مفكرة الإسلام: تعتبر جزيرة قبرص أو قبرس من البقاع السحرية في العالم القديم والحديث أيضًا، ولقد تناوب المسلمون والبيزنطيون السيطرة عليها، فكلما قويت الخلافة الإسلامية كلما أحكمت قبضتها على الأقاليم التابعة لها ومنها قبرص، والعكس صحيح، وهذا الموقع الجغرافي الفريد جعل جزيرة قبرص محط أنظار الصليبيين في أوروبا أثناء الحملات الصليبية على الشام ومصر خاصة بعد نجاح صلاح الدين الأيوبي في تحرير بيت المقدس سنة 583هـ، فلما جاءت الحملة الصليبية الثالثة على الشام والمعروفة بحملة الملوك، قام ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا باحتلال قبرص وأخرج منها الحاكم البيزنطي [إسحاق كومنتين] وأحكم سيطرته عليها، وجعلها محطة لتمويل جيوشه، ولا مغالاة في القول بأن دخول قبرص دائرة الحروب الصليبية كان أهم إنجاز حققته الحملة الثالثة ولربما أهم نتيجة في تاريخ هذه المنطقة في القرون الوسطى، إذ غدت قبرص بعد ذلك نقطة انطلاق الحملات الصليبية على بلاد الإسلام، ومثيرة الحمية الصليبية في أوروبا كلها ضد العالم الإسلامي.

تضاعفت أهمية ومكانة جزيرة قبرص بعد تطهير بلاد الإسلام من الوجود الصليبي وذلك بعد سقوط عكا سنة 691هـ، وخروج آخر صليبي من سواحل الشام، إذ توجهت فلول الصليبيين إلى قبرص وكان ملوك قبرص منذ الفتح الإنجليزي سنة 585هـ من نسل الفارس الفرنسي الشهير [جاي لوزجنان] وكان آل لوزجنان تضطرم نفوسهم بحقد صليبي عميق ضد الإسلام والمسلمين، وقد أخذوا على عاتقهم قضية الحروب الصليبية في الوقت الذي أخذت أوروبا كلها تقريبًا في التخلي عنها، وبرز العديد من ملوك هذه الأسرة في مضمار الحروب الصليبية مثل [عموري] الذي حاول استعادة بيت المقدس والتوحيد بين قبرص وبيت المقدس، وهنري الأول الذي ساعد لويس التاسع في حملته الشهيرة على دمياط سنة 646هـ واشترك معه بقوات قبرصية كبيرة أبلت بلاءً حسنًا في القتال.

أما أشهر ملوك قبرص وأشدهم صليبية وحقدًا وحربًا للعالم الإسلامي فقد كان بطرس الأول الذي اعتلى عرش قبرص سنة 760هـ ـ 1359م، وكان صاحب شخصية فذة وحماسة صليبية خطيرة جعلته نموذجًا للفارس الصليبي الذي يحارب من أجل دينه وصليبية في العصور الوسطى، وكان له وزيران على شاكلته وهما [فليب ميزيير، وبطرس توماس] وكانا من كبار دعاة الحرب الصليبية في العصور الوسطى المتأخرة.

ومنذ أن اعتلى بطرس الأول عرش قبرص أخذ يفكر في القيام بحملة صليبية كبرى يطعن بها المسلمون طعنة نجلاء، فخرج في رحلة أوروبية ليحرض ملوكها بحملة صليبية جديدة على العالم الإسلامي واستغرقت هذه الرحلة ثلاث سنوات كاملة، اجتمع خلالها مع البابا "أوربان الخامس" وملك فرنسا "حنا الثاني" وأعلن البابا أمام الملكين حملة صليبية جديدة، ولبى دعوة البابا الكثير من الفرسان والمغامرين وقطاع الطرق.

وبعد إمعان التفكير في هدف الحملة الصليبية، قرر بطرس الأول الهجوم على الإسكندرية على أن يكون الهجوم يوم جمعة والمسلمون في المساجد، فخرج بطرس على رأس أسطول كبير يقدر بمائة وخمس وستين سفينة ومعه العديد من الجنسيات إنجليز وفرنسيين وإسبان وجنود البابوية، وكانت إسكندرية ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية من الناحية العسكرية والتجارية، وعلى الرغم من ذلك كان المماليك غير مكترثين بأمرها، فأهملوا تحصيناتها وإصلاح دفاعاتها، وأيضًا كان سلاطين المماليك يحتقرون قبرص وملوكها ويرونها جزيرة صغيرة الحجم والتعداد، لا أثر لها، إضافة لذلك كان والي المدينة وقتها رجلاً سيئ التدبير اسمه [جنغر] عديم الخبرة، دائم اللهو واللعب بالصواريخ النارية، كل يوم يجلس للفرج على الملاهي والألعاب النارية مما جعل أهل الإسكندرية مثله أهل لهو ولعب وأكر وشرب.

وفي هذا الجو العبثي المليء باللهو والغفلة وفي 24 محرم سنة 767هـ هجمت الأساطيل القبرصية على المدينة الضخمة المكتظة بالسكان ساعة صلاة الجمعة، فهرع الناس لصد الهجوم الصليبي، ولكن أنى لقوم أكلتهم الدعة والغفلة عن مقارعة الأعداء، فلم يصمدوا أمام الهجوم القبرصي وفر الناس وهلك الكثيرون دهسًا تحت الأقدام الهاربة وارتكب الصليبيون واحدة من مجازرهم الشهيرة، فقتلوا كل كائن حي، ناطق وساكت، إنسان وحيوان، ونهبوا دورهم، وسبوا نساءها وأطفالها، واغتصبوا الحرائر والأبكار، وأحرقوا الجوامع والمساجد، ولم يمكث بطرس في المدينة سوى ليلتين، إذ جاءته الأخبار بقدوم النجدات المسلمة من القاهرة والبحيرة، وكما قال المؤرخون عن بطرس وهجومه على الإسكندرية: "دخلها لصًا وخرج منها لصًا"، ولشدة هول ما وقع للإسكندرية في هذه الملحمة ألف النويري المؤرخ رسالة خاصة عن هذه المصيبة أسماها [الإلمام بالأعلام فيما جرت به الأحكام والأمور المقضية في واقعة الإسكندرية].