من العسير للغاية أن تترك سيارة قوية آثاراً تكفي لتتبعها، عندما يكون أصحابها من المحترفين، الذين ارتبكوا جريمة اختطاف، يعاقب عليها القانون الفيدرالي الأمريكي، بمنتهى الصرامة والشدة..
ولكنها أيضاً لن تتلاشى في العدم..

هناك دائماً علامة ما..
أو لمحة ما..
أو شاهد ما..

وكل ما يحتاج إليه الأمر هو خبير..
خبير من طراز خاص جداً..

وعلى الرغم من أن "أحمد" كان يقود سيارة رياضية قوية، تتجاوز سرعتها القصوى مائتي كيلو متر في الساعة، إلا أنه انطلق بها بسرعة بطيئة نسبياً، وعيناه ترصدان الطريق بمنتهى الدقة..
والحنكة..
والخبرة..

كان فحصه لذلك الممر قد أنبأه أن السيارة، التي استخدمت في الاختطاف من سيارات الدفع الرباعي القوية، والمسافة بين إطاريها العريضين يوحي بأنها من طراز "جيب" أو "لاندروفر"، أما احتكاكها بطرف السور، مع ابتعادها السريع، فقد ترك لمحة من طلاء أسود..

هو يبحث إذن عن سيارة رباعية الدفع، سوداء اللون، من أحد الطرازين، وبداخلها يوجد رجلان على الأقل، وبصحبتهما فتاة..
والأرجح أنها ستكون فاقدة الوعي..
أو مخدرة..
ولتفادي الشكوك والفضول، سيجعلها المختطفون تبدو كالنائمة..

انعقد حاجباه، وهو يستعيد كل خبراته، عن عالم الجريمة، ويضع عقله كله في حالة تقمص كامل لموقف المختطفين..

وبين الحين والآخر، كان يتوقف لسؤال المتاجر، أو محطات الوقود، وبخاصة في تفرعات الطرق المختلفة..
وكم أدهشته حالة الاستهتار، التي يتصرف بها المختطفون..

وكم أثارت حذره وشكوكه..
ففي كل مكان توقف به، كان هناك أثر ما..

ثلاثة شهود على الأقل، رصدوا سيارة "جيب" سوداء، بداخلها رجلان، أحدهما أصلع ضخم، والآخر أنيق على نحو مبالغ، وامرأة شقراء، قاسية الملامح، وفتاة نائمة، بدت وكأنها تعاني من نزلة برد حادة..

وكل شاهد منهم، أرشده إلى مسار السيارة..
حتى نقطة، توقفت عندها الآثار تماماً..
ولا شهود فيها على الإطلاق..

وهنا، توقف "أحمد"..
وعاد يفكِّر بمنتهى الدقة..

الذين ارتكبوا الاختطاف من المحترفين حتماً...
فلماذا يتصرفون كالهواة؟!..
لماذا؟!..

توقف طويلاً عند هذه النقطة، وراح يدرسها من كل الوجوه، قبل أن يعود أدراجه بالسيارة، وقد استقرت في وجدانه فكرة بعينها..

ما دامت الآثار قد انقطعت، من نقطة إلى أخرى، فهذا يعني أن تلك "الجيب" قد اختفت هناك..
بين النقطتين..

هناك حتماً محطة توقف..
أو مخبأ..
أو طريق فرعي، يقود إلى مكان ما..

وبعين فاحصة خبيرة، راح يرصد كل متر من الطريق..
بل كل شبر..

ثم فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت مميَّز..
صوت أبواق سيارة شرطة تقترب..
بل سيارتين..

وانتبهت كل حواسه دفعة واحدة..
واعتدل بمنتهى الانتباه..

وفي اللحظة نفسها، ظهرت سيارتا الشرطة..
وانقضتا عليه..
مباشرة..

ولم يكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الذكاء، ليدرك أنهما لم تأتيا للمساعدة..
بل للهجوم..
الشامل..


"لقد عثرنا عليه.."..

نطقها المفتش في ظفر، وهو يخفض هاتفه المحمول عن أذنه، وعيناه تتألقان على نحو عجيب، جعل "مروة" تتساءل في عصبية:
- أليس من الأفضل أن تعثروا على "فريدة"؟

بدت ابتسامة المفتش مستفزة، وهو يقول في ثقة:
- من الواضح أن معلوماتك الأمنية منخفضة للغاية يا سيِّدتي.. العثور على ذلك الإرهابي، يعد الخطوة الأولى، للعثور على ابنتك.

