"مركبة الأمن الفضائي تطلب الإذن بالهبوط"..
تردَّد ذلك النداء، داخل محطة الفضاء المدارية العربية، التي تدور حول كوكب الأرض، واستقبله رجال المهبط الخاص، فأرسلوا على الفور إذن الهبوط إلى مركبة الأمن، التي عبرت تلك الفجوة الضخمة، في منتصف المحطة، قبل أن تستقر في منتصف المهبط تماماً، وتُغلق الفجوة فوقها..
وعندما غادر مفتش الأمن الفضائي "سالم" المركبة، كان في استقباله قائد المحطة الفضائية، الذي صافحه في برود، وهو يقول:
- أأنت مفتش الأمن، الذي أخبرونا بقدومه؟

أجاب "سالم" في هدوء:
- نعم.. هو أنا.

مطَّ القائد شفتيه في ضيق، وهو يرمقه بنظرة طويلة، مغمغماً:
- من الواضح أنك لم تتجاوز الثلاثين بعد.

أومأ "سالم" برأسه إيجاباً، دون أن ينبس ببنت شفة، فقد كان يعلم جيداً أن وجوده في المحطة الفضائية أمر غير مرغوب فيه، وأن رجال الأمن فيها سيشعرون بالحنق حتماً؛ لأن مهمة البحث لم توكل إليهم دونه، ولكنه يعلم أيضاً أن هذه المهمة بالذات كانت تحتاج إلى مفتش أمن من خارج المحطة، نظراً لطبيعتها المقلقة، إذ بدأت بعض المعلومات السرية، الخاصة بالمحطة الفضائية، تتسرَّب إلى الدول المنافسة، على نحو مثير للجزع، دون معرفة الشخص المسئول عن تسرُّب هذه المعلومات، داخل المحطة..

وفي ضيق واضح، قال القائد:
- المفترض أنك ستجري تحقيقاً واسعاً.. أليس كذلك؟

أجابه "سالم" في هدوء:
- الأمر لا يحتاج إلى تحقيق واسع المدى.

توقَّف قائد المحطة عن السير، وحدَّق في وجهه بدهشة، قبل أن يهتف:
- ماذا تعني بأن الأمر لا يحتاج إلى تحقيق واسع المدى؟.. أتعرف عدد العاملين بهذه المحطة الفضائية؟

أجابه "سالم" في بساطة، وهو يحرص أشدّ الحرص على عدم إثارة المزيد من التوتر والمتاعب:
- تسعة وعشرين عاملاً.. نصفهم لم ينضمّ إلى المحطة إلا في عام ألفين وواحد وثلاثين.. أي منذ عام واحد فقط، ولكن المسئولين عن قسم المعلومات لا يتجاوز عددهم الثلاثة، وفيهم وحدهم تنحصر فيه كل الشبهات.

عقد القائد حاجبيه، وهو يقول:
- تظن نفسك ذكياً.. أليس كذلك؟

هزَّ "سالم" رأسه نفياً، وقال:
- بل أُحاول اختصار الوقت فحسب.

عاود القائد سيره إلى جواره، عبر ممرات محطة الفضاء الضخمة، حتى بلغا قسم المعلومات، فنهض الرجال الثلاثة، المسئولون عن القسم، لاستقبال القائد و"سالم"، وهم يرمقون هذا الأخير بنظرات عدائية واضحة، قبل حتى أن يُقدِّمه إليهم القائد، قائلاً:
- المفتش "سالم"، من إدارة الأمن الفضائي.

همهم ثلاثتهم بكلمات غير مفهومة، وقدَّمهم القائد إلى "سالم"، بقوله:
- هذا "فاضل"، مهندس الكمبيوتر الأوَّل، والبدين هو "صلاح" ضابط الاتصالات، والثالث "أمجد"، المسئول الأمني.

حيَّاهم "سالم" بإشارة من يده، وبحث عقله عن وسيلة مناسبة، لبدء الحديث في الأمر، دون إثارة المزيد من روح العداء، ولكن القائد فاجأه بقوله:
- المفتش "سالم" هنا؛ لأنه يشتبه في أن أحدكم هو الجاسوس، المسئول عن تسرُّب المعلومات.

تفجَّر الغضب في وجوه الثلاثة، وقال "أمجد" في عصبية:
- هل تتهمنا أيها المفتش؟

أجابه "سالم"، وهو يضع في صوته أكبر قدر ممكن، من الهدوء والرصانة:
- لم أتهم أحداً بعد.

صاح "فاضل":
- ولكنك تشك فينا.

قال "سالم"، وقد بدأ الضيق يتسلَّل إليه:
- من الطبيعي أن أشك في الجميع.

