لم يعد هناك أمل..
الموقف صار أكثر تعقيداً من أن يكون له مخرج..
أي مخرج..

تلك النباتات الفضائية المفترسة قتلت مفتش الشرطة ومساعديه..
تجاوزت كل الحدود، ولم تعد تبالي حتى بكشف أمرها..
إنها تقاتل الآن بوجوه سافرة..
أو بيأس واضح..

وهو لا يدري ما الذي ينبغي أن يفعله..
بل وما الذي لا يمكن أن يفعله..
إنه لا يدري حتى ما الذي فعلته بجثث المفتش ومساعديه، ولكن ما يعرفه هو أن سيارتهم، التي تحمل أرقام الشرطة، مازالت تقف أمام فيلاه، وكل الخفراء يهرعون إليها، إثر دوي الرصاصات..

لقد بذل جهداً خارقاً؛ لإخفاء سيارة "سامح" بعد مصرعه، أما هذه السيارة، فلا سبيل لإخفاء أمرها..
ها هم أولاء الخفراء، يلتفون حول الكوخ الخشبي، ومازالوا يخشون مجرد لمسه، على الرغم من ثقتهم في أن دوي الرصاصات قد انبعث من داخله..

لا يمكنه أن يصمت..
أو أن يتجاوز الأمر..

لقد تحوَّل الموقف كله، من تجربة متهورة، إلى مأساة شاملة، جعلت منه، شاء أم أبى، مجرما آثما رهيبا، وشريكا في أكبر رعب يمكن أن تواجهه البشرية، في تاريخها كله..

رعب بذور أتت من هناك..
من قلب الفضاء..
أتت حاملة معها الموت والفناء للبشر..
كل البشر..
بل كل الكائنات..

ولا يمكن أن يتجاوز هذا..
لا يمكن أن يتجاوزه، ويمضي في حياته، حتى ولو عجزت يد القانون عن إثبات تورطه في الأمر..

تذكَّر في تلك اللحظة أن صفيحتي البنزين مازالتا هناك، داخل ذلك الكوخ الخشبي، وأن المناخ الرطب، لن يسمح بتبخر ما أسكب من الصفيحة الثالثة بسرعة..

إنها فرصته إذن..
فرصة القضاء على...

انتبه فجأة إلى أن تلك الأشياء تستطيع الغوص في عقله، وقراءة أفكاره، فسعى لتشتيتها، وراح يتذكَّر الأحداث السابقة، وهو يتجه في حزم نحو السلم..

تذكر مقدم تلك البذور، وما سبقته من انفجارات ودمار بالقرية، وتذكَّر زراعتها، ونموها، وشراستها..
و"سامح"..

مع تلك اللمحة الأخيرة، كان قد بلغ الكوخ الخشبي، فهتف به أحد الخفراء في توتر:
- سمعنا دوي رصاصات هنا يا بك.

ألقى عليه نظرة خاوية، دون أن يهمس ببنت شفة، خشية أن يتحرَّك لسانه، فينطلق معه عقله، وتكشف تلك الكائنات المتوحشة ما ينتويه..

كائنات متوحشة.. توقف طويلاً عند الوصف، وراح يتساءل في أعماقه: أهي فعلاً كائنات متوحشة، أم مجرد كائنات مسكينة، وجدت نفسها في بيئة مختلفة، محرومة من غذائها الرئيسي، فسعت للبحث عن غذاء بديل، بأي ثمن؟

ماذا لو أنه هو تعرَّض للموقف ذاته؟!..
ماذا لو أن كائنات أخرى حملته إلى بيئة مختلفة، عجز عن التكيف فيها، والبقاء حياً داخلها، إلا لو قتل بعض سكانها الأصليين..
هل كان سيتردَّد عندئذ؟!..
من أدراه؟!..

لا أحد يمكنه الجزم، ما لم يوجد في المناخ والظروف أنفسهما..
لا أحد..

كاذب هو من يدَّعي العكس؛ فغريزة البقاء، في أعماق كل كائن حي، تدفعه للحفاظ على حياته بأي ثمن..
حتى لو كان الثمن هو حياة الآخرين..
وسلامتهم..
وأمنهم..

لهذا يرتكب الإنسان كل موبقات الدنيا..
يكذب.. يسرق.. وحتى يقتل، للحفاظ على نفسه..
نفسه أولاً..

دارت كل هذه الأفكار في ذهنه، وهو يدفع باب الكوخ بيده، ويدلف إليه، ويغلق بابه خلفه، أمام عيون خفرائه المندهشة والمستنكرة، والمذعورة أيضاً..
وفي الداخل، بدا له الموقف مختلفاً..

لم تكن تلك النباتات قد انتهت من التهام طعامها بعد، ومازالت تمزق أجساد ضحاياها، والدماء متناثرة في كل مكان، وبقايا الأشلاء تذوب، بفعل حامض عجيب تفرزه أفرعها..
وعند دخوله، توقف كل هذا