاديث علي استحباب الرطب للنفساء و ليس قبل الولادة كما قالت بذلك أغلب الكتابات الإسلامية التي لا أعلم ما هو مصدر تفسيرها لقول الله " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ " بأنه قبل الولادة.
ثم بعد ذلك انتقلت من تحقيق الناحية الشرعية إلي تحقيق الناحية العلمية, فبحثت عن دليل علمي يشير إلي وجود مادة في الرطب تشبه الهرمون المسؤول عن تسهيل الولادة المعروف باسم الأوكسيتوسين, فلم أجد ذلك إلا في الكتابات الإسلامية و التي لا تذكر مصدر هذه المعلومة على الإطلاق و كأنها من المسلمات التي لا تحتاج إلي دليل فتعجبت من ذلك كثيرا. أيضا لم أجد أي أبحاث علمية تقارن بين تأثير الرطب علي الولادة بالمقارنة مع تأثير هرمون الأوكسيتوسين مثلا.
و للأمانة العلمية فقد وجدت مقالة علمية وحيدة في شأن الرطب و الحوامل, هذه المقالة تقارن بين تأثير الرطب و تأثير هرمون الأوكسيتوسين علي نزيف ما بعد الولادة (و ليس قبل الولادة), و كانت المقالة بعنوان (Comparing the Efficacy of Dates and Oxytocin in the Management of Postpartum Hemorrhage ) و هي مقالة منشورة عام 2007 في مجلة إيرانية تعرف باسم (Shiraz E-Medical Journal ) و قد استند كتاب المقال في إجراء هذا البحث علي معرفتهم بأن السيدة مريم استخدمت الرطب بعد الولادة, و جاءت نتيجة هذا البحث لتؤكد علي الإعجاز العلمي في استخدام الرطب بعد الولادة و علي أهميته للنفساء, حيث كانت نتائج الرطب في وقف نزيف ما بعد الولادة أحسن من نتائج هرمون الأوكسيتوسين. و ما وصل إليه هذا البحث في عام 2007م, سجله القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان حين نصح الله مريم عليها السلام بأكل الرطب دون سائر الفاكهة, و صدق من قال " لو علم الله أن شيئا للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به ".
ثم انتقلت إلي المواقع الدوائية المتخصصة التي تتحدث عن الرطب كتركيب و فوائد طبية, و كان من هذه المواقع موقع ((The Internet Journal of Pharmacology™ ISSN, في مقالة نشرت عام 2009, بعنوان (Phoenix dactylifera: An update of its indegenous uses, phytochemistry and pharmacology), و بلح النخيل باللاتينية يعرف باسم (Phoenix dactylifera), و هو الاسم المذكور في عنوان المقالة التي أشادت بالعديد من فوائد بلح النخيل و لكن لم يكن من هذه الفوائد أنه يساعد علي الولادة.
من الوارد طبعا أن أصحاب هذه المقالة السابقة لم يطلعوا علي هذه الحقيقة, فانتقلت إلي مواقع أخري شبيهة فحصلت علي نفس النتيجة.
و من الوارد أيضا أنني بجهد المقل لم أستطع الوقوف علي مصادر المعلومات الدقيقة التي تتحدث عن تأثير الرطب علي تسهيل الولادة, و لذلك فقد عرضت هذه المقالة في قسم أفكار الإعجاز بموقع آيات معجزات لعل الله أن يهدى أحد علماء المسلمين الأجلاء إلي الحكم الصحيح في هذه المسالة, فإذا جاءنا ما يفيد باستخدام الرطب في تسهيل الولادة فسوف أنقلها إلي قسم الإعجاز العلمي, أما إذا جاءنا ما يؤكد ما ذهبت إليه من أن الرطب تستخدم بعد الولادة و ليس قبلها فسوف أنقل هذه المقالة إلي قسم الفبركات بإذن الله تعالي.
المطلوب من الباحثين المهتمين بهذه الفكرة البحثية:
1. بحث علمي موثق يثبت إن الرطب تحتوي علي مواد شبيهة بهرمون الأوكسيتوسين و تساعد علي تسهيل الولادة من خلال زيادة انقباض الرحم قبل الولادة (زيادة الطلق).
2. البحث عن نص شرعي من القرآن أو السنة يقول باستخدام الرطب قبل الولادة, أو البحث عن تفسير يقول بأن السيدة مريم تناولت الرطب قبل الولادة و ليس بعدها.
3. تحقيق حديث " لو علم الله أن شيئا للنفساء خير من الرطب لأمر مريم به ", هل هذه الرواية موقوفة علي الراوي أم مرفوعة إلي النبي صلي الله عليه و سلم.