قال "صلاح" في حدة:
- ومن سيسمح لك بهذا؟

لم يكن هذا النمط العدواني مفاجئاً بالنسبة لـ"سالم"، ولكنه كان يشعر منذ البداية بالتوتر، مما جعله يقول في صرامة:
- ومن قال إنني أنتظر السماح من أيكم؟.. إنني هنا في مهمة رسمية، وسأؤدي واجبي، رغماً عن أنف الجميع، ولكل منكم الحق في التقدُّم بشكوى رسمية، للمسئولين في كوكب الأرض، لو تجاوزت الأساليب القانونية في التحقيق.

كانت عبارته، بالأسلوب الصارم، الذي نطقها به، كافية ليسود الصمت التام لحظة، قبل أن يُغمغم "فاضل":
- هذا حقك.

اعتدل "سالم"، قائلاً:
- عظيم.. هكذا نكون قد وضعنا أيدينا على نقطة البداية السليمة أيها السادة، فالحقيقة الوحيدة المؤكَّدة، هي أن المعلومات قد تسرَّبت من المحطة بالفعل، والسؤال هنا هو: من المسئول عن هذه الخيانة؟ وكيف أمكنه تسريب المعلومات؟

جال ببصره في وجوه الرجال الثلاثة بنظرة فاحصة، في حين قال القائد:
- وسيلة تسريب المعلومات هي اللغز الحقيقي يا مفتش الأمن، فما من مخلوق يمكنه مغادرة المحطة، في أية إجازة، دون أن يتمّ تفتيشه بدقة شديدة، بحيث يستحيل أن يحمل أية معلومات معه، وكل المعلومات التي تسرَّبت، عبارة عن معادلات ورموز شديدة التعقيد، يستحيل حفظها، في عقل بشري عادي.

قال "سالم" في هدوء:
- ولكن يمكن إرسال المعلومات، بوسيلة اتصال لاسلكية مثلاً.

انتفض "صلاح"، هاتفاً:
- أتتهمني أيها المفتش؟

هزَّ "سالم" كتفيه، قائلاً:
- إنه مجرَّد احتمال.

صاح "صلاح" غاضباً:
- ولماذا أنا بالذات؟.. الجميع هنا كانوا يعرفون هذه المعلومات.. "فاضل"، و"أمجد"، وأنا.. وحتى القائد نفسه.

هتف القائد مستنكراً:
- أنا؟!

لوَّح "صلاح" بسبَّابته في وجهه، هاتفاً:
- نعم.. أنت أيضاً طالعت كل المعلومات السرية، على شاشة الكمبيوتر، أثناء الفحص السنوي.

صاح القائد:
- وهل كان من الممكن أن أحفظها كلها، خلال ربع الساعة، التي طالعتها فيها.

هتف "صلاح":
- ومن أدراني؟

أشار "سالم" بيده إشارة صارمة، وقال:
- مهلاً أيها السادة.. لسنا هنا لتبادل اتهامات بلا طائل.

اندفع "أمجد" يقول:
- ولمَ لا؟.. إنك تشتبه فينا جميعاً، والقائد لا يمتاز عنا بشيء.. إنه متهم أيضاً.



كان "سالم" يسمع ويقرأ كثيراً عن بريق الغضب، ولكنها كانت أوَّل مرة يرى فيها هذا البريق في وضوح، في عيني القائد، وهو يقول:
- كيف تجرؤ؟

خشى "سالم" أن ينقلب الأمر إلى مشاجرة، فأسرع يقول:
- دعونا أوَّلاً نبحث عن الوسيلة المنطقية، التي تسرَّبت بها المعلومات أيها السادة، وسيقودنا هذا وحده إلى معرفة الفاعل.

قال "صلاح" في حدة:
- إنني لم أبثها إلى أية جهة بالتأكيد.

أجابه "سالم":
- أعلم هذا.. فكل الاتصالات من هنا إلى الأرض، أو إلى أية محطات فضائية أخرى، تتم عبر قمر الاتصالات العربي (نيل سات - 7)، وكلها يتم تسجيلها آلياً، ولقد راجعتها كلها، وتأكَّدت من أنك لم تفعل.

تنهَّد "صلاح" في ارتياح، وكأنما انزاح عن كاهله عبء ثقيل، في حين قال "فاضل":
- كيف تم تسريبها إذن؟

واجهه "سالم"، قائلاً:
- ربما بواساطة أسطوانة دقيقة، من أسطوانات الكمبيوتر الحديثة، التي لم يعد حجمها يزيد عن حجم علبة ثقاب قديمة، يمكن تهريبها في كعب حذاء، أو..

قاطعه "فاضل" في انفعال:
- مستحيل أيها العبقري، فكل عمليات الكمبيوتر، حتى النسخ والتسجيل، تحتفظ بها ذاكرة الكمبيوتر، ويمكنك الرجوع إليها، للتأكّد من أن أي مخلوق لا يمكنه نسخ هذه المعلومات، دون أن يحدِّد الكمبيوتر شخصيته بمنتهى الدقة.

وصمت لحظة، ثم استدرك في غضب:
- ثم إن تجاوز نطاق الأمن مستحيل، وأنت تحمل أسطوانة من أسطوانات الكمبيوتر، فالتفتيش يتمّ بأجهزة فحص إشعاعي دقيقة، لا يمكنك إخفاء أي شيء عنها، إلا إذا احتفظت به في جمجمتك.

