كانت ليلة من ليالي الشتاء، انهمرت فيها الأمطار في غزارة غير مسبوقة، حتى بدت الرؤية متعذرة أمام عيني "أيمن"، الذي اعتاد قيادة سيارته بنفسه، ربما كجزء من شخصيته، التي لا تسمح للآخرين باحتلال مواقع القيادة، في أي أمر يخص حياته، ولقد اضطره هذا إلى القيادة بسرعة بطيئة نسبياً، خشية أن تنزلق سيارته إلى تلك الهاوية شديدة العمق، التي يمر بها يومياً، في طريقه من الشركة إلى المنزل..

ثم فجأة، ظهرت تلك السيارة..

سيارة قوية، من سيارات الدفع الرباعي، انطلقت تتجاوزه، بسرعة لا تتناسب مع الطرق الزلجة، حتى إنها أثارت خوفه هو شخصياً، قبل حتى أن تنحرف بحركة حادة، لتعترض طريقه بغتة..

وبمنتهى الذعر والتوتر، انتقلت قدمه إلى دوَّاسة الفرامل، وضغطها على نحو فقدت معه السيارة توازنها، وانزلقت على الطريق بزاوية مخيفة، جعلتها تندفع نحو الهاوية، وهو يصرخ..
ويصرخ..
ويصرخ..

ثم ارتطمت السيارة بذلك الحاجز المعدني، الذي يحمي الحافة، في تلك المنطقة..

ورفع هو ذراعه، ليحمي وجهه وجسده، وحياته كلها تمر أمام عينيه كشريط سينمائي متصل سريع، توقف عند صورتي زوجته وابنته..

ولوهلة، بدا له أن سيارته ستهوي من حالق، وترتطم بالصخور الحادة، التي ستمزقها وتسحقها، قبل أن تنفجر، كما يشاهد في أفلام الحركة العنيفة..

إلا أن هذا لم يحدث..
لقد ارتطمت السيارة بالحاجز، وانبعج جانبها في عنف، إلا أنها لم تسقط، ولم تنفجر..
فقط علقت هناك..
عند طرف الحافة..

وعلى الرغم من هذا، لم يتوقف "أيمن" عن الصراخ مرة..
وثانية..
وثالثة..

وعندما توقف، ورفع ذراعه عن وجهه، انتفض جسده كله بمنتهى الرعب، واتسعت عيناه عن آخرهما، وهو يحدِّق في فوهة مسدس، مصوَّبة إلى رأسه مباشرة، وخلفها وجه رجل أصلع غليظ الملامح، يبتسم ابتسامة وحشية شرسة، وهو يجذب إبرة المسدس..

وشهق "أيمن"..
وانتفض..
ثم تجمَّد في مكانه..
وضغط الأصلع الزناد..

وسمع هو تكة الإبرة، وهي ترتطم بالقاذف..
وأغلق عينيه في قوة وذعر..
ولكنه لم يسمع صوت الرصاصة..

فقط تلك التكة، التي أعقبتها ضحكة وحشية ساخرة من الأصلع، الذي تراجع في بطء، ليظهر من خلفه رجل أنيق قوي البنية، قال في هدوء مخيف، وهو يحمل مظلة جلدية بيضاء:
- يمكنك أن تعتبر هذه مجرد "بروفة".. في المرة القادمة سنؤدي المشهد كاملاً..

وفهم "أيمن" ما يعنيه الأنيق على الفور..
وتجمَّد في مكانه..
واتسعت عيناه، حتى بلغتا أقصاهما..

وفي هدوء، وبإشارة من يده، عاد الأنيق مع الأصلع إلى السيارة، التي انطلقت بهما على الفور، عائدة من حيث أتت..

أما "أيمن"، فقد ظل جامداً داخل سيارته لربع ساعة كاملة، قبل أن يدير محركها بيد مرتجفة، وينطلق بها بأدنى سرعة ممكنة، عائداً إلى منزله، حيث حاول إقناع الكل، حتى رجال الشرطة أنفسهم، بأن ما حدث مجرد انزلاق على الطريق؛ بسبب الأمطار الغزيرة..

"أحمد" وحده لم يقنعه هذا..

صحيح أنه لم يبدِ اعتراضاً أو حتى يناقش الأمر، إلا أن "أيمن" رآه يفحص إصابة السيارة في إمعان، ثم يقف إلى جوارها مفكراً في عمق شديد، وكأنما أدرك شيئاً ما..

