"لقد عثرنا عليه.."..

نطقها المفتش في ظفر، وهو يخفض هاتفه المحمول عن أذنه، وعيناه تتألقان على نحو عجيب، جعل "مروة" تتساءل في عصبية:
- أليس من الأفضل أن تعثروا على "فريدة"؟

بدت ابتسامة المفتش مستفزة، وهو يقول في ثقة:
- من الواضح أن معلوماتك الأمنية منخفضة للغاية يا سيِّدتي.. العثور على ذلك الإرهابي، يعد الخطوة الأولى، للعثور على ابنتك.

تساءل "أيمن" في توتر، وهو يضم زوجته إليه، محاولاً تهدئتها، على الرغم مما يشعر به:
- وكيف هذا؟!

أجابه المساعد في شيء من الضجر، وكأنه ملول من جهله بأبسط قواعد الأمن:
- ما دام ذلك السائق هو المسئول عن اختفاء ابنتك، فالعثور عليه هو أول الـ...

قاطعه "أيمن"، في شيء من الحدة:
- ولماذا افترضتم هذا؟!

مطَّ المفتش شفتيه، وقال:
- أظنه أمراً واضحاً للغاية..

قالت "مروة" في غضب:
- لمَ لا أراه كذلك إذن؟!

أجابها المفتش في صرامة:
- لأنك قصيرة النظر يا سيِّدتي.. وقصر نظرك هذا جعلك لا تنتبهين لما خططه ذلك الإرهابي، عندما بدأ يتقرب من ابنتك.

قالت في عناد:
- "أحمد" ليس إرهابياً، ولا يمكن أن يكون كذلك.

سألها في سخرية صارمة:
- ولِمَ لا؟!.. ألأنّه وسيم، حلو اللسان؟!

قالت في حدة:
- بل دعني أتساءل أنا: ولِمَ نعم؟!.. ألمجرد أنه عربي؟!

بدا من الواضح، من انتفاضة جسده الحادة، أن عبارتها قد أصابته في الصميم، قبل أن ينعقد حاجباه، في غضب ما بعده غضب، ويقول في شراسة ما لها من مثيل:
- هل سنجلس هنا لمناقشة سياستنا تجاه الشرق الأوسط، أم ندخر جهدنا؛ للبحث عن ابنتك المفقودة؟!

أجابته في حدة أكثر:
- بل كنت أفضّل أن ندخر الجهد، بدلاً من إهداره في مطاردة شخص شريف، فقط لأنه عربي، أو لأنه..

قاطعها في غضب شديد:
- كيف تفسرين اختفاءه، واستيلاءه على سيارتكما إذن؟!

بهتت "مروة"، واشتعل عقلها بالسؤال، فانكمشت بين ذراعي زوجها، الذي عاودته توتراته تجاه "أحمد"، فغمغم:
- لست أجد تفسيراً منطقياً لهذا.

أشار المفتش إلى صدره، هاتفاً:
- أما أنا، فلدي تفسير واضح للغاية.

ومال نحو "أيمن"، حتى شعر هذا الأخير بأنفاسه الكريهة تلهب أنفه، وهو يستطرد بكل الشراسة:
- إنه إرهابي.

وفي هذه المرة، وعلى الرغم من عدم اقتناعها، لم تنطق "مروة" بحرف..
حرف واحد..

* * *

الموقف تعقَّد فجأة، دون سابق إنذار..

سيارتا الشرطة ظهرتا كوحشين ثائرين، ينقضان على فريسة منفردة، في شراسة شديدة..

ولأنه استوعب الموقف كله دفعة واحدة، أدرك "أحمد" أن التوقف، ومحاولة توضيح الأمر، سيؤدي إلى عواقب عديدة..
وعنيفة..

واحتكاكه برجال الشرطة، لن يفيده في هذه المرحلة..
بل سيعيقه حتماً..
سيعيقه عن البحث عن "فريدة"..
وإنقاذها..

لذا، فقد اتخذ قراره، وضغط دوَّاسة الوقود، وانطلق بالسيارة الرياضية، بسرعة متزايدة..
وانطلقت خلفه سيارتا الشرطة..

ولأن سيارته، على الرغم من صغر حجمها، مزوَّدة بمحرك سباق خاص، يميِّز طرازها الرياضي، فقد راحت المسافة التي تفصله عن سيارتي الشرطة تتزايد..
وتتزايد..
وتتزايد..
و...

وفجأة، ومع أول منحنى، وجد أمامه ثلاثة حواجز معدنية ثقيلة، تسد الطريق تماماً، وخلفها أربع سيارات شرطة إضافية..
وكان هذا يعني أنه قد وقع في فخ..
فخ محكم.
"اختفى؟!.."..
هتف المفتش بالكلمة، بكل دهشة وذعر وانزعاج الدنيا، وعيناه تفصحان عما يدور في أعماقه..

وتفجَّر في أعمق أعماق "مروة" غضب بلا حدود..
ابنتها الوحيدة مفقودة، وكل ما يقاتل ذلك الأمريكي من أجله، هو أن تتصدر صورته صحف الغد، باعتباره البطل، الذي أنقذ "أمريكا" كلها من إرهابي..
عربي..

الجزء الأخير ضاعف من حنقها وسخطها، ودفعها إلى أن تهتف بمنتهى الحدة:
- سأتقدَّم بشكوى.

انتفض المفتش ومساعده في عنف، والأوَّل يهتف بها مستنكراً وغاضباً:
- بشأن ماذا؟!

صاحت:
- هذا الاستهتار.. إنكم تنشغلون بمطاردة وهم في رءوسكم، وتهملون ابنتي.

صاح بها المفتش في غضب:
- لا تحاولي تعليمنا كيف نمارس عملنا.

قالت متحدية:
- لم ولن أحاول هذا.. كل ما سأفعله هو أن أتقدم بشكوى لرؤسائكم.

انعقد حاجبا المساعد في حدة، وتبادل نظرة صامتة غاضبة مع رئيسه، وحاول "أيمن" تهدئتها، إلا أنها تابعت في حدة:
- وسأبلغ الصحف.

ازداد انعقاد حاجبي المفتش في شدة، وهو يقول:
- الصحف؟!.. ولِمَ لا؟!

ثم التفت إلى مساعده، وكأنه لا وجود لها، وتابع في صرامة:
- أرسل صورة ذلك الإرهابي إلى الصحف.. وإلى كل قنوات التليفزيون الفيدرالية والمحلية.. أريد نشرة كاملة بشأنه، خلال أقل من ساعة واحدة.

قال المساعد في حماس:
- فوراً يا سيِّدي.

استدار المفتش بنظرة ظافرة إلى "مروة"، التي قالت بمنتهى الحدة:
- عظيم.. وماذا عن ابنتي المفقودة؟

وتضاعف غضب المفتش الأمريكي أكثر..
وأكثر..
وأكثر..

* * *

أشغل الأنيق سيجارة غالية الثمن، ونفث دخانها في بطء، في هواء تلك الحجرة الصغيرة، على نحو جعل "فريدة" تسعل، وتقول في شيء من الحنق:
- هل يمكنك أن تتوقف عن التدخين؟!.. هذا يزعجني بشدة.

قال الأنيق في سخرية:
- حقاً؟!

ثم مال نحوها، ونفث الدخان في وجهها مباشرة، قبل أن يضيف، في سخرية لاذعة:
- لماذا لا يزعجني أنا إذن؟!

سعلت "فريدة" بشدة، وهي تحاول إبعاد وجهها عن مسار الدخان، الذي امتزج برائحة فمه، فزمجر الأصلع في غلظة، قائلاً:
- اصمتي يا فتاة، وإلا قطعت لسانك هذا.

رمقته "فريدة" بنظرة مقت صامتة، فضحكت الشقراء، قائلة، وهي تلوِّح بيدها:
- يا لك من وقح!.. من الواضح أنك لا تجيد التعامل مع أبناء الطبقة الراقية.

زمجر الأصلع مرة أخرى، وهو يقول:
- أمر طبيعي، فلم أعمل يوماً خادماً في منازلهم، كما فعلت أنت.

انعقد حاجباها في غضب، وقالت في حدة:
- وقح!

أشار إليهما الأنيق بالصمت، وهو يتراجع في مقعده، قائلاً بلهجة آمرة صارمة:
- صمتاً.. هناك اتصال، من الفريق الاحتياطي.

كان رنين هاتفه المحمول خافتاً، إلى حد لم ينتبه له أحدهما، إلا أنه رفعه إلى أذنه، في حركة سريعة، قائلاً:
- ما الجديد؟!

انعقد حاجباه، على نحو يوحي بالاهتمام الشديد، وهو يستمع إلى محدثه، قبل أن يقول:
- كلا.. اتركوه يقترب.. هذا جزء من الخطة.

أنهى المحادثة، فسألته الشقراء في اهتمام، حمل لمحة من القلق:
- عمن يتحدَّثون؟!

استرخى الأنيق في مقعده، وحمل وجهه ابتسامة كبيرة واثقة، وهو يقول:
- عن رجلنا.

ثم مال نحوها، مضيفاً في جذل:
- ذلك السائق.

وانعقد حاجباها..
بشدة.

بقلم الدكتور نبيل فاروق