عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين ، فقال :" إنهما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين ، فغرز في كل قبر واحدة . فقالوا : يا رسول الله لم فعلت هذا ؟ قال : لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا"






المعنى العام
الاسلام دين النظافة ، نظافة الباطن ، ونظافة الظاهر ، نظافة السلوك ونظافة البدن والثياب ، يمثل السلوك الخاطئ المشي بالنميمة بين الناس ، ويمثل القذر في الثياب والبدن عدم التنزه من البول والتعرض للتلوث من بقاياه بسبب عدم الاستبراء منه بالحجارة أو الماء .

أمران يستهين بهما المسلم ، ولا يحسبهما من الكبائر التي يعذب عليها بعد الموت ، مع أنهما من أول ما يعذب من أجله المؤمن ، يصور هذا المنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر مع أصحابه بمقابر المدينة . قال لأصحابه : إني أسمع صوت إنسانين في هذين القبرين يعذبان ، وإن أصواتهما أصوات تأوه وتضجر وتألم مما هما فيه ، وقد أخبرني ربي أنهما يعذبان في أمرين استهانا بهما ، يعذبان في ممعصيتين ليستا كبيرتين في حسبان الناس ، لكنهما كبيرتان عند الله .

كان أحدهما في دنياه لا يتحرز من بقايا البول ، فيصيب بدنه وثيابه فتبطل صلاته وهو يدري ،
وكان الآخر في دنياه ينقل الحديث السيء من شخص إلى المقول فيه ، ويزيد عليه للإيقاع بين الناس .

وأخذته الشفقة والرحمة صلى الله عليه وسلم فتوجه إلى الله أن يخفف عنهما ، ثم طلب من أصحابه جريدة خضراء لينة بما عليها من خوص فشقها نصفين ووضع على كل قبر منهما نصفا ، وقيل : إن جريدة النخل والرطب من الزرع يسبح الله ما دام رطبا ، ولعل الله يخفف عن المعذبين بسبب هذا التسبيح المستمر إلى أن تيبس الجريدتان .






معاني المفردات :
( وما يعذبان في كبير) أي ولا يعذبان في أمر كبير شاق ، بل في أمر سهل الترك يسير ,
أو لا يعذبان في ذنب كبير في نظر الكثيرين ، بل في أمر يحسبونه هينا وهو عند الله كبير .


(لا يستتر من بوله) في رواية " لا يستنزه من البول " وفي رواية " لا يستبرئ من البول " وكلها صحيحة ، ومعناها لا يتجنب بوله ، ولا يتحرز منه ،
فمعنى " لا يستتر من بوله " أي لا يجعل بينه وبين بوله سترا ووقاية .


( يمشي بالنميمة ) وهي نقل كلام الغير بقصد الاضرار.


( ثم أخذ جريدة رطبة ) في رواية رواية " فدعا بعسيب رطب " وهو الجريدة والغصن من النخل ،
وقيل العسيب هي الجريدة التي لم ينبت فيها الخوص فإن نبت فهي السعفة ، وخص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف .


(لعله أن يخفف عنهما ) " لعل " للترجي ، أي أرجو أن يخفف الله عنهما .




فقه الحديث
الحديث صريح في أن عدم الاستبراء من أسباب عذاب القبر ، وقد صحح ابن خزيمة حديث " أكثر عذاب القبر من البول " أي بسبب ترك التحرز منه .

ويرى جمهور العلماء أنه من الكبائر ، ويؤيدهم ما جاء في بعض الروايات عند البخاري
" وما يعذبان في كبير ، بل إنه كبير "

وفي سبب كونه كبيرا قيل : إنه يؤدي إلى بطلان الصلاة لتنجيسه الثوب والبدن ، فتركه كبيرة ولا شك .




ما يؤخذ من الحديث :

1- حجة لمذهب أهل السنة في ثبوت عذاب القبر ، خلاف للمعتزلة .


2- نجاسة الأبوال مطلقا قليلها وكثيرها ، وهو مذهب عامة الفقهاء ، وذهب أبو حنيفة إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير للمشقة ، وفي الجواهر للمالكية أن البول من بني آدم الآكلين دون الرضع نجس ، وهما طاهران من كل حيوان مباح أكل لحمه .


3- وفيه حرمة النميمة ، وهي كبيرة بلا خلاف .


4- استدل به بعضهم على استحباب وضع الجريد الأخضر على القبور ، ومثله كل ما فيه رطوبة من الأشجار والزهور وغيرها ، لكونها تسبح ما دامت رطبة ، وليس لليابس تسبيح .

لكن الخطابي أنكر مثل هذا الفعل وقال عن الحديث : إنه دعا لهما بالتخفيف مدة النداوة ، لا أن في الجريدة معنى يخصها ، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس .

وجعلها بعضهم خصوصية له صلى الله عليه وسلم ببركة يده فلا يقتدى به ، لأنه علل وضعها بأمر مغيب وهو عذابهما ، وغيرهما لا نعلم يعذب أم لا ،

ورده الحافظ ابن حجر فقال : لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب في أمر يخفف عنه العذاب لو عذب ، كما ندعو بالرحمة لمن لا نعلم أرحم أم لا .


5- استدل به بعضهم على استحباب قراءة القرآن على القبور ، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر ، فتلاوة القرآن أعظم رجاء وبركة ، ومذهب أبي حنيفة وأحمد وصول ثواب القراءة إلى الميت وأجمع العلماء أن الدعاء ينفع الأموات ويصلهم ثوابه .


6- وفي التحذير من استمرار النجاسات في البدن أو الثوب دون إزالة .