بسم الله الرحمن الرحيم

تحريم نشر أسرار الاستمتاع بين الزوجين

عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:
[ إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ]. مسلم.

[ يُفْضِى ] : كناية عن الجماع، كقوله تعالى: { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ }.

قال الشوكاني في "سبل السلام": "وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ إفْشَاءِ الرَّجُلِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوَقَاعِ وَوَصْفِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ ، وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَةِ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ لَهَا إفْشَاءُ سِرِّهِ".

قال الألباني في "آداب الزفاف": " ويحرم على كل منهما أن ينشر الأسرار المتعلقة بالوقاع" وذكر الحديث وحديث آخر سنأتي عليه ـ ان شاء الله ـ.

وجاء الحديث بلفظ: [ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ] أحمد، مسلم، وأبو داود.


قلت: يلاحظ في الحديثين أنها جاء بلفظ: [ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ]، وكأن الوعيد واقع على الرجل دون المرأة لو فعلت ذلك.

الجواب على ذلك من وجهين:

الأول: جاء على الغالب، ونظائره في السنة كثيرة لا تُحصى.

الثاني: وَرَدَ نَصٌّ يخاطب المرأة أيضاً في قصة.

فعَنْ أَسْمَاءَ بنتِ يَزِيدَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كُنَّا عِنْدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَقَالَ: [ عَسَى رَجُلٌ يُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، أَوْ عَسَى امْرَأَةٌ تُحَدِّثُ بِمَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ]

فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: إِي وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ وَإِنَّهُنَّ لَيَفْعَلْنَ،

قَالَ: [ فَلا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِثْلَ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةٍ فِي ظَهْرِ الطَّرِيقِ، فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ].

وفي لفظٍ: [ ألا عسى أحدكم أن يخلو بأهله، يغلق باباً ثم يرخي ستر ا، ثم يقضي حاجته، ثم إذا خرج حدث أصحابه بذلك، ألا عسى إحداكن أن تغلق بابها وترخي سترها، فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبتها ..].

قال الألباني في "آداب الزفاف": " أخرجه أحمد وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة وأبي داود والبيهقي وابن السني، وشاهد ثان رواه البزار عن أبي سعيد، وشاهد ثالث عن سلمان في " الحلية "، فالحديث بهذه الشواهد صحيح أو حسن على الأقل". اهـ.

قوله في الحديث: [ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ ]؛ أي: سكتوا ولم يجيبوا.


فالخلاصة:

أنه لا يجوز للمرأة نشر ما يحدث بينها وبين زوجها وخاصة في ليلة الدخلة ؛ حتى لو ألححنَ عليها صويحباتها من باب الفضول ـ فإنه بلغنا بعضهن يفعلن ذلك وقد رأينا بعضهن ينشرنَ ذلك في المواقع العنكبوتية "النت" ـ .

فليتقين الله النساء في أنفسهن وفي أزواجهن وأن يكنَّ ستراً لأزواجهن، وكذلك الرجال، قال تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ }.

فيكون كل واحد من الزوجين "لباسًا" لصاحبه، بمعنى: أنّ كل واحد منكم ستر لصاحبه فيما يكون بينكم من الجماع عن أبصار سائر الناس.

وكان الربيع يقول:
هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهن.

قال ابن جرير: أن يكون كل واحد منهما جُعل لصاحبه لباسًا، لتجرُّدهما عند النوم، واجتماعهما في ثوب واحد، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه، بمنزلة ما يلبسه على جَسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما: هو"لباس" لصاحبه، كما قال نابغة بني جعدة:
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا... تَدَاعَتْ، فكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا ". اهـ.


هذا والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين..