مقدمة لا بـــ( آتشو)ـــد منها !





حينما أشاهد برامج قناة ديسكفري يسليني منظر ذلك المذيع البائس الذي يتسلق الجبال و يغوص في الأعماق و يجوب الغابات, فقط كي يسليني.!! و دائما ما أتساءل عن شعوره لو علم أنني أغير القناة في منتصف برنامجه لأن موعد مسلسلي المفضل قد حان!

هذا هو حال الدنيا .. أناس يرهقون أنفسهم كي يسلوا أشخاصا آخرين.. لا أجد أمثلة كثيرة لهذه الحكمة التي ابتكرتها للتو سوى الحالة التي أنا عليها الآن..

مصاب بالأنفلونزا طريح الفراش مرغما .. و من المفترض أن أكتب لكم الكثير هنا لأن هذا ما علي عمله كل أسبوع..

سأحكي لكم اليوم عن مذكرات مزكوم..!! ستكون صادقة ,خاصة و أنا أكتب عنها من موقع الحدث و ليست من تأليفي.. أعتقد أنها ستكون مسلية كمغامرات ذلك المذيع في قناة ديسكفري .. و إن كنت لا أزعم أنني أصبت بالزكام متعمدا كي أكتب لكم عنه, لم أصل بعد لهذا الحد من سعة الصدر للأسف..

ابتعد عن الصفحة مسافة كافية أو ضع كمامة من تلك الكمامات المضحكة التي يضعها أطباء الأسنان كي تتجنب العدوى..و لنقرأ معا :



مذكرات مزكوم !





تجلس مرغما على السرير محاولا القيام بكل نشاطات حياتك المعتادة دون جدوى..

تلاحظ أن صوتك قد تغير و أصبح أجشا أخنفا شبيها بصوت المطرب الشهير ( إيهاب توفير) و هو مالا يجعلك تطير فرحا..

تحاول قدر الإمكان أن توفر حولك كل متطلبات الحياةكي لا تضطر لمغادرة الفراش إلا للشديد القوي.. و هذا الشديد القوي يأتي غالبا في صورة الرغبة في الذهاب للحمام بارد الجو ..فتحدث الانتكاسة من جديد !





تجول بذهنك أفكار شريرة لا داع لها مثل :

- هل أنا مصاب بأنفلونزا الطيور؟

- هل سأموت خلال أيام ؟ من سيتزوج ليندا إذن ؟؟ ضاع مستقبل البنت يعني !

- ماذا سيكتبون في النعي ؟؟ مات بأنفلونزا الطيور ؟

تشعر بالضيق لسخافة الإسم.. أنفلونزا الطيور ؟ يالها من ميته مضحكة.. كنت تتمنى لو كان سبب الوفاة مرض كلاسيكي له اسم رصين مرعب يوحي بصراع شرس مع المرض..مثل ( الإلتهاب السحائي- الإلتهاب الكبدي الوبائي...) أما أنفلونزا الطيور فيوحي بأنك كتكوت خالص.. إيه الموته الهايفة دي ؟ ياله من فيروس يتمتع بروح الدعابة..





هاتفك المحمول لا يتوقف عن الرنين.. و المتصل للأسف أحد هؤلاء:



- مديرك في العمل يتمنى لك الشفاء العاجل و يخبرك أنه لا داع لأن تعود للعمل مرة أخرى إلى الأبد..فهو يعتقد- و الحق معه- أنك بتستعبط , لأن العملية طولت أكثر من اللازم.

- ميار و نرمين و داليا و ماهيتاب و لورنا يدعونك للخروج معهن لأنك واحشهم جدا جدا.. لكن ما باليد حيلة يا صاحبي !

- رئيس فرقة الغناء العربي الأصيل , يوافق أخيرا على مقابلتك لسماع صوتك كي يقرر إن كنت تصلح للعمل كمغن محترف في فرقته.. و هو ما كنت تتمناه طوال عمرك..!!!

- حبيبتك القديمة دينا تكلمك كي تعيد ما كان بينكم لأنها لم تستطع الابتعاد عنك أكثر من ذلك.. لا تعتقد أنها مكالمة سعيدة على خلاف ما سبق, لأنها ستغلق الهاتف في وجهك لأن الذي رد عليها شخص غليظ أخنف الصوت مسدود الأنف.. يعاني صعوبة في معظم مخارج الحروف.. و الأدهى أنه يدعي أنه أنت..!! تغلق الهاتف و قد أيقنت أنك غيرت رقم موبايلك..







( لا تقرأ هذا الجزء لو كنت بتقرف !)

