من بص و طول



في حيرة شديدة، وقف الدكتور "محمود" مع عمه الحاج "عوض" وعدد من سكان الحي، يحدقون في ذلك الشق المتسع، الذي يتصاعد منه دخان أسود، في كثافة عجيبة...

كان دخاناً داكناً له رائحة مخيفة، يوحي بأن شيئاً فاسداً يحترق هناك في الأعماق...
في أعمق الأعماق...
شيء نجس...
عفن...
شرير....

وفي رعب شديد، غمغم أحد السكان، وهو يبتعد عن الشق:
إنه الشيطان... الشيطان نفسه...

رمقه الدكتور "محمود" بنظرة استنكار، وعقله يدور بحثاً عن تفسير علمي منطقي، لما يحدث أمامه...
إنه أمام شق متسع عميق، عجز الكل عن سبر غوره، وتتصاعد منه الآن أدخنة كثيفة، ذات رائحة مزعجة..

ماذا يمكن أن يكون تفسير هذا؟!
أهو شق يمتد حتى باطن الأرض؟!
ربما هذا هو التفسير العلمي الوحيد....
باطن الأرض، حيث الحمم، والغازات، التي يمكن أن تصنع هذا الدخان الكثيف، نفاذ الرائحة...

ولكن، أيمكن حدوث هذا علمياً؟!
أيمكن أن يحدث شق ما، في قلب المدينة، فيبتلع أعماق الأرض ويخترق كل طبقاتها، حتى يبلغ طبقة الحمم؟!
أيمكن هذا؟!

راح عقله يحسب، ويدرس، ويفكر، ويحلل، قبل أن يقاطعه عمه "عوض" متسائلاً:
ماذا سنفعل؟!

كان هذا هو السؤال الذي يخشاه بحق؟!
ماذاسيفعلون؟!

كلهم شخصوا بأبصارهم وأفكارهم وآمالهم نحوه، باعتباره أكثرهم علماً ومعرفة، في حين أنه يجهل تماماً كل ما ينبغي فعله، في موقف كهذا...
موقف لم يمر به من قبل...
أو يتصور حتى مروره به من قبل...

وربما الأفضل أن يجري اتصاله بالمسئولين...
أن يبلغهم مدى خطورة الأمر، وحتمية سرعة إنجازه...
نعم... هذا هو أفضل ما يفعله...

لم يكد عقله يستقر على الفكرة، حتى قال في شيء من الحماس:
لابد وأن نبلغ المسئولين..

أدرك على الفور، مدى الإحباط، الذي ولدته عبارته في وجوههم ونظراتهم، من قبل حتى أن يقول عمه:
المسئولون لا يفعلون شيئاً..

أجابه في حماس:
الأمر يتجاوز قدرات الأفراد.... إنه يحتاج إلى تدخل جهة عليا..

سأله أحد السكان:
مثل من؟!

جاء السؤال ليلطمه في عنف، ويدفعه إلى التساؤل أيضاً..
نعم... من يبلغ في هذا الشأن؟!
من؟!....
أهي الشرطة؟!...
أم الجيش؟!...
أم وزارة البيئة؟!...
أم حتى إدارة الحي؟!....
من المسئول عن مواجهة مثل هذا الموقف العسير العجيب...

حار الجواب في رأسه، فهزه في قوة، وهو يقول، في شيء من العصبية:
أي مسئول!

تضاعفت الحيرة في وجوههم، قبل أن يندفع أحدهم، مقترحاً في حماس:
فلنبلغ الشرطة، ولتبحث عن الجهة المسئولة عن هذا.

استحسن الكل الاقتراح، وأيدوه بصوت مرتفع، باستثناء الحاج "عوض" الذي بدا متشككاً، وهو يغمغم:
فليكن، ولكن يوم الحكومة بسنة.

كان هذا مخرجاً، ارتاح الدكتور "محمود" للعثور عليه، حتى يمكنه العودة إلى مكتبه، ومطالعة مراجعه، والبحث فيها عن حالة مماثلة مسجلة، تشرح له ما حدث، وتمنحه وسيلة التعامل معه، وفق خبرات الآخرين...

ولأنه لم يشأ أن يمضي، دون أن يحدث تأثيراً ما، فقد أشار بيده في حزم، قائلاً:
حتى تأتي الشرطة لتقوم بعملها، سنضع كردوناً حول الشق، ونمنع الكل من الاقتراب منه مؤقتاً.

تحمس الكل لأمره، وأسرعوا يتعاونون، لصنع حاجز بدائي، منع الاقتراب من الشق، في حين ألقى الدكتور "محمود" خطبة عصماء، خالية من أي مضمون، قبل أن يحمله عمه في سيارته لإعادته إلى الكلية، وهو يهز رأسه قائلاً:
الشرطة لن تصنع شيئاً.

غمغم الدكتور"محمود":
إنهم المسئولون.

لوح عمه بيده في الهواء، قائلاً:
هذه مشكلتكم أيها المثقفون... تنشغلون بأمور سطحية عن الوقائع... كل ما يقلقكم هو المسئولية، ومن سيتحملها.

غمغم الدكتور"محمود" في حذر:
هذا أمر طبيعي.

أجابه في حدة:
كلا بالطبع... المهم هو حل المشكلة، وليس البحث عمن تلقي عليه المسئولية.

غمغم الدكتور "محمود" في عصبية:
وكيف يمكن حلها؟!...

صاح عمه في غضب:
أتسألني أنا؟!