ولقد ظل "أيمن" مذعوراً مما حدث لأسبوع كامل، نسى خلاله أمر سائق زوجته، ولم يعد يفكر سوى في تلك الصفقة الدفاعية الضخمة، وما يحدث للاستيلاء عليها، وراودته فكرة إبلاغ مسئولي وزارة الدفاع بما حدث، إلا أنه أدرك أنه بدون دليل، لن يمكنه أن يحظى بأية حماية، وفقاً للنظام الأمريكي..
ثم أن التهديدات توقفت بعد حادثة السيارة..

وبدا وكأن الأمور كلها قد هدأت..

وكان عليه أن ينسى الأمر، وأن يواصل عمله، حتى لا يخسر أضخم صفقة في حياته، بسبب خوف بدائي بسيط..
وعاد يجتمع بفريق العمل، لمواصلة التخطيط لعملية تجديد المطارات..
ونسي الأمر بالفعل..
و..



""أيمن".. "فريدة" لم تعد إلى المنزل.."..

صرخت "مروة" بالعبارة في أذنه عبر الهاتف، وصوتها يحمل كل ذعر وهلع الدنيا، فصاح بها والانفعال يكاد يعصف بنفسه:
- كيف هذا؟!.. وأين "أحمد"؟!.. أين ذلك الخامل الكسول؟!.. كيف تركها؟!..".

أجابته "مروة" باكية مذعورة:
- لا شأن للسائق بالأمر.. إنه يوم السبت، وهي لم تذهب إلى المدرسة.

ارتبك بشدة، وهو يغمغم:
- السبت؟!

صاحت به:
- نعم.. السبت.. منذ بدأ مشروعك السخيف هذا، لم تعد تمنحنا حتى أيام الإجازات.. لم تعد حتى..

صرخ بها:
- ليس هذا وقت العتاب.. أين "فريدة"؟!

أجابته، وقد استعاد صوتها دموعه:
- لقد ذهبت لزيارة صديقتها "لورا"، في المنزل المجاور، وعندما تأخرت، ذهبت للسؤال عنها، أجابوني أنها قد انصرفت منذ فترة طويلة، ولكنها لم تعد إلى المنزل.. لقد فقدناها يا "أيمن".. فقدناها.

صرخ فيها:
- إياكِ أن تنطقيها.. أبلغي الشرطة فوراً.. أنا في طريقي إلى المنزل بأقصى سرعة.

هتفت به مرتجفة:
- أسرع بالله عليك.. أسرع.

أنهت المحادثة، ووضعت سماعة الهاتف، واستدارت لتجد "أحمد" أمامها مباشرة..
وشهقت "مروة"..

فلوهلة، بدا لها ذلك الواقف أمامها مختلفاً تماماً عن ذلك السائق، الذي عرفته خلال الأشهر القليلة الماضية..

كان يبدو أكثر صرامة، وأغزر قوة، كما بدا بقامته الممشوقة وبنيته القوية، وتلك النظرة الغاضبة في عينيه، أشبه بعملاق أسطوري، وهو يسألها:
- أحقاً ما سمعت؟!

عادت تلتقط سماعة الهاتف، وهى تقول في انهيار:
- نعم.. نعم.. "فريدة" مفقودة.. "فريدة" لم تعد إلى المنزل.

واستدارت تطلب رقم الشرطة، قبل أن تلتفت إليه، هاتفة:
- اطلب من الـ...

ولم تتم عبارتها..
فخلال اللحظة التي أبعدت نظرها فيها عنه، اختفى "أحمد"..
اختفى تماماً..

وقبل أن تتساءل أين ذهب، سمعت صوت مسئول الشرطة عبر الهاتف، وهو يسألها:
- أية خدمة يمكنني تقديمها؟

صرخت عبر الهاتف:
- ابنتي مفقودة.

راح مسئول الشرطة يلقي عليها أسئلته التقليدية السريعة؛ لاستكمال بياناته، وهي تجيبه في توتر بالغ، وعيناها تنفذان عبر زجاج الشرفة المواجهة لها، بحثاً عن سائقها..
عن "أحمد"..

ثم فجأة، لمحته هناك..
عند طرف ذلك الطريق، الذي يوصل منزلها بمنزل والد "لورا"..

كان منحنياً، يفحص الطريق بمنتهى الدقة..
وامتلأت نفسها بدهشة ما بعدها دهشة..

وبكل انفعالها، وجدت نفسها تطرح داخلها سؤالاً مخيفاً..
ترى من هو سائقها حقاً؟!..
من هو؟!..
من؟!.


بقلم الدكتور نبيل فاروق