عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : – وحوله عصابة من أصحابه - " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف . فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ، فبايعناه على ذلك " .

المعنى العام
بعد فتح مكة حين جاءت المؤمنات مهاجرات بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لايشركن بالله شيئا ولا يسرقن ، ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ، ولا يعصين رسول الله صلى الله عليه وسلم في معروف . وتسمى هذه البيعة بيعة النساء .

ثم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على ما بايع عليه النساء ، وقال لهم : من وفى وحافظ ، ولم يفعل شيئا من هذه المنهيات فأجره على الله ، ومن أصاب من هذه النواهي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ، ولا يجمع الله عليه عقوبتين .
ومن أصاب من هذه الكبائر شيئا ثم ستره الله ، فلم يعاقب به في الدنيا فأمره في الآخرة إلى الله ، إن شاء عفا عنه وسامحه وغفر له ، وإن شاء عاقبه .

وكان عبادة بن الصامت ممن حضر هذه البيعة ، كما كان ممن حضر بيعة الرضوان تحت الشجرة عام الشجرة ، رضي الله عنه وأرضاه ورضي عن الصحابه .

معاني المفردات:
( وحوله عصابة من أصحابه )
العصابة بكسر العين هي الجماعة من الناس ، وهي بين العشرة والأربعين .

( بايعوني ) المبايعة في الأصل المعاوضة المالية ، والمراد منها هنا المعاهدة ، وهي شبيهة بالبيع لما أن كلا من المتعاهدين يبذل ما عنده للآخر ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يبذل الوعد بالثواب والجنة ، وهم هنا يبذلون الوعد بالطاعة .

(ولا تقتلوا أولادكم ) بنين كانوا أم بنات مخافة العار أوالحاجة ، وخص القتل بالأولاد لأنه كان شائعا فيهم ، أو لأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم .

(ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ) البهتان الكذب الذي يبهت سامعه ، أي يدهشه لفحشه وفظاعته ، وأصل هذا التعبير كان في بيعة النساء ، كنى بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها زورا وبهتانا ، فلما استعمل في بيعة الرجال كما هو ، حمل على المواجهة بالكذب ، إذ ما بين الأيدي والأرجل هو المواجهة للآخرين .

فقه الحديث
المسألة الرئيسية في هذا الحديث :
هل الحدود كفارات للذنوب لا يعاقب عليه في الآخرة ؟ أو ليست كفارات ؟ وبعبارة الفقهاء : هل الحدود جوابر ؟ أو زواجر ؟ أي هل تجبر صاحب المعصية وتنقيه من الذنب ؟ أو هي لزجره وزجر غيره ، وعليه عقوبة أخروية ؟

للعلماء في هذه المسألة ثلاثة مذاهب .
قيل : جوابر ، وقيل : زواجر ، وقيل : بالتوقف . ولكل أدلته .

القول الأول :
القائلين بأن الحدود كفارات وجوابر ، ولو لم يتب المحدود ، هم الجمهور ، ويستدلون بظاهر هذا الحديث ، فهو صريح بأن من أصاب حدا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ، ثم إن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا الحكم ، بل روي عن طريق علي بن أبي طالب " من أصاب ذنبا ،فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة" وورد برواية أخرى عن ابن عمر " ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب " .

القول الثاني :
أن الحدود ليست كفارات إلا مع التوبة ، وبذلك جزم بعض التابعين ، وهو قول للمعتزلة ، ووافقهم ابن حزم وبعض المفسرين . واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم "
وقد حاول بعض العلماء أن يرد هذا الاستدلال بأن الاستثناء هو من عقوبة الدنيا ، ولذلك قيدت بالقدرة عليه .
لكن بقي لهذا الفريق أن يستدل بالجمع بين عقوبة الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة لهم .
اللهم إلا أن يقال : إن هذا خاص بالمحاربين ، فهم يستثنون من العام بالنص عليهم .

القول الثالث :
التوقف لحديث أبي هريرة الذي رواه البزار قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا "

وقد حاول الحافظ ابن حجر أن يرد هذا الاستلال بأن حديث عبادة أصح إسنادا ، وبجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم ، ثم علم ، ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة .

والذي نميل إليه أن الذي شرع الحدود كعقوبة على الذنب هو الله تعالى ، وإذا كنا نطمع في عفوه بغير عقوبة ، فمع العقوبة الدنيوية من باب أولى ، أما شرط التوبة مع الحد فليس بلازم لأن التوبة وحدها كافية في محو الذنب فلم يكن للحد والعقوبة معها موقع .
نعم إن كان صاحبت الحد كانت خيرا مضموما إلى مكفر .