تساءل "أيمن" في توتر، وهو يضم زوجته إليه، محاولاً تهدئتها، على الرغم مما يشعر به:
- وكيف هذا؟!

أجابه المساعد في شيء من الضجر، وكأنه ملول من جهله بأبسط قواعد الأمن:
- ما دام ذلك السائق هو المسئول عن اختفاء ابنتك، فالعثور عليه هو أول الـ...

قاطعه "أيمن"، في شيء من الحدة:
- ولماذا افترضتم هذا؟!

مطَّ المفتش شفتيه، وقال:
- أظنه أمراً واضحاً للغاية..

قالت "مروة" في غضب:
- لمَ لا أراه كذلك إذن؟!

أجابها المفتش في صرامة:
- لأنك قصيرة النظر يا سيِّدتي.. وقصر نظرك هذا جعلك لا تنتبهين لما خططه ذلك الإرهابي، عندما بدأ يتقرب من ابنتك.

قالت في عناد:
- "أحمد" ليس إرهابياً، ولا يمكن أن يكون كذلك.

سألها في سخرية صارمة:
- ولِمَ لا؟!.. ألأنّه وسيم، حلو اللسان؟!

قالت في حدة:
- بل دعني أتساءل أنا: ولِمَ نعم؟!.. ألمجرد أنه عربي؟!

بدا من الواضح، من انتفاضة جسده الحادة، أن عبارتها قد أصابته في الصميم، قبل أن ينعقد حاجباه، في غضب ما بعده غضب، ويقول في شراسة ما لها من مثيل:
- هل سنجلس هنا لمناقشة سياستنا تجاه الشرق الأوسط، أم ندخر جهدنا؛ للبحث عن ابنتك المفقودة؟!

أجابته في حدة أكثر:
- بل كنت أفضّل أن ندخر الجهد، بدلاً من إهداره في مطاردة شخص شريف، فقط لأنه عربي، أو لأنه..

قاطعها في غضب شديد:
- كيف تفسرين اختفاءه، واستيلاءه على سيارتكما إذن؟!

بهتت "مروة"، واشتعل عقلها بالسؤال، فانكمشت بين ذراعي زوجها، الذي عاودته توتراته تجاه "أحمد"، فغمغم:
- لست أجد تفسيراً منطقياً لهذا.

أشار المفتش إلى صدره، هاتفاً:
- أما أنا، فلدي تفسير واضح للغاية.

ومال نحو "أيمن"، حتى شعر هذا الأخير بأنفاسه الكريهة تلهب أنفه، وهو يستطرد بكل الشراسة:
- إنه إرهابي.

وفي هذه المرة، وعلى الرغم من عدم اقتناعها، لم تنطق "مروة" بحرف..
حرف واحد..

* * *

الموقف تعقَّد فجأة، دون سابق إنذار..

سيارتا الشرطة ظهرتا كوحشين ثائرين، ينقضان على فريسة منفردة، في شراسة شديدة..

ولأنه استوعب الموقف كله دفعة واحدة، أدرك "أحمد" أن التوقف، ومحاولة توضيح الأمر، سيؤدي إلى عواقب عديدة..
وعنيفة..

واحتكاكه برجال الشرطة، لن يفيده في هذه المرحلة..
بل سيعيقه حتماً..
سيعيقه عن البحث عن "فريدة"..
وإنقاذها..

لذا، فقد اتخذ قراره، وضغط دوَّاسة الوقود، وانطلق بالسيارة الرياضية، بسرعة متزايدة..
وانطلقت خلفه سيارتا الشرطة..

ولأن سيارته، على الرغم من صغر حجمها، مزوَّدة بمحرك سباق خاص، يميِّز طرازها الرياضي، فقد راحت المسافة التي تفصله عن سيارتي الشرطة تتزايد..
وتتزايد..
وتتزايد..
و...

وفجأة، ومع أول منحنى، وجد أمامه ثلاثة حواجز معدنية ثقيلة، تسد الطريق تماماً، وخلفها أربع سيارات شرطة إضافية..
وكان هذا يعني أنه قد وقع في فخ..
فخ محكم.




بقلم الدكتور نبيل فاروق