ماذا سيفعل في هذا المأزق؟!....

هذا هو التساؤل الوحيد، الذي سيطر على عقل "وليد"، وهو يعود إلى حجرته لاهثاً، وكأنما دار حول الأرض كلها جرياً..

لم يدرِ كيف غادر ذلك الكوخ الخشبي، ولا ما الذي قاله لخفراء مزرعته -الذين التفوا حوله- تبريراً لصرخاته داخله....

كل ما يذكره هو أنه وجد نفسه يعدو بكل قوته؛ ليصعد إلى حجرة نومه، في الطابق العلوي...

وهناك، وقف صامتاً لاهثاً، يحدق في شاشة التلفاز الكبير، في رعب ما بعده رعب، دون أن يجرؤ حتى على لمسه...

ما يحدث في ذلك الكوخ كان رهيباً...
وبكل المقاييس...

لقد ساهم في صنع وحش لا يعلم إلا الخالق عز وجل، إلى أي مدى يمكن أن يتمادى....

تلك الكائنات قد تبدو أشبه بالنباتات، وتنمو مثلها من بذور، إلا أنها حتماً لا تنتمي لأية فصيلة نباتية عرفها في حياته....

إنها ليست نباتات حتماً...
إنها مخلوقات عاقلة...
ذكية...
وشريرة...
أو على الأقل، هي شريرة من وجهة نظره، ونظر كل كائن أرضي فحسب...
أما في عالمها، فهي مجرد كائنات، لها الحق في أن تحيا، وأن تقاتل من أجل حياتها، مهما كانت الصعاب...

ومهما كان الثمن...
وهو أتى بها إلى عالمه....

هو زرعها في تربتنا، ورواها بمياهنا، وأجبرها على النمو، في عالم غريب....

عالم تجهل كل شيء عنه، وستقاتل لتحيا فيه وتبقى....
حتى لو التهمت البشر....

كل البشر...

ارتجف جسده، وسرت فيه قشعريرة باردة كالثلج، عندما بلغ تفكيره هذه النقطة، واتسعت عيناه عن آخرهما، عندما تذكر ذلك المطلب البشع، الذي طالبته به تلك الكائنات...
اللحم....
اللحم البشري...

لقد كشفت أوراقها، وأسفرت عن وجوهها وأنيابها، وعن شراهتها لبني جنسه.....
وإلاّ....

مرة أخرى، ارتجف جسده في عنف، فألقى نفسه على طرف فراشه، دفن وجهه بين كفيه، وراح ينتحب، قائلاً:
ماذا فعلت؟!.... رباه!.... ماذا فعلت؟!

"أتيت بنا..."....

أتاه الجواب، بذلك الصوت العقلي الفحيحي العميق؛ فانتفض على نحو أكثر عنفاً، ووثب في فراشه، وحدق في النافذة، بكل رعب وذهول الدنيا....
فهناك، كان أحد أفرع النباتات يتسلل داخل الحجرة، ويزحف متجهاً إلى حيث وضع التلفاز الكبير...

وبكل رعب وعصبية، هتف:
ماذ تريدون هذه المرة؟!... ماذا تريدون؟!

عقب هتافه، ظهر فرع ثان...
وثالث...
ورابع....

عشرة أفرع على الأقل، زحفت داخل حجرته، والتفت حول التلفاز الكبير، ثم سحبته نحو النافذة، فتراجع هو مذعوراً، وهو يتساءل عما ستفعل به....

وعبر النافذة حملت الأفرع القوية التلفاز الكبير، ثم غابت به عن عينيه...
وانتفض جسده مرة أخرى....

وأخرى...
وأخرى...

"مزيد من اللحم في الطريق"....

مرة أخرى، تسلل ذلك الصوت الفحيحي في رأسه، فاتسعت عيناه في رعب، وغمغم مكرِّراً:
مزيد من اللحم.

لم يحصل على جواب هذه المرة، ولكن آخر الأفرع اختفى عبر النافذة، خلف التلفاز الكبير، في نفس اللحظة التي التقطت فيها أذنا "وليد" سارينة سيارة شرطة تقترب...

هنا فقط تذكر صديقه "سامح" وما أصابه، فسرت في جسده قشعريرة أخرى، وأسرع يلقي نظرة من النافذة