لو كانت مقاطعة الدنمارك لم يفتّ في عضدها الوهن والاختلاف، لكان ذلك درساً تعيه السويد جيـّدا، قبل أن تتبجّح بحريـّة الصحافة لتغطـّي على جريمتها بالإساءة إلى صفوة الله تعالى من خلقه خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، ولكن إلى الله المشتكي، و إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وهل داؤنا في هذا الزمان إلاّ هذا الإختلاف الذي مكـّن الأعـداء منّـا ؟!

أرأيتـم كيف أنّ اليهـود يرصدون كلّ من يكتب أو يقول مالا يعجبهم - حتى في شأن تاريخهـم - فيحملون على من يزعجـهم موقفـه، حملـــةَ رجـل واحـد، حتى أجبروا الغرب المتبجح بالحريـّة، أن يلقـي حريـته وراءه ظهريـّا، فيلاحق كلّ من تسوّل لـه نفسه أن يمسّ أخوة القردة والخنازيـر في كلمة مقروءة أو مسموعـة بأذى!

ولك أن تعجـب كيف صدر بتاريخ 20 فبراير العام الماضي، حكما بسجـن المؤرخ البريطاني اليميني ديفيد إرفينج 3 سنوات، بعد أن وجدته المحكمـة مذنبا، بتهمـة إنكارالمحرقة اليهوديـة، على خلفية آراء عبّر عنها قبل 17 عاما ! مع أنّه في المحكمة أقرّ بتراجعه عن آرائه القديمـة هذه، فلم يشـفع له ذلك.

ثـم أنظروا في أعجب من هـذه، كيف سعـى هؤلاء الشرذمة القليلون عقـودا، حتـى نجحـوا أخيـرا في صهينة النظام العربي، رويدا رويدا، حتى وصلوا إلى أن منعوا إيذاءهم باللفظ في الإعلام الرسمي في بلادنـا، وجعلوهـا جريمـة عظيمـة، فلا تتجـرّأ أي مؤسسة إعلامية رسمية أن تطلق على كيانهم، الكيان الصهيوني، بل تسمّيهم بأحب الأسماء إليهم !

مع أنّ هذا كلّه لم يرضهم، فغايتهم العظمى صهينـة العقل المسلم نفسه بالتطبيع، هذا هـو الحلم الصهيوني الذي تدق له الصلبان على السيـوف هذه الأيّام بقيادة أمريكا، وقـد انصاع لهـا أذنابهـا انصيـاع العبيـد لسيدهـم، مصداقا لقول الحق سبحانه {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}[البقرة:120].

وما يدريكم - ونسأل الله أن لايكون وهو غير كائن بإذن الله - أن يأتي اليوم الذي نلقى فـي غياهـب السجـون، مثل ذلك المؤرخ البريطاني، ليس على تلاوتنا آيات العداوة لليهود من القرآن فحسب، بل على تشكيننا في الهولوكست !!

أمّا والله لو بقـيت الأمـّة على هذا النحـو من أمراضها التي تنخـر قوتها، ليوشكنّ أن يصيبنا ذلك، غير أنّ الأمـل بالله أولا، ثـم برجال يستعملهم الله تعالى لنصـر دينه، بسلاحهم في ميدانه، وبلسانهم في ميدانه، أن يبكـت عدونا، ويعلي ديننا، ويرفع رايتنـا.

هذا وممّا يثيـر العجـب أنّ أكثـر الإساءات الصادرة على الأنبياء عليهم السلام، في الغـرب، ومن وسائل إعلامهم، تكاد تنحصـر في نبيّنـا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم المسـيح عليه السلام.

بينمـا لايُذكــر شيء من ذلك عن موسى عليه السلام، ومع أنّ الإساءة إلى أيّ نبيّ من أنبياء الله تعالى هـي جريمـة الكفر والردّة ممـّن يدعي الإسلام، وهـي أعظم جريمة من غيره، غيـر أنّ هذه الملاحظة واضحة الدلالة على أنّ وراء تلك الأحقـاد اليهود أنفسهـم، فهم وحدهـم الذين كفروا بالمصطفى والمسيح.

ثمّ إنّ حقدهـم على محمّد صلى الله عليه وسلم لايوصف مداه، ولا يعرف منتهاه، وكلّمــا ظهـر دينـُه، وعلـت آياتـُه، وسطعت براهين صدق رسالته، امتلأت قلوبهم حقـدا عليه، فبدت البغضاء من أفواههـم، وما تخفـي صدروهم أكبـر.

ولاريب سنأتسـى بالقرآن الذي قال فيمن خاض في عرض النبيّ الأكرم صلى الله عليه وسلم، وزوجته الطاهـرة عائشة رضي الله عنها : {لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النور:11].

فنعتـبر بذلك، متيقنيـن أنّ هذه الموجـة الحاقدة، الآخذة في التصاعد مؤخـرا، من التطاول على نبيّ الإسلام، والتحريض على الإسـلام، والتميـّز العنصـري البغيض في الغـرب ضد المسلمين، كما هو مؤشّـر على حضور الإسلام العالمي المتسامـي وقـوّة إنتشاره، هـو يكشف حقيقة عدوّنا، ويفضـح باطنه، ويجـلّي أمـره لأمتنا.

ثم إنّ هذه سنة ماضية مع كلّ نبيّ أرسله الله تعالى، فما ضـرتهـم عداوة شياطين الإنس والجـنّ .

قال ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى :" {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)} [الأنعام:112-113]

يقول تعالى: وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداءً يخالفونك، ويعادونك، جعلنا لكل نبيّ من قبلك أيضا أعداء فلا يَهِيدنَّك ذلك، كما قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} [آل عمران:184]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} [الأنعام:34]، وقال تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت:43]، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:31] ".