قال "سالم":
- أتقصد لو حفظتها عن ظهر قلب؟.. هذا يُشير إلى شخص بيننا، يقول ملفه: إنه صاحب ذاكرة فوتوجرافية، أثارت دهشة الجميع في الماضي.

قال "أمجد" في عصبية:
- لو أنك تقصدني فأنت مخطئ أيها المفتش.

التفت إليه "سالم"، وقال في هدوء:
- لماذا يا "أمجد"؟ إنك بالفعل صاحب ذاكرة قوية.

أجابه بنفس العصبية:
- لست أنكر هذا، ولكنك تتهمني بالخيانة، وهذا يحتاج منك إلى دليل أقوى من هذا، فصحيح أن ذاكرتي قوية، وأنني أستطيع حفظ كل هذه المعلومات عن ظهر قلب، ولكنني لم أحصل على إجازة واحدة، منذ عام كامل، فكيف يمكنني تسريب هذه المعلومات؟

كان على حق، في هذه النقطة بالذات، مما جعل "سالم" يشعر بشيء من الحيرة، وهو يتساءل عن الوسيلة المناسبة، للعثور على دليل إدانة واحد، يمكن أن يرشده إلى الخائن، حتى قطع القائد حيرته، وهو يقول:
- ربما عن طريق أحد العاملين الآخرين هنا.

التفت إليه "سالم" في حركة حادة، وقد أنعشه هذا الاحتمال الجديد، ورأى عين القائد تتألق على نحو مثير، تحت أضواء القاعة، وهو يُضيف:
- إنك بعد حفظ المعلومات، يمكنك نقلها إلى أحد العاملين، لينقلها بدوره إلى الأرض، و…

قاطعه "سالم" في هدوء:
- هذا مستحيل عملياً، ما لم تكن ذاكرة هذا العامل الآخر فوتوجرافية بدورها، بحيث يمكنه حفظ كل ما يسمعه، أو يراه.. أو…

بتر عبارته بغتة، والتقى حاجباه في شدة، وبدا وكأنه يُفكِّر في عمق شديد، مما جعل القائد يسأله في اهتمام:
- هل برزت في رأسك فكرة جديدة؟

أجابه "سالم" في حماس:
- بل هي فكرة قديمة، تم تطويرها على نحو يُناسب العصر.

ردَّد القائد:
- فكرة قديمة؟!

أجاب "سالم"، وقد تضاعف حماسه أكثر:
- نعم أيها القائد.. لقد احتفظ الخائن الحقيقي بالمعلومات في جمجمته، ولكنه لم يحفظها عن ظهر قلب، بل احتفظ بها فعلياً.

سأله القائد في دهشة، والجميع يتطلَّعون إليه في حيرة:
- ماذا تعني بالضبط؟

أشار "سالم" إلى عين القائد اليسرى بغتة، وهو يقول:
- هذه العين صناعية.. أليس كذلك؟

كان من الممكن أن يكون السؤال عادياً، ولكن رد فعل القائد جاء أعنف مما ينبغي، فقد تراجع في حركة حادة، ثم قفزت يده تنتزع مسدس الليزر المعلَّق بحزامه، لولا أن "سالم" قد وثب نحوه، وأمسك معصمه، ولواه خلف ظهره في سرعة، ثم رفع إصبعه في عين القائد اليسرى، قائلاً:
- هل تسمح؟

انتفض جسد "صلاح"، واتسعت عينا "أمجد"، في حين أطلق "فاضل" شهقة عنيفة، عندما غاصت سبَّابة "سالم" في تجويف عين القائد وانتزع كرة العين في حركة سريعة، أطلق لها القائد صرخة ألم خافتة، لم تتناسب مع الموقف، مما جعل "صلاح" يهتف في هلع:
- ماذا فعلت يا رجل؟.. هل جننت؟

رفع "سالم" كرة العين بيده، قائلاً:
- بل توصَّلت إلى الحقيقة يا رجل.. لم يكن بريق هذه العين طبيعياً، بأية حال من الأحوال.. هيا.. تأملوها جيداً.. إنها مجرَّد عين صناعية، بدلاً من عين القائد الزائف هذا.. وهي في الواقع آلة تصوير دقيقة، التقط بها صور المعلومات، من شاشة الكمبيوتر، ثم نقلها إلى أقرانه.. إنه ليس قائدكم الحقيقي، إنه شبيه له.

كانت المفاجأة مدهشة بحق، ولكن آلة التصوير الشبيهة بالعين كانت دليلاً لا يرقى إليه الشك، مما جعل الخائن يعترف اعترافاً تفصيلياً، قبل حتى أن يحمله "سالم" في مركبته الفضائية، عائداً إلى الأرض، وسعيداً بنجاحه في حل هذه القضية..
قضية الفضاء.

بقلم الدكتور نبيل فاروق