الظاهرة تفشت بدرجة لا يمكن غض الطرف عنها.. لايمر يوم دون أن تتصدر عناوين الصحف أخبار عن حالات تعدى وانتهاكات فى حق أبناء الجاليات المصرية فى الدول العربية .. ولم تعد تشفع معها الرسائل الدبلوماسية الناعمة الصادرة من الدول الشقيقة والتى لا ترقى إلى مرتبة الاعتذار أو القصاص من المذنبين، ومحاولة تصوير العنف ضد المصريين هناك بأنه مجرد تجاوزات فردية وليس سلوكا عاما!


فى الوقت نفسه لسنا مع المزايدة ومحاولات إذكاء الفتنة من «الصحف الموجهة» «والجمعيات الممولة» التى تتخذ من هذه الوقائع ذريعة لتعكير صفو العلاقات «المصرية ـ العربية» أو استغلالها سياسياً لتصدير صورة زائفة عن تراجع دور ومكانة الدولة المصرية فى المنطقة وربطها بهذه الانتهاكات!


نفتح هذا الملف ـ رغم حساسيته ـ حيث ساءنا أن تهدر كرامة المصريين ويتعرضوا لمعاملات مذلة وانتهاكات صارخة فى دول المفترض أنها وطن ثان لهم، والأدهى أن يتم ذلك على أيدى الأشقاء!


ومع تأكيدنا أن كرامة المصرى من كرامة الوطن، وعليه يظل الحفاظ عليها مصانة خطا أحمر لا يجوز المساس به وواجبا وطنيا على كل من فى موقع المسئولية وله علاقة بهذا الملف! بعض أبناء الدول الشقيقة فسروا خطأ «شفرة» التسامح التى تتعامل بها «مصر» لكونها الشقيقة الأكبر إنه تهاون فى حق أبنائها ـ وهذا غير صحيح ـ مما زاد من تماديهم فى هذه السلوكيات!


خصوصاً أن الإدارة المصرية تعاملت بنوع من الترفع وحاولت احتواء هذه المشاكل ودياً دون تصعيد، وقبل أن تصل إلى نقطة «الأزمة»، واعتبرت عادة ما يحدث مجرد مشاغبات ولكن يبدو أن الرسالة لم تصل، والنتيجة أن ثوب التسامح أصبح ملطخاَ بخطايا الانتهاكات والتجاوزات! ما سبق لا يجعلنا نعفى المواطنين المصريين أنفسهم من مسئولية بعض ما يتعرضون له بسبب جهلهم بطبيعة وسلوكيات شعوب هذه الدول، أو لخروجهم عن القانون كما فى واقعة الحكم على 23 من المصريين فى ليبيا بالإعدام بعد اتهامهم فى قضايا قتل لمصريين وليبيين هناك!


ولولا تدخل وزارة الخارجية المصرية قبل ساعات من تنفيذ الحكم لدى الحكومة الليبية بهدف استعادة مواطنينا وإقناع 9 أسر من أهالى الضحايا بقبول الفدية وسقوط الأحكام، ورغم نجاح المفاوضات فى مجملها كاد يجهضها أهالى المجنى عليهم من المصريين الذين حاولوا الضغط بكل السبل للحصول على أعلى سعر فى الفدية!


كذلك ما استنه المعتمرون المصريون فى هذا التوقيت من كل عام بالدخول إلى أراضى المملكة العربية السعودية بتأشيرة عمرة ثم يبدأون فى عمليات هروب جماعية منظمة داخل الأراضى السعودية وذلك بهدف اللحاق بموسم الحج او البحث عن فرصة عمل، وشهدت الأيام الأخيرة واقعتين، الأولى قام فيها المعتمرون بالإعتداء على سائق الأتوبيس ومندوب الشركة المنظمة لرحلة العمرة للحصول على جوازات السفر والثانية قبل أيام عندما فوجىء العاملون بأحد فنادق مدينة مكة المكرمة ومندوبو الشركة المنظمة للرحلة بهروب جميع المعتمرين المقيمين بالفندق والبالغ عددهم 72 معتمراً ليلاً دون أن يشعر بهم أحد والغريب أن المعتمرين تركوا جوازاتهم وتذاكر السفر عكس الواقعة الأولى!



يأتى عدم الالتزام من قبل المعتمرين المصريين رغم أن الشركة المنظمة قدمت لهم البرنامج المعد للرحلة والمدة المحددة شاملاً جميع العقوبات التى ستوقع على المعتمر فى حالة هروبه وتخلفه عن العودة حسب تأكيدات «أسامة العشرى» ـ وكيل وزارة السياحة ـ بخصوص تلك الواقعة، والتى لن تعرض هؤلاء الهاربين لمشاكل أمنية فقط، ولكنها قد تعود بالسلب على شركات السياحة المصرية التى توقفت أغلبها عن تنظيم رحلات عمرة خوفاً من حالات التخلف والهروب!


فضلاً عن ذلك تسببت وقائع مشابهة فى الأعوام الماضية إلى احتجاز ما يزيد على 2700 مواطن مصرى تم تكديسهم بسجن الترحيلات بجدة والرياض من المتخلفين من المعتمرين والذين انقضت إقامتهم الشرعية وتدخلت الخارجية لترحيلهم إلى مصر ورعايتهم حتى وصولهم إلى أرض الوطن مع توفير العلاج وتذاكر السفر لمن لا يمتلك قيمتها!


لا يمكن إنكار مسئولية المغتربين المصريين وتهاونهم فى حقوقهم، بعدم التزامهم بتوثيق عقود العمل فى وزارة القوى العاملة فى مصر والقنصليات المصرية فى الخارج عن طريق المستشارين العمالين الملحقين بسفارتنا، وهو خطأ مشترك بين المواطن والجهات المسئولة التى عليها ملاحقة المغتربين الجدد، خاصة أن أغلبهم من البسطاء بهدف تلقينهم حقوقهم وواجباتهم فى هذه الدول! ما تقدم أيضاً لا ينفى السلوك المتعسف من قبل الأجهزة الرسمية فى الدول الشقيقة ومواطنيها فى حق المصريين والذى يحمل فى باطنه أبعادا سياسية واجتماعية واقتصادية غيرت من مفهوم الشقيق العربى لدور المغترب المصرى والأصل فيه التكامل لا التناحر!
الظاهرة ليست جديدة إذ كان الخط البيانى لها مرتبطا بالمناخ السياسى بين الدول الشقيقة ومصر ولا أدل على ذلك من المفارقة بين مشاهد احتفال العراقيين الموجودين فى مصر بفوز منتخبهم ببطولة آسيا لكرة القدم ومشاركة الشعب المصرى لفرحتهم فى لقطات بثتها الفضائيات أعلى كوبرى قصر النيل وبين مشهد فرض نفسه من الذاكرة للسيارات والمركبات العراقية التى خرجت تدهس المصريين الذين كانوا يحتفلون فى شوارع بغداد بأداء فريقهم عقب مباراة منتخبنا الوطنى مع هولندا فى كأس العالم 90!