المناديل الورقية هي صديقك الحميم أثناء إصابتك بنزلة البرد..لكن لا تثق في هذه الصداقة ثقة مطلقة لأنها قد تتخلى عنك وقت الضيق و لن تجد إحداها جانبك في محنتك و أنت في أشد الحاجه لها..

إحساس لعين ذلك الذي ينتابك بين الحين و الآخر أثناء نزلة البرد.. إحساسك بأن هناك شيء ما خطأ في أنفك..

لا أتكلم عن حرف النون الذي يصبح دودا , أو حرف الميم الذي يستحيل بيبا !! لكنني أتكلم عن تلك الماسورة التي تنفجر في الداخل لتحيل الحياة جحيما لا يطاق..

المشكلة الحقيقية لو كنت تمارس حياتك الطبيعية (أو محاولا ذلك) أثناء إصابتك بالأنفلونزا.. لو كنت مديرا ستفقد احترام موظفيك – إن وجد – و إن كنت مدرسا فستلاحظ أن التلاميذ قد انتبهوا لك على غير العادة و على وجوههم ابتسامة لا تدري مغزاها.. تخيل معي هذا الحوار :

-" ركزوا معايا.. زي ما احنا شايفين مع بعض.. نفففففففففففففففففففففف.. لا مؤاخذة.. كنا بنقول إيه ؟ ..آه.. كنا بنقول إن الـ... هاتشوووووووم... آاااه.. الحمد لله .. نفففففففففففففففففف.. واخدين بالكم معايا ؟؟ كح كح "

و إن كنت عديم الذوق فلا بد من بعض الـ"خخخخخخخخخخخخخخخ.. تفوو !..لامؤاخذة."







أظرف ما في موضوع الإصابة بالأنفلونزا هي الأدوية !!

لا أحد يستشير الطبيب في الدواء المناسب له في حالة الإصابة بنزلة البرد.. كلنا نسأل الأصدقاء و لا يخطر ببالنا أن نستشير طبيبا, و كأن الأنفلونزا مرض لا يفقه فيه الأطباء شيئا !

- اسمع يابني .. فيه دوا كويس قوي اسمه كذا.. بيجيب نتيجه فورا..

- لا يا مان .. خد الدوا الفلاني و ادعيلي .. ده جامد قوي قوي..

الطريف هو أنك تعلم أنه لادواء يقضي على فيروس الأنفلونزا اللعين لأنه يتحور باستمرار مستفز و يقاوم القضاء عليه.. كل الأدوية المتاحة تزيد من مناعتك التي ستتكفل هي بالقضاء عليه..

الطريف أيضا في الموضوع هو أسماء تلك الأدوية.. لا بد من كلمة (فلو) في الاسم , و التي تعني نزلة برد بالانجليزي.. لأنهم يعرفون أنك لن تستشير الطبيب لكنك ستتصرف بنفسك, لذا يلزمك دواء سهل الاسم كي تعرف تأثيره و تحفظه بسهوله.. ( توقف البرد- الراحة من البرد- لا برد ...) لو ترجمت ما بين الأقواس لحصلت على أسماء أدوية لعلاج البرد.. ليت كل أسماء الأدوية بهذه السهولة !







الوحدة..

تفهم وقتها معنى أن تكون وحيدا .. الكل يتجنبك كالأجرب.. لك زجاجة خاصة و أكواب خاصة للاستخدامك أنت وحدك ..الكل يتجنب تقبيلك أو الاقتراب منك أكثر من اللازم مما يعطيك شعورا لم تجربه من قبل بأنك منبوذ فعلا!

زوجتك – إن كنت متزوجا- تفرض حولك نطاقا من الحجر الصحي كي تحمي الأولاد – لو كان لك أولاد- من شرورك !

فكر جديا في إنشاء جمعية خاصة بحقوق المزكومين.. لتناضل في الدفاع عن حقك في أن يعاملك الناس معاملة طبيعية كريمة كمواطن مصري من الدرجة الأولى.. لكنك تنبذ الفكرة مع أول نوبة عطس تنتابك.. هو أنت فيك حيل تصلب طولك أساسا؟





جميع المجلات و المطبوعات القديمة تكون متاحة بجوارك كي تسلي نفسك في هذا المنفى الإجباري.. لا تجد متعة في قراءة أخبار قديمة و تكتفي بقراءة مجلتك المفضلة ميكي..

لا تجد في كل ما تقرؤة متعة حقيقية سوى و أنت أونلاين تقرأ موقع روايتي.. تشعر بسعادة غامرة تهون عليك ما أنت فيه.. و تأمر البواب بالذهاب لإحضار كروت نمرة 1 كي تستغل تفرغك في قراءة كل ما فاتك مما كتب في موقع روايتي......يا بختك يا عم !



د.شريف عرفة


منقول.