ن نحب أطفالنا، ونريدهم أن يكونوا سعداء ، لا يعني أن نحقق لهم جميع رغباتهم، فهذا النوع من الحب، لا يبني شخصية الطفل بطريقة إيجابية، إذ يضعف التدليل إحساسه بالأمن والطمأنينة، ويدفعه إلى التفكير في ذاته فقط، أي أن يصبح أنانياً، كما أنه قد يتجه إلى السرقة عندما لا تحقق رغباته عندما يكبر، ويرتفع ثمن ما يرغب فيه من أشياء، ويجد الوالدان صعوبة في الاستجابة لها مادياً.

إذن ، علينا كآباء أن نضع حدوداً لرغبات أطفالنا، أن نعلمهم الفرق بين التصرف الصحيح و السلوك الخاطئ، إلا أننا لا نتوقع أيضاً أن يكون أبناؤنا سعداء بهذه الحدود، لن يبتسم الطفل لوالده ويقول له : شكراً يا أبي لأنك طلبت مني أن أترك اللعب لكي أدرس.
أو يقول له: أشكرك يا والدي لأنك أمرتني أن أجمع ألعابي، وأعيدها إلى مكانها بعد أن أنتهي من اللعب.

كما أن الأب الذي يريد أن يعلم ابنه معنى المشاركة ، فيطلب منه أن يشارك أخته في قطعة الحلوى التي معه، لا يتوقع أن يكون ابنه فرحاً ويقول له: أشكرك يا أبي لأنك طلبت مني أن أقتسم قطعة الحلوى مع أختي.

من الطبيعي أن يتضايق أطفالنا من الحدود التي نضعها لهم، وعلينا أن نتوقع إجاباتهم الغاضبة، أو عبوس وجوههم أو تجاهلهم، لأنهم يكرهون قوانيننا وحدودنا التي نضعها لهم، كما أنهم لا يحبوننا في تلك اللحظات، إذ من الصعب على الأطفال أن يفصلوا بيننا وبين تصرفاتنا، وعندما نصر على أن يفعلوا شيئاً لا يريدون هم أن يفعلوه، أو عندما نرفض أن نستجيب لتوسلاتهم، فإننا كثيراً ما نسمع منهم هذه الجمل الغاضبة ( أنت لئيم ) ، أو ( أنك لا تحبني ) ، أو ( أكرهك ) ، أو ( أنا لن أكون صديقك ) ، أو ( أنا لن أحبك بعد اليوم ) .

إلا أن كراهية الطفل هذه مؤقتة فقط، لأنه لم يحصل على ما يريد، وللمزيد من التوضيح، سأضرب مثالاً عملياً لنرى كيف تعاملت أم سهير بمهارة مع كراهية ابنتها المؤقتة.
مثال عملي ايجابي

كانت الأم في طريقها للخروج من البيت، عندما طلبت منها ابنتها سهير البالغة من العمر أربع سنوات، أن تشتري لها بعض العلكة ، إلا أن الأم رفضت قائلة : لن أشتري لك علكة، لأنها مضرة لأسنانك.
ردت سهير غاضبة: أنت لا تحبينني، أنا أكرهك.
علقت الأم بهدوء: تبدين غاضبة.
قالت الابنة: ولن أحبك بعد اليوم، أو أكون صديقتك.
ردت الأم: أنت غاضبة إلى حد أن تقولي بأنك لن تحبيني بعد اليوم.
أجابت سهير: لن أحبك، ولا أريد أن أرى وجهك.
قالت الأم: ربما عندما لا تكونين غاضبة جداً، ستشعرين أنك تحبينني مرة أخرى، وستسرك رؤيتي.
وبعد مرور عشر دقائق
عادت سهير إلى أمها قائلة: أنا لست غاضبة الآن، هل تلعبين لعبة معي؟
ردت الأم بترحيب: طبعاً يا حبيبتي.

لقد تعاملت والدة سهير معها بمهارة عالية، لأنها توقعت أن رفضها شراء العلكة لابنتها سوف يضايقها، لذلك لم تهتم شخصياً عندما قالت لها: أنت لا تحبينني، أنا أكرهك.
فهي تعلم أن شعور ابنتها مؤقت، وقد عبرت به عن غضبها لأنها لم تستجب لرغبتها، لقد وضعت هذه الأم حدوداً لابنتها، وأشعرتها أنها تدرك شعورها من خلال إجابتها: أنت غاضبة إلى حد أن تقولي بأنك لن تحبيني بعد اليوم.
إلا أنها جعلتها ملزمة بقبول تلك الحدود من أجل مصلحتها.

مثال عملي سلبي

والدة محمد لم تفعل ذلك، وإنما استسلمت لابنها لأنه أشعرها بالذنب إذا لم تدعه يشاهد برنامجه، لم تلزم ابنها بالحدود التي وضعتها بطريقة حازمة، مثلما يتضح لنا من عرض هذا المثال:
قال محمد لوالدته: أريد أن أشاهد البرنامج القادم.
أجابت أمه: لكنك لم تتوقف عن مشاهدة التلفزيون منذ أن عدت من المدرسة.
رد محمد: أعلم ذلك، لكن ليس لدي أي واجبات مدرسية اليوم.
قالت الأم: ولو، لقد شاهدت التلفزيون بما فيه الكفاية.
قال محمد: أرجوك يا أمي، إنه استعراض عظيم.
أجابت الأم: لكن عيناك متعبتان من طول مشاهدتك للتلفزيون.
عاد محمد يلح عندما لاحظ أن أمه بدأت تلين لمطلبه: البرنامج لن يتجاوز نصف الساعة، أرجوك يا أمي.
إلا إن أمه عادت تقول: لكني أعتقد أن البرنامج غير مناسب لسنك.
هنا، بدأ الابن يضغط على شعور والدته بقوله: إن أصدقائي يشاهدونه كل أسبوع، سأكون الشخص الوحيد الذي لم يشاهده.
عندئذ، استجابت الأم لإلحاح ابنها وسمحت له بمشاهدة البرنامج، فهي لا تريده أن يكون غير سعيد، ووقعت دون أن تشعر في مصيدة إسعاد الطفل، عندما كسرت الحدود التي وضعتها لابنها.

لكن الأم تخطئ في تربية طفلها إذا فعلت ذلك، إذ كان المفروض أن تعالج هذا الموقف مع ابنها بالأسلوب الذي اتبعته والدة سهير، لكي لا تقع في مصيدة الحرص على إرضاء ابنها بصورة مؤقتة قد يكون لها تأثير سلبي على شخصيته مستقبلاً، عندئذ سيجد الطفل نفسه مضطراً للالتزام بهذه الحدود، حتى لو لم يرض بها ، لأنها تهدف من ورائها إلى مصلحته، وبهذا الأسلوب الحازم المقنع في التربية، ينشأ الطفل بنفس متوازنة تدرك الحدود التي تقف عندها في سبيل تحقيق رغباتها