من موقع بص و طول







جسد الدكتور "محمود" مازال يرتجف ويرتجف، كلما أعاد مشاهدة ذلك الشريط، الذي سجلته كاميرا الأعماق، داخل ذلك الشق..
الكل رأى ما رآه..
والكل أصيب بالفزع والرعب..
أما هو، فأصابه الذهول..

فما ظهر على الشاشة، وسجله شريط الفيديو، لم يكن أمراً عادياً أو مألوفاً، أو حتى متوقعاً..
لا داخل ذلك الشق، ولا حتى خارجه..

فخلال غوصها في الأعماق، مرَّت أمام الكاميرا، وللمحة استغرقت نصف ثانية على الأكثر، أنياب..
نعم.. أنياب حادة، مسنونة، مشرشرة، أشبه بأسنان سمكة القرش، تحيط بها بشرة حمراء كالدم..

وعلى الرغم من أن المشهد لم يستغرق سوى لمحة، فقد سقطت القلوب بين الأقدام، وشاع الرعب في كل من شاهده..

وفور ظهوره على الشاشة، انطلقت الصرخات من الحلوق، وراح الكل يعدون في كل مكان، مرددين:
- الجني.. الجني..

ولم تمضِ ثوان، حتى بقي "محمود" وعمه "عوض" وحدهما عند الشق، يحدِّقان في الشاشة، ثم في وجهي بعضهما البعض، دون أن ينبس أحدهما ببنت شفة..
أو حتى يجرؤ على هذا..

وبدون تبادل كلمة واحدة، انفصل كل منهما عن الآخر، فعاد الحاج "عوض" بخطوات سريعة إلى منزله، واستقل الدكتور "محمود" السيارة، بعد أن لملم أجهزته، وانطلق عائداً إلى مكتبه..
وهناك، في مكتبه أعاد مشاهدة الشريط مرة..
وثانية..
وثالثة..
ورابعة..

شاهده مائة مرة على الأقل، قبل أن يثبت المشهد، ويقترب من الشاشة، حتى كاد يلتصق بها، محاولاً التيقن مما شاهده..
نعم.. إنها أنياب..
أنياب كائن ما..
أو حيوان ما..

تراجع في عصبية، والتقط أحد مراجعه، وراح يبحث عن أي كائن يمكن أن يحيا في أعماق الأرض..
كائن له تلك الأنياب..
أو حتى كائن عادي، ربما تحوَّر مع الزمن، ونبتت له تلك الأنياب الحادة المخيفة..

ولكن كل مراجعه لم تشر إلى ذلك الشيء قط..
لا توجد كائنات على هذا النحو، تحيا في أعماق الأرض..
لا توجد أية كائنات طبيعية هناك..

شعر بالانفعال والانبهار، عندما بلغ هذه النقطة، وبدا له أنه أمام كشف علمي بالغ الخطورة، وأن تلك المراجع، التى تملأ مكتبه، لن تلبث أن تضم اسمه، باعتباره مكتشف حياة جديدة، تحت سطح الأرض..
ويا له من كشف!!..

إنه لن يغيِّر تصنيف الممالك البيولوجية فحسب، ولكنه سيغيِّر أيضاً مفهوم الحياة، التي يبحث عنها العلماء، في الكواكب الأخرى..
عشرات الكواكب تم رصدها، ولم تظهر أية حيوات عاقلة على سطحها، فاستبعد العلماء وجود الحياة عليها..

ولكن كشف حياة أرضية، تحيا في أعماق الصخور، سيعيد النظر حتماً في تلك الأمور، وسيدفعهم لإعادة البحث عن مخلوقات حية، في كواكب تصوَّروا خلوها منها..

وبكل انفعاله، راح يعيد دراسة المشهد، على ضوء تلك الفكرة المبهرة الجديدة..
إنه كائن أحمر البشرة، مما يوحي بأن قشرته الخارجية ملتهبة، أو أن لديه مصدراً قوياً للأكسجين هناك، في الأعماق..

راح يجري حساباته، ودراساته، ويحاول استنباط التركيبة البيولوجية لذلك الكائن، وفكَّر جدياً في الاستعانة بواحد من زملائه، في قسم البيولوجيا، و...
وفجأة، اقتحم عمه "عوض" مكتبه..

كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الثانية والنصف صباحاً، مما أفزعه، وأدهشه، فهتف في توتر بالغ:
- عمي؟!.. كيف سمح لك الأمن بـ...

قاطعه عمه في عصبية:
- ولماذا تعمل أنت حتى هذه الساعة؟!

أشار "محمود" إلى الشاشة، قائلاً:
- كنت أراجع الشريط.

مال عمه نحوه، وقال في انفعال، وكل حروف كلماته ترتجف:
- هذا نفس ما منعني من النوم.

ثم مال أكثر، وهمس في حزم منفعل:
- لقد وجدت الحل.

وعلى الرغم من معرفته بما يعنيه، سأله الدكتور "محمود":
- حل ماذا؟!

تلفَّت عمه حوله، وكأنما يخشى أن يسمعه أحد، وهمس بكل التوتر والانفعال:
- سأستخدم الديناميت.

تراجع الدكتور "محمود"، وحدَّق فيه بمنتهى الدهشة، فتابع بكل الانفعال:
- سأنسف ذلك الشيء هناك.