لا أحد يدري كيف بدأ ذلك الأمر....
لا أحد رصد علاماته الأولى...

كل ما يذكره سكان ذلك الحي الفقير، شبه المنسي، عند أطراف العاصمة، هو أن الطريق فجأة لم يعد صالحاً لمرور السيارات....
شق صغير ظهر في منتصفه ذات يوم، ثم راح يتسع....
ويتسع...
ويتسع...

لم يحدث هذا بسرعة ملحوظة حتماً، وإلا لأثار ألف ألف علامة استفهام.... ولكن الشق بدأ كضربة معول في منتصف الشارع القديم، ثم لم يلبث، بعد شهر كامل، أن أصبح حفرة باتساع عشرة سنتيمترات، ولم يمض العام، حتى كان طرفاه قد هاجرا الجانبين، فقطع الشارع كله...
عندئذ، أصبح مرور السيارات عسيراً....

كان الأطفال يعبثون بذلك الشق، ويلهون عنده، ويمتعهم أن يلقوا حصاة داخل ظلمته، ويرهفون أسماعهم، فلا يبلغهم صوت ارتطامها بالقاع قط...
وفي كل مرة، كان انتظارهم يطول ويطول، ثم لا يلبث أن يتحول إلى ضحكات طفولية مرحة، وصقفات بأكف صغيرة، حول الشق الكبير...

وذات يوم، جذب الأمر انتباه بعض شباب الحي، فأشعلوا قطعة من القماش، مبللة بالبنزين، وألقوها في الشق وراحوا يتابعون سقوطها، وهي تبتعد، وتبتعد، وتبتعد، وضوؤها يخبو، ويخبو ويخبو....
ولم يتوقف ابتعادها أبداً...
ولم ينطفئ ضوء لهيبها إلا بعد وقت طويل...

ومن هنا، بدأ الكل يتحدث عن ذلك الشق، الذي يبدو وكأنه يغوص حتى أعمق أعماق الأرض...
وبدأ الخوف منه...
أو حتى من المرور به...

كل المارة كانوا يتجنبون محاولة القفز عبره، على الرغم من أن اتساعه لم يكن قد زاد عن 20 سنتيمتراً، وإنما كانوا يلتصقون بجدار أحد المنزلين على الجانبين، ويعبرون إلى جواره، وهم يتطلعون إليه في شيء من الخوف والرهبة، وكأنما سيقفز الشيطان نفسه خارجه بغتة دون سابق إنذار...

ومع الفكرة، بدأت الأمهات لعبة إرهاب الصغار، التي نمارسها كلنا في عالمنا، دون أن نقدر عواقبها وتبعاتها....
فإذا ما أساءوا التصرف، سيخرج الشيطان من شق الشارع ويأخذهم معه إلى الأعماق...
كلهن رددن هذا...
وكلهن أرهبن صغارهن...
وأصبح الصغار يخافون الشق، ويرهبونه، ويخشون مجرد المرور إلى جواره....

وفي الوقت نفسه، وذات ليلة من ليالي الشتاء الباردة، ازداد اتساع الشق دون مقدمات....
أوى الناس إلى أسرّتهم واتساع جانبيه لا يزيد على السنتيمترات العشرين، واستيقظوا ليجدوها زادت عشرا...
لا أحد يدري متى أو كيف حدث هذا؟!!..
المهم أنهم وجدوه هكذا....
وتحول الخوف إلى فزع....
فزع من ذلك الشق الغامض، ومن وقوع الصغار المحتمل فيه، ومما قد يجلبه من باطن الأرض....

ومع الفزع، انهالت الشكاوى على إدارة الحي، تطالبه بسرعة إغلاق وسد ذلك الشق، قبل أن يزداد اتساعاً، ويؤدي في المستقبل إلى كارثة.....
وكالمعتاد، تباطأت إدارة الحي في تنفيذ إرادة سكانه، واكتفت بإرسال مهندس، ألقى نظرة على الشق، ثم دوّن بضع كلمات في كراس كبير معه، ورحل في سيارة الحكومة...
ولم يحدث أي شيء بعدها....

ولأن الناس أصبحت تخاف ذلك الشق بالفعل، تطوع الحاج" عوض"، وهو بقال بلدي من سكان الحي، يعمل في كار المعمار منذ نعومة أظافره، دون أن يجيد القراءة والكتابة، وأحضر على نفقته الخاصة عدة أجولة من الأسمنت والرمل، وفريق من العمال، لسد ذلك الشق...

ولقد عمل الكل حقاً بمنتهى النشاط، وبذلوا أكبر جهد ممكن، وأفرغوا أكثر من عشرة أجولة من الأسمنت والرمال في الشق....
ولكنها لم تكفِ...

ليس هذا فحسب، ولكنها حتى لم تحدث أدنى أثر، وكأن الأعماق ابتلعت كل هذا، دون أن تصاب بعسر الهضم... وهنا وقف الحاج" عوض" حائراً، أمام ذلك التحدي، الذي لم يواجه مثله، في حياته كلها، ثم توصل أخيراً إلى فكرة جديدة، فبدلاً من محاولة ردم الشق، قام بتغطيته بألواح سميكة من الصلب، وصب فوقها الأسمنت المسلح، وأخفى الشق تماماً....

وتنفس الحي كله الصعداء، وقضى ليلة دافئة هانئة، لأول مرة منذ زمن طويل....
بل ثلاث ليال كاملة....
ولكن في الليلة الرابعة، وبعد منتصف الليل بقليل، ارتج الحي كله، على نحو أصاب الجميع بالفزع، فهرعوا خارج منازلهم، هرباً مما تصوروه زلزالا عنيفا....
وكانت المفاجأة أكثر عنفاً....

الحديد الذي يغطي الشق، والأسمنت المسلح فوقه، كلها تحطمت، طبقة بعد الأخرى، وظهر الشق من تحتها، وقد ازداد اتساعه عشرة سنتيمترات أخرى....

أربعون سنتيمتراً أصبحت تفصل بداية الشارع عن نهايته....
أربعون سنتيمتراًَ، فيها كل الخوف...

وكل الرعب...
ولدقائق كاملة، لا يدري عددها إلا الله -سبحانه وتعالى- وقف الكل يحدقون في ذلك الشق الرهيب، وقد راودتهم فكرة السعي للبحث عن مسكن آخر، على الرغم من أزمة المساكن الطاحنة....